الكتابةُ المحفورة في ذاكرَة الذات والمقبلة منها، باعتبَار الذاتَ سيرورة في التاريخ والزمن، وتخضع للتحول والتبدل، تكون دوما فالحة في المُكوث والاستمرار في ذاكرة القراء، لا لشيء إلا لقدْرتها على التعبير عن الوعي الجمعي المسكوت عنه، وغير المرغوب فيه، نظرا للذهنيات المتخلفة والمتكلسة التي تسعى لإخفاء أعطاب الذات باسم القيم والمشترك، ولعل الذي بوأَ إبداع الكاتب الطنجاوي محمد شكري المكانة اللائقة، هو هذه اللفتات الابتداعية التي بصمتها كتاباته، انطلاقا من «الخبز الحافي» مرورا بزمن الأخطاء ووقوفا عند وجوه، بدون إغفال السوق الداخل والخيمة والشحرور الأبيض، هذا الأخير كشف عن كون شكري لم يكن كاتبا فقط، وإنما كان ناقدا يشرح الأعمال الإبداعية لكبار الكتاب العالميين، وفيه أبان عن علو كعبه في توجيه انتقاداته لهم، وعلى رأسهم نجيب محفوظ وغيره.
فهذا التراث السردي الموروث لمحمد شكري يدعونا إلى إعادة قراءته، بعيدا عن النظرة القاصرة والرؤية العمياء لكتابة مختلفة، تنهج لغة سردية تحفلُ بجماليات أسلوبية تتقصدُ إضاءة عتمات الذات والتباسات المجتمع، كتابة تشرح العالم وتعيد تشكيله وفق زاوية نظر تغوص في كوامن ومكامن الخلل المجتمعي، والأعطاب المستشرية في العقل المغربي، ومن ثم العربي، هذا العقل/ الذهنية المعلول بأمراض الاتباع بدل اختيار التجاوز/ الكشف طريقا صائبا في معرفة الذات والمجتمع.
فسرديات محمد شكري تقوم بتشريح المجتمع لاستئصال الأورام الاجتماعية المتعفنة، والمُعطلة لدورة التاريخ ولآليات السيْر صوب المستقبل، وهي سرديات بصيغة الجمع تنتقد واقع الهامش، المنسي والمليء بالمفارقات الجديرة بإعادة النظر فيها لتخطي هذه الوضعيات، وبناء مجتمع أكثر فاعلية في السيرورة الاجتماعية. رغم أن محور العملية السردية في جل كتاباته السيرروائية، هو الذات بما تحمله من خدوش نفسية، وانتماء طبقي خارج التصنيفات المألوفة، ومثقلة بتعنيف اجتماعي وما تعرضت له من انتهاكات، مست حقها في الحياة. وكبحت جموحها لمعانقة العالم برحابة أمل. لكن في رواية «زمن الأخطاء» التي تعتبر انعطافة متميزة في تجربة الكتابة عند محمد شكري، وسيرة ذاتية مجروحة تؤسس لبرنامج سردي لا يتغيى الاحتفاء بالذات، في عظمتها وجدارتها، وإنما تروم الكشف عن بؤس الإنسان في واقع العنف والقهر بتجلياته المختلفة، وبالتالي فهي كتابة احتجاجية ضد ما تتعرض له الذات من عنف مزدوج عنف الرغبة في التملص من بيئة أسرية ملوثة بسلطة الأب، وما تعيشه الأم من واقع العبودية والاستسلام لنزوات وأهواء الأب، الذي يصوره الكاتب في صورة وحش ومجرم قتل أخاه، لذا يتمنى أن يقتل أباه بكلتا يديه، كما صرح وصرخ في «الخبز الحافي» ما حول سردياته إلى فضاء للإدانة و الفضح.
وقد التزم محمد شكري بالميثاق السيري، فهو كان واضحا في المجرى السردي، إذ اعتمد على لغة عارية بدون كليشهات تعبيرية براقة، بل لغة لا تقول إلا ألم الذات وتناقضات الواقع، ولم ينشغل بتقديم الذات في صورة ملائكية، وإنما في صورة شيطانية محملة بأفعال دنيئة ومبتذلة، من وجهة نظر الذهنية النقدية الأخلاقية، هذه الصورة الشيطانية ما هي إلا مرآة تعكس جوهر الواقع العليل بأمراض اجتماعية، حيث البغاء والعنف الاجتماعي والشذوذ الجنسي والمخدرات وزنا المحارم، تعبير عن واقع المجتمع. ولم يهتم بتجميل شروخ الذات لتمويه القارئ، عكس العديد من كتاب السيرة الذاتية الذين جعلوا ذواتهم مطهرة، وذات قداسة لا تشوبها شائبة النقصان، ولم تلوث بنتانة واقعهم، بل قدموا الذات في صورة مثالية، كما هو الشأن في سِيَرِ كل من طه حسين والعقاد وأحمد أمين وعبد المجيد بن جلون وعبد الله العروي، لذا اتسمت سرديات محمد شكري بالخروج عن الذوق العام وتجاوزه، ومتخطية المألوف والسائد، وبالصدق والإيمان بأحقية الذات في قول العالم بجرأة مشرحة الواقع بمبضع الفضح والكشف.
التزم محمد شكري بالميثاق السيري، فهو كان واضحا في المجرى السردي، إذ اعتمد على لغة عارية بدون كليشهات تعبيرية براقة، بل لغة لا تقول إلا ألم الذات وتناقضات الواقع، ولم ينشغل بتقديم الذات في صورة ملائكية، وإنما في صورة شيطانية محملة.
إن الذات السردية منذورة للاحتفاء بكينونتها والتغني بأخطائها ولعناتها ومسراتها تقول: (نشرت لي جريدة العلم قطعة نثرية «جداول حبي» مع صورة بالبابيون. دوخني الفرح وسكرت احتفالا بموهبتي الأدبية. اشتريت أعدادا كثيرة وزعتها على رفقائي، لأشعرهم بأهميتي بينهم. فكرت: ابن الكوخ والمزبلة البشرية يكتب أدبا وينشر) فالمحكي السردي يوطن وجود الذات الرمزي والمعنوي عن طريق الكتابة، رغم ما يسمُ هذا المحكي من سُخْرية مُبَطنَة تحمل دلالة انتقادية لوضعها الطبقي المأزوم، الذي ترمز إليه عبارات ابن الكوخ/ المزبلة البشرية، وفي هذا تقابل ضدي بين المقدس المتمثل في الأدب، والمدنس الطبقة الاجتماعية، مما يُحيل على أن الإبداع وسيلة من وسائل الانسلاخ الطبقي الذي تهفو إليه الذات.
ومن تجليات البعد السردي في كتابات محمد شكري الحضور البارز لضمير المتكلم، هذا الحضور يشكل تعبيرا بينا عن الذات، من خلال، المشاعر الذاتية المُعبر عنها وموقف الكاتب من القضايا الاجتماعية التي عاشها في فترة تاريخية كان فيها المغرب تحت رحمة الاستعمار، وتحولات المجتمع المغربي، وما يزخر به من ظواهر اجتماعية مفارقة، وهذا ما تجسده بورتريهات شخوص «الخبز الحافي» و «زمن الأخطاء» و«وجوه» فنشير إلى فطيمة، كنزة، ربيعة، حبيبة، سارة، باتريسيا، روساريو وسالية، التي تمثل مرآة تنعكس عليها حياة محمد شكري ومغامراته المحطمة لتوابيت الأعراف والذهنيات التقليدية، ومن ثم تكسير هالة السرد الذي ظل رهين بنية سردية متداولة وقائمة في الخطاب السردي، كما أن معاناتها تمثيل لمعاناته، ومغامراتها تعبير حي عن مغامراته. شخوص تمكنت من الحديث عن حيواتها المشوبة بالدناسة وخطابة القاع المغربي، ومسيجة بفضاءات طنجة اللعينة، بعدما كانت محرومة وممنوعة من الكلام أمام فظاعة الهامش المبتذل والهجين.
ولابد من الإشارة إلى أن أعماله السردية تتميز بسخرية جديرة بالدارسة والكشف عن دلالاتها المختلفة، فاللغة السردية تسخر من كل شيء من الذات والعالَم والمجتمع، ونمثل لهذه اللغة الساخرة بقول السارد (أحلق وجهي مرة أو مرتين في اليوم إلى حد البرنزة. أتعطر حتى صرت أحمل في جيبي قارورة صغيرة من عطر الجيب. ابن البراكة وعشير الفئران يتأنق. يتحضر. يتطور. يخرج من جلد خشن ليدخل في جلد ناعم) هذا الخطاب يثوي سمة التهكم والاستهزاء من واقع المفارقات الغريب والمثير للأسئلة الحارقة، أليس في هذا الملفوظ تبئير للتخييل الذاتي وشحنه بتأويلات شتى، تفحم المتلقي في عوالمه المشبعة بالنتانة الاجتماعية – إن صح القول – وتزداد السخرية احتداما في هذا المحكي إذ يقول السارد (ثيابي تتسخ وتبلى وتفوح منها روائح جسدي. القمل يعشش فيها. حذائي يتسرب إليه الماء. شعري يغزر ويتدبق وسخا. أحكه باستمرار حتى يسود ما بين أظافري. حين أمشطه إلى الأمام. لأنظفه من قشرة الرأس والغبار، يتماشط منه قمل أسود نشيط. في كل مشطة لا أقل من ثلاث أو أربع قملات سمينة تتحرك بحيوية) إنها صورة ساخرة عن واقع الذات الموشوم بالعفونة، وحدة العنف الاجتماعي الممارس على الذات السردية، والذوات المُشكلة للخطاب السيرذاتي.
فكتابة محمد شكري بمثابة مهماز يوخز الضمير البشري، ويؤنبه للالتفات إلى الواقع وما يحبل به من تطاحن اجتماعي وصراع طبقي مؤلم، وما يعيشه من مماحكات ومناكفات قاسية، وإعادة النظر في مثل هذه الكتابات التي تدق ناقوس الانتباه وتنكأ الوعي الإنساني ليستفيق من سباته المُخزي، قراءة وحفرا لاستلهام غناها المعرفي والإبداعي.
٭ شاعر من المغرب