محمد عبد الفتاح يرصد «الارتجال» و«التجريب» في المسرح المغربي الحديث

يندرج كتاب «ترويض الحكاية المسرحية» للناقد والمسرحي المغربي محمد عبد الفتاح ضمن الكتابات النقدية في مجال المسرح، وهو يتناول شكلا من أشكال المسرح، وهو المسرح الارتجالي أو المسرح المرتجل، ويتميز تناوله لهذا المبحث بالإحاطة والدقة، الإحاطة بكل الظروف التاريخية والثقافية، التي كانت رواء انبثاق هذا الشكل المسرحي، والدقة في ربط الأسباب بالمسببات، وفي اختيار المفاهيم المتصلة بموضوع هذا البحث. ويعتبر كتابه – قيد هذه القراءة – واحداً من الكتب التي تروم التأصيل لهذا النوع من المسرح، كما تجدر الإشارة خلال هذا التقديم، إلى أن الباحث كتب الكتاب بدافع حبه وولعه الشديدين بالفن المسرحي عامة، وبمسرح الارتجال بشكل خاص، لذلك، جاء طرحه واضحا، دقيقا، ملماً بالموضوع ، وسلسا في اختيار عناصره الجديرة بالاهتمام والطرح.

التجريب والمسرح الارتجالي: أي علاقة؟

يمكن أن ينسحب هذا العنوان على مدخل الكتاب، حيث ينطلق الناقد في البدء، من الإشارة إلى أن التجريب، بما هو خرق للسائد والمألوف، ليس اختيارا من طرف هذا المبدع أو ذاك، بل هو ضرورة وشرط ثقافي لكل إبداع حقيقي، فمفهوم الإبداع، من هذا المنطلق، يشير، بالقوة والفعل، إلى الخلق والتجديد، ويرتبط، كما في تصوره، بالرغبة في الانفتاح على الآني، والتدفق في المستقبل وخلخلة السائد والمستقر، وكل إبداع يركن إلى التقليد والتنميط، إنما يحكم على نفسه بالموت، تحت وطأة التكرار والالتزام بالقالب الواحد. فـ»الالتزام يقتل الإبداع، والمسرح لا يَشُذ عن هذه القاعدة، فهو صيرورة من الأشكال التي ينسخ لاحقُها سابقَها، وصيرورة مستمرة من الهدم والبناء، وفي ضوء هذا، فالتجريب ضرورة ملحة، وشرط لتجنب الانطواء على نموذج واحد، وتفادي الجمود الفكري، وهو ما يؤكده بيتر بروك بقوله: «في المسرح حين نكتشف شكلا فنيا معينا، فإنه ليس بإمكاننا العودة إليه إلى ما لانهاية، بل ينبغي تجاوزه، من خلال البحث والتنقيب عن صيغ وأشكال جديدة». والمسرح الارتجالي، بما هو خروج عن المسرح الكلاسيكي، وخرق لأفق انتظار المتفرج، هو شكل من أشكال هذا التجريب، والمرتجلة، وهي تدعو إلى الخروج على الوضع الاعتباري للمؤلف المسرحي، فاسحة المجال بشكل كبير أمام المخرج والممثل، هي ثمرة من ثمرات هذا البحث الدؤوب عن هذا التجديد، وعن منافذ ضوء للخروج بالمسرح نحو آفاق أبعد وأرحب، من خلال «الرفض للنص وللتقليد الجامد، والاعتقاد بقوة محررة للجسد، وللإبداعية التلقائية».

* الارتجال: المسرح التلقائي

يشير المؤلف إلى أن كل من تعرضوا لتعريف فن التمثيل الارتجالي، على قلتهم، لم تأت تعريفاتهم محددة، وشاملة بالقدر الكافي، قبل أن يستقر على تعريف تقدم به محمد علي مرشد جاء فيه أن: «الارتجال هو أحد أنواع فن التمثيل، يعتمد على اللحظة، أي على ما يستحدثه الفنان في التو واللحظة أثناء العرض، وهذه روح الارتجال، والركيزة الأساسية لهذا الفن». وهو التعريف الذي يتفق مع ما جاء في معجم المسرح لباتريس بافيس: «الارتجال تقنية أداء درامية، حيث يشخص الممثل شيئا غير منتظر، وبدون سابق تهيؤ، وإنما يبتكر داخل حرارة الحركة». أما عن مستويات الارتجال، كما وردت في المعجم نفسه، فنذكر منها الآتي:
– إما أن يكون ابتكاراً لنص، انطلاقا من مخطط معروف، غاية في الدقة.
– أو أداء دراميا، انطلاقا من موضوع، ومن كلمة سر.
– أو ابتكارا كاملا للحركة واللغة بدون نموذج.
– أو إلغاء للكلام، وبحثا عن لغة جسدية جديدة.
وقد حصر بعض الدارسين أنواع الارتجال في ثمانية عشر نوعا، إلا أن النوع المرجح هو: «الانطلاق من فكرة متفق عليها، وعلى كيفية عرضها بشكل عام، وتترك التفاصيل إلى لحظة العرض، وما قد تفجره من إمكانيات، ولا يكتب في ذلك الكثير، بل يعتمد على نوتة صغيرة، أو ورقة فيها بعض الملحوظات عن كل مشهد. أما الباقي فمفهوم، ومتعارف عليه من قبل الممثلين، وعموما يكون الاتفاق عما يجب أن يقال، من ناحية المعنى وليس الألفاظ بالتحديد». أما بخصوص شرط نجاح المرتجلة، فعلى الممثل أن يكون جريئا، وسريع البديهة، وقادرا على التخيُّل، والسخرية، وتعرية الواقع، وله رصيد ثقافي، يوظف النوادر والأحاجي والألغاز ، والألعاب والحكايات، مستلهما أفكار الشخصيات التي يؤديها من مجريات اليوم، وظروف المكان (بهذا يستطيع خلق التجاوب مع الجمهور). وإذا كان من تقنيات المرتجلة: توظيف الشخصية، وتقنية الحوار، والزمان، والمكان، والاستعانة بالحلم، وتوظيف الأسطورة، والخيال، فإن أهم ما يَسِمُ مضمونها هو: نقد البعد المحيط بالمرتجلة، كالوضعية الفنية، والوضعية الاجتماعية، والوضعية السياسية والثقافية، وتفجير اللغة المسرحية وإدخالها في سياق السخرية.

جينيالوجية المرتجلة

تطرق المؤلف في هذا الصدد، إلى أن المسرح الارتجالي ظهرت بوادره مع أرسطو فانيس بمسرحيته «الضفادع» (حوالي ق 6 ق.م)، إلا أن بدايته الفعلية لم تنضج إلا في العصر الحديث، وفي النصف الثاني من القرن العشرين تحديدا، حيث ظهرت محاولات، بعضها حافظ على التسمية ضمن نطاق العرض المسرحي، من مثل: «الليلة نرتجل» لبرانديللو، و«مرتجلة ألما» لأوجين يونسكو، و«مرتجلة باريس» لجورج جوريدو. وقد عاد المؤلف وأشار لاحقا إلى أن فرقة «لاكوميديا ديللارتي» الإيطالية، في القرن الثامن عشر، التي أخذ التمثيل معها خصوصيات، كعدم اعتماد النص المكتوب، والاكتفاء برسم الخطة العريضة للعرض المسرحي، هي بعض تجليات مدرسة الارتجال. وعموما، فقد ظهرت المرتجلة في سياق تاريخي تميز بالثورة على تقاليد المسرح الأرسطي، تزعمها رائد الواقعية الطبيعية إميل زولا، الذي انتقد بشدة المأساة في المرحلة الكلاسيكية، وهو يراها: «لم تمنح جمهورها قط لمسة من لمسات الحرية، مخضعة العقول لقوانينها القاسية».
والحديث عن المسرح الارتجالي، يستدعي الحديث عن «مسرح الممثل» الذي أرسى دعائمه جيزري غروتوفسكي، الذي يرمي إلى الإعلاء من سلطة الممثل، من منطلق أن «مهنة التمثيل تنحصر في الكشف عن ذواتنا الحية، أي عن الجوهر ( إزالة الأقنعة)، وذلك بوضع الاستجابات الجسمية، والفكرية، رهن إشارة المتفرج»، ويتأسس رهان غروتوفسكي في هذا الاتجاه، على الآتي:
– إخلاء الركح من الزوائد، على المستوى السنوغرافي، وفي هذا الإطار تأتي اجتهادته المؤسِّسَة لهذا النوع من المسرح (المسرح الفقير، مسرح المختبر).
– استعاضة الموسيقى المصاحبة للتشخيص بأصوات الممثلين.
– إقصاء المؤلف والمخرج.
وارتباطا بهذا الاتجاه المسرحي، تم الحديث عن مسرح المختبر (من الاختبار، أي التجريب) ويقصد به: أنه ومادام «أن الممثل هو المحور، وعليه تقوم الدائرة، وأن آلة الممثل هي جسده، فينبغي أن تخضع هذه الآلة إلى التجريب بدورها، حتى يستنفر كل طاقاته الإبداعية، بغية فهمه وإدراكه وامتحانه»، ثم الحديث أيضا عن المسرح الفقير، الذي يقصد به خلو الفضاء الركحي تماما، إلا من سلطة الممثل «فعن طريق تناسق الأصوات، الصادرة عن الممثل نفسه، تعوض الموسيقى المصاحبة للتشخيص، أما باقي الأشياء، فبإمكان الممثل أن يصنعها جميعها، من خلال تطويع جسده»، ومن ثم تداول مفهوم آخر، هو «الممثل القديس»، ويرى غروتوفسكي» أن الممثل جدير بهذا التوصيف، نظرا للتضحيات الجسام التي يضطلع بها، والتحديات النفسية والجسدية، والعقلية والعاطفية، التي يرفعها الممثل أثناء العرض.

المسرح المغربي من التأسيس إلى التجريب

يذهب الكاتب إلى أن إرهاصات التجارب المسرحية المغربية، بدأت في عشرينيات القرن الماضي، بالطريقة نفسها التي بدأت بها في الأقطار العربية، رغم غنى وتنوع الفلكلور المغربي في ميدان الظواهر ما قبل المسرحية، كالحلقة والبساط واحتفال سلطان الطلبة… ودخل مرحلة التأسيس والتأصيل، مع أواخر الستينيات، في سياق البحث عن مسرح مغربي، له خصوصيات تميزه عن غيره. وتبقى أسئلة النشأة والتأسيس في المسرح المغربي، كما يستشهد في ذلك الكاتب بما يراه سالم كويندي، ذات طابع فكري وثقافي عام، يؤرخ بها لمراحل نمو الوعي بالذات والثقافة، ورد الفعل إزاء الآخر (بحيث أن المثقفين الوطنيين المغاربة قد وجدوا في المسرح أداة فعالة في رد الاعتبار لهويتهم العربية، من خلال توظيف اللغة العربية في المسرحيات الأولى، والإلحاح على ضرورة النطق السليم بها). الأمر الذي يدفع الكاتب إلى الخلوص على أن المسرح المغربي كان في عمق القضية الوطنية، مجابها للاستعمار.
أما بالنسبة لسؤال التجريب، فيرى الكاتب أنه ارتبط بتجربة الهواة، التجربة التي تختزل مرحلة مشرقة ومتميزة في التأريخ للمسرح المغربي، ثم في بعض النماذج التي اتخذت لها طابعا احترافيا بعد ذلك، توقف الكاتب عند بعضها، وهي:
– أحمد الطيب لعلج: تميز باطلاعه على مسرح موليير الفرنسي، والمسرح الشعبي، وكان توجهه، في المسرح، تربويا إصلاحيا.
– محمد تميد: اعتمد تقنية المسرح داخل المسرح، واستحدث شكلا خاصا به في المعالجة الدرامية، ينبني على الكوميديا السوداء، والاقتصاد اللغوي في الحوار، لصالح لغات أخرى، كالحركة، والرقص، والتعبير الجسدي. وعرف بجرأته في طرح المواضيع السياسية، ونقد الواقع، باعتماد عنصري: الحلم والخيال.
– يامنة عبو: تأسست تجربتها على تحطيم قداسة النص المسرحي، وأهم ما يميز تجربتها أنها تستغني عن النص، وتستعيض عنه بشهادات شفوية، يقوم الممثلون بتجميعها من الواقع، انطلاقا من العينات التي تقدمها المسرحية، كما ظهر ذلك، على سبيل المثال، في نصها «أبراگادابرا» ، كما تعمد، أيضا، إلى إخلاء فضاء الركح إلا من سلطة الممثل، الذي قد يتحول إلى قطعة ديكور (كرسي، سيارة إسعاف…).

سياق المرتجلة في المسرح المغربي

ينطلق المؤلف من أن المرتجلة ظهرت في سياق، اتسمت فيه الأعمال المسرحية المقدمة على الخشبة، بجمود المخيلة لدى المسرحيين، وبتقديم نماذج مسرحية ممسوخة، لم تنتج سوى إبعاد الجمهور عن قاعات العرض. من هذا المنطلق، جاء إيمان المسرحيين المغاربة، لاجتراح هذا الشكل المسرحي، الذي يدعو إلى تكسير سلطة النص، وفسح المجال أمام سلطة الممثل. ويعتبر محمد الكغاط رائد الدعوة إلى تحطيم قدسية النص المسرحي، من منطلق أن النص وحده لا يكفي، فكان أن فسح المجال أمام ذات الممثل في ملء فضاء الركح، وتكسير السائد والمتداول في الأنماط المسرحية الأخرى، كما كان له السبق، أيضا، في معالجة قضية الممثل في أعماله المسرحية، واتخذ من المرتجلة أداته لمعالجة هذه القضية، من خلال نماذج مسرحية، تدخل في صميم المرتجلة، هي: «الشميسة لالة»، و«مرتجلة فاس»، و«المرتجلة الجديدة»، المسرحية التي ارتبط موضوعها بقضايا المسرح، في علاقته بواقعه. أما صراعها الدرامي، فيرسم صداما بين قطبين: قطب يتسم بالانتهازية والارتزاق، يمثله كل من شخوص: المؤلف، والمخرج والناقد المتسلطين، وهمه إحراز تفوق مادي ومعنوي على حساب ذوق الجمهور، وقطب يؤمن برسالة المسرح، وتمثله شخصية الممثل المسرحي، الحالم والعاشق لهذا الفن، والمقاوم لرغبة القطب الأول، في تدجينه لأذواق الجمهور، والانخراط بدوره في لعبة إفساد الذوق العام. ويخلص المؤلف إلى أن مسرحية «المرتجلة الجديدة» تشكل عصارة تجربة الكغاط الإبداعية، التي صور من خلالها جميع مآسي المسرح، وهو ما سوَّغ له أن يدرسها في الشق التطبيقي من الكتاب.

٭ باحث من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية