تدمير النسق الكولونيالييحيى بن الوليدمحمد شكري (1935 ـ 2003) ‘علامة ثقافية’ لافتة في الكتابة السردية بوجه خاص والواقع الثقافي في ‘المغرب ما بعد الكولونيالي’ بوجه عام، ومرد ذلك إلى ما اتسمت به كتاباته من ‘مواقف’ تندسّ في ما يمكن نعته بـ ‘المغرب الآخر’ أو ‘المغرب الاحتجاجي’، وخصوصا من ناحية نصه الاستثنائي ‘الخبز الحافي’ الذي كان وراء شهرته ‘العالمية’. ومحمد شكري، وعلى غرار كتّاب كثيرين، ‘ضحية’ هذا الكتاب الذي لا يفي بمفرده لفهم جانب مهم من ‘خطابه’ الذي يندرج، في تصورنا، ولا سيما من ناحية اتكائه، وبالكلية، على ‘السرد الثقافي’، ضمن ما ينعت بـ ‘خطاب ما بعد الاستعمار’ التي نعدها ‘مدخلا’ جديرا بأن يدنينا من طبيعة ‘الإسهام الثقافي’ الذي يمثله ‘عمل’ محمد شكري.
والظاهر أن سيرة ‘الخبز الحافي’، بدورها، قابلة لأن تقرأ بالاستناد إلى هذه النظرية حتى وإن كان محمد شكري يبدو فيها مهموما بـ ‘لقمة الخبز’ بدلا من ‘أرض الوطن’، وهي قابلة لـ ‘القراءة ما بعد الاستعمارية’ لا لأنها تتحدث عن مرحلة من حياة صاحبها (1935 ـ 1955) تندرج ضمن فترة الاستعمار فقط، وإنما ـ وهذا هو الأهم ـ لأنها تنطوي على العديد من خواص أو لوازم ما ينعت بـ ‘النص الثالث’ أو ‘النص ما بعد الكولونيالي’. وتتمظهر هذه اللوازم على مستوى ‘اللغة’ ذاتها، ‘اللغة (العربية) المهجّنة’، وعلى مستوى ‘التلفظ’ و’ السرد’ و’ المسرود له’ و’ ألاعيب اللغة’ و’ الشخصيات’ و’ الازدواج اللغوي’ و’ الشفاهية’ و’ الشروح الهامشية’…. وعلى مستوى ‘التمثيل’ (الذاتي) لجانب مهم من ‘النسق الثقافي للمرحلة’ الذي ‘يتداخل’ مع ‘نسق الآخر’ واعتمادا على ‘التعايش المحدود’ و’ التصادم الغالب’. ويهمنا أن نشير، هنا، إلى أن محمد شكري كتب، وعلى مدار يقرب من أربعة عقود، في مجالات أو جبهات عديدة، لكن بما يعكس نوعا من ‘الوحدة’ التي لا تخطئها القراءة. وكان من البديهي أن يدشِّن مساره الإبداعي بالقصة القصيرة التي لوَّت بالمشهد الأدبي/ الثقافي الساخن لسنوات السبعين اللاهبة بالمغرب، وهذا ما ستعكسه مجموعتاه ‘مجنون الورد’ (1979) و’ الخيمة’ (1985). غير أن ‘مزاجه الحاد’، أو ‘تكوينه الشخصي النافر’، سرعان ما سيقوده، وبما لا يفارق الإطار العام للمجموعتين سالفتي الذكر، إلى معشوقته الأولى ‘السيرة الذاتية’، وعلى وجه التحديد ‘السيرة الذاتية ـ الروائية’، التي ستستوعب ثلاثيته: ‘الخبز الحافي’ (في صيغتها الانكليزية 1973 والعربية 1983)، و’ زمن الأخطاء’ (1992)، و’ وجوه’ (2000). هذا بالإضافة إلى ولعه بالمسرح الذي سيقوده إلى نشر نصه اليتيم ‘السعادة’ (1994)، في انتظار نشر مسرحيتيه ‘الطلقة الأخيرة’ و’ موت العبقري’، ثم سيرته النقدية المفتوحة ذات العنوان الشاعري ‘غواية الشحرور الأبيض’ (1998) التي ‘يؤرخ’ فيها لـ ‘مقروئه’ في مجال الأدب العربي والعالمي. ورسائله مع الناقد والروائي (المغربي) محمد برادة ‘رماد وورد’ (2000) التي لا يمكن التغافل عنها هي الأخرى في سياق رصد ‘خطاب’ محمد شكري.
وكل ذلك أيضا في المدار الذي لا يفارق كتاباته حول أجانب، أقاموا، وبأهداف متفاوتة، في طنجة، وبدءا من كتاب ‘جان جينيه في طنجة’ (بالانكليزية 1973) و’ تينيسي وليامز في طنجة’ (1983) و’ بول بوولز وعزلة طنجة’ (1996)؛ وجميع هذه ‘المذكرات’ لا تفارق ما يمكن توصيفه بـ ‘تدمير النسق الكولونيالي’ الذي يتكشّف عنه محمد شكري ‘الكاتب’ و’ البطل’: كاتب النص وبطله في آن واحد. وليس غريبا أن’ تتأطر’ كتابات محمد شكري، حول الأجانب، داخل هذا ‘النص’ في تنوعه / توحده. على أن هذا النص، بدوره، يتأطر ضمن التاريخ ذاته وفي إطار من العلاقة معقدة الأطراف التي تصل هذا الأخير بـ ‘الجغرافيا الثقافية’. ومن ثم فإن ‘نص’ المذكرات ما كان سينتهي إلى ‘الأفق’ الذي انتهى إليه لولا ‘الإقليم الثقافي’ أو ‘الجغرافيا الثقافية’ لمدينة طنجة التي استوعبت الكتاب الأجانب الثلاثة، العالميين: جان جينيه (1910 ـ 1986) وتينيسي وليامز (1911 ـ 1983) وبول بوولز (1910 ـ 1999). وقد بدا لنا، في هذه الدراسة، أن نعنى بدراسة كتابات محمد شكري عن الكتاب الأجانب الثلاثة الذين أقاموا في طنجة وسواء في عهدها الدولي الذهبي كما هو الشأن بالنسبة إلى تينسي وليامز أو استمروا في الإقامة فيها بعد هذا العهد كما هو الشأن بالنسبة إلى كل من جان جينيه وبول بوولز حتى وإن كان هذا الأخير يظل الأبرز والأوحد على مستوى ‘الانغراس العمودي’ في المكان. لقد ظل حاضرا وشاهدا، على ما يحصل بالمدينة، على مدار يقرب من ستة عقود.
وقد استندنا، في الدراسة، إلى نظرة عكسية أفضت بنا إلى أن نفتتحها بدراسة كتاب ‘بول بوولز وعزلة طنجة’ (1996) على الرغم من أنه آخر كتاب ضمن الثلاثية التي كرَّسها شكري للكتاب الأجانب. وقد ارتأينا أن نبدأ بهذا الكتاب، لأنه الأقرب من التأكيد على ‘الحضور الحدي’ لـ ‘تدمير النسق الكولونيالي’. ثم انتقلنا إلى دراسة موقف محمد شكري من الكاتب الأمريكي تينيسي وليامز على نحو ما صاغه في كتابه ‘تينيسي وليامز’ (1983)، وفيما بعد انتقلنا إلى دراسة موقفه من الكاتب الفرنسي الألمعي جان جينيه على نحو ما هو متضمن في كتابه ‘جان جينيه في طنجة’ الذي صدر أول مرة بالإنكليزية العام 1973 ثم العربية العام 1993. ومهدنا للمقالات الثلاثة بمقالين: الأول حول ‘طنجة المتأمركة’، والثاني حول ‘محمد شكري مقاوما الكتاب الأجانب’. وختمنا المقالات بمقال تركيبي ‘تدمير متفاوت’ سعينا فيه إلى تأطير الكتب الثلاثة ضمن ‘تدمير النسق الكولونيالي’. وكما بدا لنا أن نذيل المقالات بمقال مطول ‘محمد شكري ومعادلة المستعمِر والمستعمَر’ وهو في الأصل رد على مقال صغير، ومكثف، كان قد نشره صاحبه الشاعر سعدي يوسف في ‘القدس العربي’ (الثلاثاء 5 نيسان / أبريل 2005) التي أفسحت لردنا (14 / 15 أيار / مايو 2005). ومن هنا وجب التنبيه إلى بعض التكرار في المقال. والمؤكد أن أية قراءة، ورغم منحاها التأويلي، لا بد، وخصوصا إذا كانت ترغب في تعضيد سندها الاصطلاحي، أو المنهجي التصوري، من أن تفيد من مفاهيم تتأطر ضمن نظرية واحدة أو ضمن أكثر من نظرية أخذا بنجاعة ‘المقاربة البينية’ (Interdisciplinaire) التي هي جماع نظريات ومناهج. ومن هذه الناحية، وبالنظر إلى ‘الحضور الكولونيالي’ في العهد الدولي لمدينة طنجة، وبالنظر إلى ‘الميراث الكولونيالي’ فيما بعد، فقد اقتنعنا بنوع من الإفادة، المرنة، من نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي التي هي آخر نوع من الحضور النقدي الحداثي في العالم. وهي النظرية التي كشفت عن آفاق رحبة، بل وبدت الأنسب لـ’ العالم الثالث’ الذي كان الاستعمار ذاته في أساس تشكيله والتخلي عنه فيما بعد. ودون التغافل عن أبناء العالم الثالث، من المقيمين في العواصم الغربية (أمريكا بصفة خاصة)، من الذين كانوا وراء تشكيل هذا الحقل الجديد، وكل ذلك قبل أن ينضاف إليهم أكاديميون غربيون (بريطانيون بصفة خاصة). ويعد الأكاديمي الأمريكي والمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد (1935 ــ 2003) أحد أبرز الذين كانوا وراء تدشين حقل ‘نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي’ التي عرفت انتشارا واسعا في العالم بأكمله، حتى وإن كان تأثيرها في العالم العربي ضئيلا؛ ولعل هذا ما كنا قد سعينا إلى دراسته في كتابنا ‘الوعي المحلق ـ إدوارد سعيد وحال العرب’ (2010). وسيكون من الصعب، أو من باب الذهان القرائي، القول بأن محمد شكري ـ الذي لم ينتسب إلى أية جامعة ـ كان يستجيب لهذه النظرية التي اتضحت، وكحقل معرفي مستقل، بعد أن كان شكري ذاته قد نشر كتابيه حول جان جينيه وتينيسي وليامز وبعد أن كان بول بوولز قد ترجم أعمال شكري الأولى. غير أن تتبعه ليوميات هؤلاء الكتاب في طنجة، وبعض ملاحظاته الذكية، وانتقاداته العنيفة كما في حال تعامله مع بول بوولز… عمل يندرج، وبمعنى من المعاني، ضمن ‘خطاب ما بعد الاستعمار’، وخصوصا من ناحية مفهوم ‘التدمير’، ‘تدمير النسق الكولونيالي’، وهو مفهوم قاعدي في النظرية. وقد بدا لنا هذا المفهوم مضمرا في أحيان وسافرا في أحيان أخرى. هذا على الرغم من بعض التحمس أو الإعجاب الذي يبديه شكري تجاه جان جينيه بخاصة. فتعامل هؤلاء الكتاب، وغيرهم من الذين أقاموا في طنجة، وسواء على مستوى الكتابة أو السلوك، لا يخلو من ‘دلالات الاستشراق’. ولا ندعي أن نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي تستطيع أن تفسر كل شيء في هذه الدنيا كما قيل عنها على الرغم من نجاعة العديد من مقولاتها النظرية ومستنداتها التصورية. ونأمل، في هذه الدراسة، التي سعينا فيها إلى التحرر من سطوة ‘الخبز الحافي’، أن نكون قد ألقينا بعض الضوء على جانب مهم من عالم محمد شكري الثري رغم نصوصه المعدودة. (*). مقدمة كتاب سيصدر لنا، في المغرب، عما قريب.(**). ناقد وأكاديمي من المغرب