محمد علي الطاهر: لمحات من فروسية قلم فلسطيني (1 من 3)

حجم الخط
0

محمد علي الطاهر: لمحات من فروسية قلم فلسطيني (1 من 3)

صاحب محل لبيع زيت الزيتون في خان الخليلي حوله الي مركز تجمع لرجالات الوطنية العربية شيخ العروبة احمد زكي باشا.. أحد مناصري فلسطين في مصر تعرض لخديعة نشرتها جويش كرونيكل محمد علي الطاهر: لمحات من فروسية قلم فلسطيني (1 من 3)د. عصام الطاهرملامح سيرة غير تقليديةلن أتبع الأسلوب التقليدي النمطي في الحديث عن المرحوم الأستاذ محمد علي الطاهر، وقد عرف بأبي الحسن، ذلك أنه لم يكن رجلا تقليديا ولا نمطيا، ولكني مع ذلك أجد نفسي أسير العادة فأبدأ لأقول أنه ولد في نابلس وعاش بدايات حياته في يافا حيث كان والده يعمل في التجارة. وقد درس في كتاب الشيخ علي شعبان وكان هذا هو كل تعليمه إن كان هذا يسمي تعليما. وقد عرفت هذا الشيخ شخصيا حين كنت التقيه مع والدي في أواخر الثلاثينيات وكان رجلا مهيبا وقد أصبح من كبار تجار البرتقال وملاك الأراضي، فكنت أقبل يده تبعا لما يفعل الوالد حين يقول هذا هو شيخنا ومعلمنا، وكان الشيخ يسأل عن أخبار تلميذه الآخر محمد علي..كان التلميذ محبا للقراءة يبحث عن الكتب في كل مكان، وكان يستأجرها أو يستعيرها ويأتي بها إلي البيت ليقرأها مدربا نفسه علي مسمع من والدته بصوت عالٍ. وكانت كلها في البدايات عن أبي زيد الهلالي والزير سالم وذات الهمة. وكان في كل مساء يذهب إلي مقهي في أول حي المنشية حيث يجتمع الأدباء المعروفون في ذلك الزمان ليستمع إلي حديثهم. وأذكر منهم الشيخ عيسي أبو الجيبين من أعيان يافا، والأستاذ أحمد الإمام ـ منشيء جمعية ترقي الآداب الوطنية سنة 1909 مع عادل جبر ـ وقد أسسا معا جريدة يومية باسم الترقي. هذا وقد أصبح لأحمد الإمام دور هام في العمل الوطني فيما بين فلسطين وسورية زمن الإنتداب.رأي ذلك التلميذ وهو في سن مبكرة أن يراسل جريدة فتي العرب البيروتية وكان الأستاذ أحمد الإمام يشجعه. وقد قبلت الجريدة اعتماده مراسلا لها في يافا. وكان مما كتبه لها في سنة 1914 قبيل دخول تركيا الحرب مقالا ينبه فيه إلي مخاطر الصهيونية علي فلسطين بعنوان الصهيونيون في فلسطين نبه فيه إلي أن يهود (حارة) تل أبيب يستعملون نقودا نحاسية خاصة بهم نقش عليها خاتم سليمان، وأن لهم طوابع بريدية تحمل صورة هرتزل، وأن هؤلاء اليهود يقومون باستعراضات كشفية ذات طابع عسكري، وأنهم يقومون بإنشاء حكومة يهودية داخل الحكومة العثمانية. وهذا يدل علي اهتمامه بالقضية الوطنية والعمل السياسي في مرحلة الشباب المبكر.وقبيل دخول تركيا الحرب إلي جانب المانيا ضد الحلفاء غادر يافا إلي مصر، وحدثني أنه فعل ذلك غير مرة في أوقات سابقة. وكان الانتقال يتم من ميناء يافا إلي بور سعيد بواسطة مراكب شراعية بسيطة وبأجر لا يزيد عن مجيدي من عملة ذلك الزمن. ولم يكن ذهابه لمصر من منطلق العداء للدولة العثمانية بقدر ما كان نابعا من اعتقاده بأن مصر فيها مجال أرحب للحديث عن قضية فلسطين واليهود.وبحسه الوطني التلقائي وجد نفسه منحازا إلي أحرار مصر ووطنييها الذين يعتبرون الإنكليز محتلي مصر هم الأعداء وليس الدولة العثمانية، لا بل وجد أن الحركة الوطنية المصرية متعاطفة مع الدولة العثمانية نكاية بالإنكليز، فانحاز إلي المصريين. وبهذه المناسبة فإن هذا ربما يفسر لنا النظرة غير الودية التي كانت لدي المصريين تجاه السوريين عموما والملقبين بالشوام الذين غادروا بلاد الشام إلي مصر هربا من الحكم التركي ولكنهم بدلا من أن يعملوا لتحرير بلادهم، عملوا علي إنشاء الصحف بتواطؤ وحماية إنكليزية؛ فكانت الأهرام والمقتطف والهلال والمقطم مملوكة لهم. وكانوا يعينون في وظائف الدولة الحساسة بسهولة خاصة في ما له علاقة بالترجمة والإعلام سواء في مصر أو السودان. وكان الشامي ينظر إليه مع الأسف بأنه عميل إنكليزي وأحيانا فرنسي لا يرتاح إليه المصري. وعند قيام الحرب بادرت إنكلترا بإعلان الحماية علي مصر واعتقلت جميع المناوئين لها من الوطنيين المصريين وكان محمد علي الطاهر من بين من تم اعتقالهم حيث أمضي عامين في معتقل الجيزة المخصص لهؤلاء. ولا بد من الإشارة هنا إلي أن هذا الوضع في مصر يفسر لنا التحفظ الذي كان لدي الحركة الوطنية المصرية تجاه الثورة العربية التي قادها الشريف حسين حيث اعتبرها المصريون حركة ضد الخلافة ولصالح الإنكليز.سورية الجنوبيةعاد أبو الحسن إلي نابلس بعد الحرب مباشرة وشارك لفترة في تحرير جريدة سورية الجنوبية التي كانت تصدر في القدس. ثم عمل مديرا للبريد والبرق في نابلس، ولم يدم ذلك لأكثر من عام حيث استقال من عمله هذا. ولذلك قصة لا بأس من أن تروي: ذلك أن حاكم نابلس العسكري الإنكليزي كان يرسل في مساء كل يوم أحد مرافقيه إلي البريد ليتسلم ما يخصه منه قبل الفرز والتوزيع الذي يتم في اليوم التالي. ولم يكن المرحوم يجد بأسا من أن يفعل ذلك. إلي أن كان يوم جاء المرافق واقتحم عليه غرفته وصاح فيه بصلف بأن الحاكم يقول لك وين البريد واتبع ذلك بأنه مستعجل وعلي المدير أن يترك شغله ليخرج من بين الرسائل بريد الحاكم. ولم تعجب هذه الطريقة الفظة أبا الحسن. فقام بطرد المرافق وطلب منه أن ينقل إلي الحاكم أن عليه الانتظار لليوم التالي كما هو حال الناس الآخرين. ولا بد أن المرافق قد بالغ في بعض الكلمات علي لسان أبي الحسن في حق الحاكم، مما أغضبه وأثاره إذ كيف يمكن لموظف صغير أن يرفض أمره وهو الحاكم العسكري للمدينة وقضائها، فتناول ورقة شبه ممزقة وكتب عليها من الحاكم العسكري إلي مدير البريد عليك تسليم حامله البريد خاصتنا فورا . وعاد المرافق لأبي الحسن نافشا ريشه، وألقي بالورقة أمامه علي المكتب. وحين نظر إليها، قال للمرافق بلغ الحاكم أن البريد مؤسسة رسمية، وإذا كان يريد منها شيئا فعليه أن يكتب ذلك علي ورقة رسمية وأن يوقعها ويختمها ويضع عليها تاريخا ورقما للمراجعة . وكان أن انتظر الحاكم إلي اليوم التالي حيث استدعي رئيس بلدية نابلس آنذاك المرحوم الشيخ عمر زعيتر، والد العلمين المرحومين عادل وأكرم زعيتر. وطلب منه أن يبلغ أبا الحسن بأن عليه أن يترك عمله حالا. وكان الشيخ عمر رجلا حليما واسع الحيلة حيث استطاع إقناع الحاكم بأن له دالة خاصة علي محمد علي لأنه قريبه وسوف يحل الإشكال الذي بينهما بطريقته الخاصة. ولكن طريقته الخاصة تلك لم تكن لتنجح أمام ما فعله أبو الحسن، والذي لم يكن يعلم بمقابلة الحاكم مع الشيخ عمر، وعلي هذا فإنه وفور خلافه مع الحاكم قدَر ما سوف يلجأ إليه من السعي لإقالته، فبادر من فوره بإرسال شكوي من الجهاز البرقي في مكتبه إلي الحاكم العسكري العام في القدس وإلي مدير عام دائرة البريد محتجا علي تدخل الحاكم العسكري في أمور الدائرة المدنية. وجاء الاستفسار عن الموضوع إلي الحاكم من كلا الرجلين. فاستشاط الحاكم غضبا ولم يجد بدا من افتعال سبب آخر رد به علي الاستفسارين، حيث اتهم أبا الحسن بالتدخل في السياسة ضد الحكم الإنكليزي وذلك علي خلفية أن اللجنة التي أرسلها الرئيس الأمريكي ولسون سنة 1919 والمعروفة باسم لجنة كنج كرين للتحقق من مشاعر سكان سورية (أي سورية ولبنان وفلسطين وشرق الأردن) حول مستقبلهم بعد الحكم العثماني والتي أقرت أنهم يريدون الاستقلال تحت حكم الأمير فيصل، الأمر الذي رفضه الإنكليز والفرنسيون.. فقد ذكر الحاكم العسكري في تقريره أن أبا الحسن قام حين كانت اللجنة في نابلس بترك مكان عمله أثناء الدوام الرسمي وراح يتجول حول مقر اللجنة لحض الناس علي المطالبة بالاستقلال، وأن لديه الإثبات علي ذلك. ولما كان هذا ما قد حصل بالفعل، فلم يكن هناك بد من أن يقـــدم أبو الحسن استقالته.تاجر في خان الخليليكانت وجهة نظر أبي الحسن النابعة من تتبعه لتصرف الإنكليز ونواياهم السيئة، خاصة بعد افتضاح اتفاق سايكس بيكو ووعد بلفور، أن الإنكليز عازمون علي مساعدة اليهود لإنشاء الوطن القومي الخاص بهم في فلسطين. وأن مقاومة ذلك تحتاج إلي توعية وتنبيه أبناء المنطقة العربية كلها لهذا الخطر. وكان تقديره أن ذلك غير ممكن في ظل القوانين المعمول بها في فلسطين، والانحياز الذي جسده تعيين أول مندوب سام لفلسطين هو السير هربرت صموئيل اليهودي الصهيوني، والذي كان اليهود يلقبونه بأمير إسرائيل الأول. وعلي هذا عزم علي التوجه إلي مصر والاستقرار فيها لتكون قاعدة أرحب وأوسع للعمل الوطني.أقام أبو الحسن في مصر يكتب في صحفها ويراسل صحف فلسطين ولبنان وسورية، ولم يكن ذلك ليشكل دخلا يمكنه من إصدار صحيفة خاصة به يتمتع بها بحرية الكتابة عما يجول بخاطره. فعمل بالتجارة من خلال دكان في خان الخليلي لبيع الزيت الذي يستورده من فلسطين ويفضله أبناء الجالية الشامية. ومن طريف ما حدث أن أحد كتاب جريدة المقطم الموالية للإنكليز، والتي كانت تقف أحيانا في مواجهة الأهرام الموالية للفرنسيين، أراد في مقال له تعليقا علي ما يكتبه أبو الحسن عن الانتداب البريطاني في فلسطين المتحيز لليهود، أن يقلل من قيمته فقال ان هذا المدعي ليس سوي بياع زيت في خان الخليلي. ولم يجد أبو الحسن من رد عليه سوي أن أضاف هذه الصفة إلي إسمه علي كافة المقالات التي يكتبها فكان يذيل مقالاته بعبارة محمد علي الطاهر بائع زيت في خان الخليلي واستمر علي ذكرها حتي لم يعد مجال لذلك الكاتب أو غيره من ترديدها.استطاع الأستاذ محمد علي الطاهر أن يحصل علي ترخيص رسمي بإنشاء اللجنة الفلسطينية في مصر سنة 1921 وكان سكرتيرا ثم رئيسا لها. وقد استطاع بفضل نشاطه المكثف أن ينشر في معظم الصحف المصرية مقالاته عن فلسطين وسورية، حتي أن جريدة السياسة وهي لسان حال حزب الأحرار الدستوريين، حزب الطبقة العليا من الإقطاعيين والأعيان، كانت تنشر مقالاته بفضل علاقاته الشخصية برئيس تحريرها آنذاك الدكتور محمد حسين هيكل باشا الذي أتاح له نشر عدة مقالات عن وضع القضية العربية، وهو شيء غير مألوف في الصحافة المصرية، ومن مثل هذه الصحيفة بالذات في مثل ذلك الوقت. ومع ذلك فلم يكن يتواني عن مهاجمتها بشدة حين كانت تنشر أخبارا عن فلسطين لصالح بريطانيا والصهيونية، متدثرة بثوب الحيادية والموضوعية!احمد زكي باشاوقد أنشأ من خلال اللجنة الفلسطينية مكتب الاستعلامات الفلسطيني الذي كان يصدر نشرات عن أحداث فلسطين وأخبارها ويقوم بتوزيعها علي الصحف وباليد في بعض الأحيان. وكان مما كتبه في جريدة اللواء المصري محذرا العالم العربي قائلا ان الإنكليز يستهدفون إقامة دولة يهودية في فلسطين لتصبح نقطة ارتكاز لاستعمارهم في الشرق الأدني، وان تلك الدولة ستفصل العالم العربي في آسيا عن العالم العربي في أفريقيا. ودلل علي ذلك بأن عدد اليهود في فلسطين بدأ يرتفع حيث زاد في عامين من 40 إلي 60 ألفا بسبب فتح بريطانيا لباب الهجرة أمامهم.وقد ناصرت القضية الفلسطينية إحدي الشخصيات المصرية البارزة في ذلك الوقت وهو العلامة الكبير أحمد زكي باشا الملقب بشيخ العروبة وبخليفة الصاحب بن عباد. ولموقفه هذا قصة جديرة بأن تروي: ذلك أن الوفد الفلسطيني الذي بعثت به الحركة الوطنية الفلسطينية إلي لندن لعرض القضية علي الحكومة البريطانية ومجلس العموم، كان يرسل اسبوعيا رزمة من النشرات والأخبار والقصاصات عن نشاطه إلي الأستاذ محمد علي الطاهر ليقوم هو بتعميمه والتعليق عليه لدي الصحف المصرية والعربية. وتصادف أن كان بين تلك القصاصات واحدة عبارة عن برقية منشورة في جريدة جويش كرونيكل وموقعة من أحمد زكي باشا، وكانت المفاجأة المذهلة التي اتضحت من البرقية أن الدكتور ديفيد ايدر رئيس اللجنة التنفيذية الصهيونية في القدس كان قد أرسل رسالة للباشا يصفه فيها بأنه أحد أعلام مصر المثقفين البارزين والمؤرخين المشهود لهم، وأنه لهذا يريد أن يعرض عليه أهداف الصهيونية ومسعاها لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ليعمل جنبا إلي جنب مع شعوب المنطقة من أجل رفاهيتها وتقدمها. وأن الصهيونية ستعمل جهدها لنشر التعليم والرقي في حقول التجارة والصناعة لمصلحة شعوب الشرق جميعا. وكان المنشور في الجويش كرونيكل هو رد الباشا علي الدكتور ايدر وقد كان كالآتي:سيدي إن انتصار الصهيونية هو عندي أول مرحلة في تحقيق أمنية طالما نزعت إليها نفسي، وجاهدت في سبيلها السنين الطوال، وسوف أكرس لها ما بقي من أيام حياتي. وتلك الأمنية هي إحياء الشرق بواسطة اتحاد ودي بين شعوبه المختلفة التي تؤلف عائلة واحدة بلا تفريق بين الجنس والمذهب. لذلك يجب أن نطرح عنا بعيدا كل سوء تفاهم حتي تحل محلها صداقة متينة وتعاون ودي بين العرب واليهود لمنفعة الشرق العظمي وإحياء معالمه فتستعيد هذه الشعوب مرة أخري مقامها الشريف. سائرة علي تقاليد أجدادها الجليلة وهي التقاليد التي انقطعت سلسلتها في التاريخ مدة طويلة لسوء حظ الإنسانية.. وإنني لأرجو أن تلعب الصهيونية دورها وأن تحمل عاليا ذلك المشعل الذي سوف ينير طريق الشرق إلي تحقيق أمانيه السلمية الشريفة.. الخخادمكم المطيعأحمد زكي باشابادر محمد علي الطاهر إلي إرسال برقية أحمد زكي إلي جريدة فلسطين في يافا وجريدة ألف باء في دمشق، وقد حملت الصحيفتان علي الباشا حملة هائلة وصمت فيها أحمد زكي بأنه داعية صهيوني ماسوني قبض المال من اليهود، معيدة إلي الأذهان أنه كان أحد الموقعين علي بيان أصدره المحفل المصري الماسوني ووجهه إلي أهل فلسطين حاثا إياهم علي إحسان ضيافة اليهود والتفاهم والتعاون معهم إلي آخره.وتناقلت الصحف العربية الأخري قصة الباشا مع اليهود ومع صديقه الدكتور ايدر. وكان أبو الحسن يعمد إلي إرسال ما ينشر إلي الباشا نفسه وإلي أصدقائه خاصة إلي صديق مشترك وهو أحد أعلام الأزهر الوطنيين البارزين الذين اشتهروا في ثورة 1919 الوطنية حين اصطحب القسس الأقباط ليخطبوا جنبا إلي جنب مع العلماء المسلمين في الأزهر، ذلك هو الشيخ علي سرور الزنكلوني. ولم يهن علي الزنكلوني أن يجد صديقه أحمد زكي غارقا في هذه الورطة لأنه كان واثقا من صدق طويته وسلامة نواياه. فكتب في جريدة الأهرام مقالا مدافعا عنه واستشهد بمواقف سابقة للباشا في هذا الشأن. وقلل من أهمية الرسالة معتبرا أنها مسألة شخصية لا تنم عن حقيقة موقفه من الصهيونية، وأن الدكتور ايدر قد حرف الرسالة ونشرها بدون علم أو إذن الباشا.ولم يقنع كلام الزنكلوني الأستاذ عيسي العيسي صاحب جريدة فلسطين التي كانت تصدر في يافا، فواصل حملته علي أحمد زكي وطلب منه إن كان صادقا في قوله لصديقه الزنكلوني عن تحريف ايدر لرسالته، فما عليه سوي تكذيبه وذلك بنفي ما نشرته جريدة الجويش كرونيكل ، ضنا بسمعته وخدمة للقضية العربية التي يقول انه يجاهد في سبيلها.أثرت الحملة علي أحمد زكي وأثارته وطلب من صديقه الشيخ الزنكلوني أن يتعرف علي هذا الذي يثير حوله كل هذا الشغب وتلك الحملة. فأخذه الشيخ إلي خان الخليلي حيث دكان (بائع الزيت) محمد علي الطاهر. ولم يكن بإمكان سيارة الباشا أن تصل إلي باب الدكان بسبب ضيق الشوارع المؤدية إليها. فتركاها وسارا علي الأقدام، والباشا مندهش ومستغرب إلي أين هو ذاهب. ولما وصلا وقال له الزنكلوني هذا هو صاحبنا الأستاذ الطاهر، فغر الباشا فمه مندهشا ومستنكرا وصاح قائلا بقي انت اللي بتهاجمني وبتهيج الناس علي ؟ فلاطفه وأجلسه ثم أخذ يحدثه عن الخطأ الذي أوقع نفسه به، وبين له أن حكاية اليهود في فلسطين هي غير حكاية اليهود في مصر، وأثار نوازعه الوطنية والدينية فقد كان الباشا رجلا مؤمنا تقيا.. وامتد الحديث إلي حد أن الباشا أراد سببا ومخرجا ينقذ نفسه به مما كان في رسالته. وجري الاتفاق علي سيناريو يحقق المصلحة الوطنية ويحفظ كرامة الباشا. وذلك بأن يقوم وفد فلسطيني بزيارته ليشرح له الأوضاع في فلسطين، بحيث يبدو أن الباشا اقتنع بأنه لم يكن مطلعا بما فيه الكفاية علي حقيقة تلك الأوضاع وأن ينشر الخبر بصيغة يجري الاتفاق عليها..وهكذا كان، فقد نشرت الأهرام بتاريخ 7/11/1922 تحت عنوان وفد فلسطيني عند أحمد زكي باشا خبرا مطولا أعادت به إلي الأذهان موضوع رسالة الباشا للدكتور ايدر واستنكار الصحف له ودفاع الزنكلوني عنه ووصول صاحب جريدة فلسطين إلي القاهرة حيث قام في الساعة كذا من يوم كذا وفد ضم الأستاذ عيسي العيسي، وفرج فرج الله، ومحمد علي الطاهر، والأستاذ نسيم صيبعة مندوبين عن اللجنة الفلسطينية بمصر فاستقبلهم سعادة أحمد زكي باشا خادم القضية العربية وناشر الحضارة الإسلامية.. وذكرت الأهرام كيف أطلع الزوار الباشا علي كتابه الذي هنأ به الدكتور ايدر بانتصار الصهيونية. وأبدوا استغرابهم من أن يفعل ذلك رجل مثله صفاته كذا وكذا وأنه رد حرفيا: يا قوم لقد أسأتم فهم كتابي فمعاذ الله أن أطلب لفلسطين غير الخير، ومعاذ الله أن أرضي بسلخ جزء من البلاد العربية وجعلها موطنا قوميا لليهود كما فهمه بعض الكتاب، لأني كما تعلمون أخدم القضية العربية لا سواها. لقد قال لي الدكتور ايدر أن الصهيونيين لا يطلبون في فلسطين امتيازا ولا سيادة علي العرب بل التعاون وديا معهم، وأكد لي أن المهاجرة ستكون محدودة وسيكون المهاجرون خاضعين لقانون البلاد، وأنه سيحمل زعماء الصهيونية علي أن يصرحوا في مصر رسميا بمثل تصريحه لي. فلهذه الأسباب لا أري كيف تعتبون ولا بما تلومون؟ وقد قدم الوفد لسعادة الباشا صك الانتداب وشهادة الدكتور ايدر أمام اللجنة التي حققت في أحداث يافا عام 1921 حيث أكد أنه سيكون هناك وطن قومي واحد في فلسطين، وهو الوطن اليهودي بدون مساواة بين اليهود والعرب بل سيادة اليهود حالما يزداد عدد أفراد هذا العنصر بدرجة كافية. وطالب بأن يكون حق حمل السلاح لليهود فقط وأن لا يكون هذا الحق للعرب، وبين أن هذا التمييز سيؤدي إلي تحسين العلاقات بين العرب واليهود.وعندما قرأ الباشا هذا التقرير، قالت الأهرام بالحرف وقف سعادة أحمد زكي باشا عن القراءة وبعينيه حمرة الغضب وطرح التقرير جانبا وقال: لقد خدعت والمؤمن يخدع .وختمت الأهرام كلامها بأن: الباشا اطلع علي هذه السطور وأمضاها تصديقا منه علي صحة ما جاء فيها. وقد خرج الزوار يشكرون سعادته، وهو لا يقبل شكرا علي واجب فرضه هو علي نفسه بتفرغه لخدمة الشرق، آخذين كلامه حجة يدفعون بها افتراءات الصهيونيين ليوهموا العالم أن الشرق مستنيم وأنه ليس في سويداء سورية التي يريدون القضاء عليها. وإنا نعتبر كلام سعادته فصل الخطاب فيما يختص بهذا الكتاب فلم يعد من باب للرجوع إليه والمناقشة فيه .لقد خدم أحمد زكي باشا القضية الفلسطينية بإخلاص شديد كاتبا ومحققا ومؤرخا لا يشق له غبار، لا يسمع عن اجتماع أو نداء إلا ويكون في الطليعة، وقد تقدم أمام لجنة البراق بشهادة تعتبر من أدق وأقوي ما كتب دفاعا عن الحق العربي الإسلامي، ولم يكن ليتقاضي أجرا أو يقبل ولا حتي تكاليف انتقال أو ضيافة، بل يفعل ذلك من حسابه الشخصي إيمانا صادقا ووطنية خالصه رحمه الله.دكان لبيع الزيت والوطنيةلقد استطاع الأستاذ أبو الحسن أن يجعل من دكان بائع الزيت أحد المراكز الهامة في تجمع العناصر الوطنية العربية من خارج مصر وأن تكون نقطة لاستقطاب بعض رجالات مصر للاقتراب من تفهم القضايا العربية بعيدا عن القطرية المصرية الشديدة التي كانت في ذروتها في تلك الفترة. فقد كان من روادها والمترددين عليها رجالات مثل رشيد طليع، وأحمد زكي باشا، والشهيد البطل فؤاد سليم، وزعيم تونس العلامة عبد العزيز الثعالبي، والشيخ محمد بخيت مفتي مصر، والشيخ علي سرور الزنكلوني الذي سبق الإشارة إليه، والشيخ الظواهري الأحمدي شيخ الأزهر، والشيخ مصطفي باشا عبد الرازق شيخ الأزهر أيضا، وشكري القوتلي، والحاج أمين الحسيني، والأمير عادل أرسلان، ونبيه العظمة، ورياض الصلح وغيرهم..7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية