محمد علي الطاهر: لمحات من فروسية قلم فلسطيني (3 من 3)

حجم الخط
0

محمد علي الطاهر: لمحات من فروسية قلم فلسطيني (3 من 3)

لم يملك بيتا ولا سيارة… وأنقذ سفارة اندونيسيا من الإفلاس.. وأقنع الملك فاروق باستقبال بطل الريفمسارعة الطاهر لزيارة عائلة البنا والتعزية بمصرع زعيم الإخوان وضعته في معتقل الهاكستبمحمد علي الطاهر: لمحات من فروسية قلم فلسطيني (3 من 3)د. عصام الطاهرہالهروب والتخفيعندما قامت الحرب العالمية الثانية في ايلول (سبتمبر) 1939، أعلنت في مصر الأحكام العرفية وفرضت الرقابة علي الصحف. ولم يشأ الأستاذ أبو الحسن الخضوع لها، فأعلن هو اغلاق الجريدة. وقد اعتبر الانكليز والمتواطئون معهم في الأجهزة المصرية هذا الاجراء عملا عدائيا من أبي الحسن فجري اعتقاله. وقد تمكن من الهرب من المعتقل والتخفي عاما كاملا لاقي خلاله من المصاعب والمتاعب الشيء الكثير، حيث خصص الانكليز لمتابعته أحد أشرس رجال البوليس السياسي المصري وهو محمد يوسف. وحمل محمد يوسف هذا أمرا مفتوحا من رئيس الوزراء بوصفه الحاكم العسكري العام موجها الي جميع مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية بأن تضع كافة امكانياتها تحت تصرف هذا الضابط للقبض علي أبي الحسن. وقد لاحق هذا الضابط أقاربه وأصدقاءه بالاعتقال والتحقيق والاضطهاد، فابعد زوجته الي فلسطين ثم الي بلدتها صيدا في لبنان، وهي السيدة الفاضلة رفيقة الجهاد المرحومة زكية البزري (أم الحسن).وطبعا لا تخلو حياة الهرب من المواقف المحرجة والطريفة في آن واحد، أروي منها حادثتين، الأولي أنه وهو في حالة التخفي بلباس شيخ معمم يحمل بطاقة باسم الشيخ محمد الناجي المغربي، قام بزيارة صديقه أحمد حافظ عوض بك صاحب جريدة كوكب الشرق ليستفسر منه عن نتائج مسعاه مع مكرم عبيد باشا من أجل انهاء هذا الهروب والذي زاده صعوبة كونه تصادف مع هروب عزيز المصري باشا الذي حاول الطيران الي العراق لمساعدة ثورة رشيـــــد عالي الكيلاني ولكن المحاولة أخفقت حين وقعت به الطائرة وهي تحاول الاقلاع، فقد وضعت الحكومة مكافأة (خمسمئة جنيه) لمن يرشــــد اليه، مما أثار شهية الكثيرين للبحث والتدقيــــق في كل من يثير الريبة.نعود لزيارة الأستاذ عوض بك، فان خادمه النوبي الذي قام بتقديم القهوة لأبي الحسن بادر لدي خروجه من الصالون الي الاستئذان بالتحدث الي صاحب البيت قائلا له إن هذا الشيخ يا سعادة البك ليس بشيخ بل انه صديقك الأستاذ الطاهر بك. وقد أنكر الأستاذ عوض ذلك وأكد للخادم أنه فعلا يشبهه. ولكن الأستاذ عوض لاحظ أن الخادم غير مقتنع. فعاد مسرعا لأبي الحسن طالبا منه الاختفاء فورا لأنه لا يضمن ما يمكن أن يتحدث به الخادم للآخرين. وكان الطاهر كما ذكرنا قد كلف عوض بك مراجعة مكـــــرم عبيد باشا الذي أصبح وزيرا للمالية في وزارة الوفد الجديدة التي شكلها النحاس باشا في شباط (فبراير) 1942 وذلك في أمر تسليم الأستاذ الطاهر نفسه اليه ليحل له مشكلته نظرا لأنه يعتبره صديقا وصاحب تاريخ بارز في الحركة الوطنية المصرية. ولكن المفاجأة كانت في رد مكرم باشا بأنه لو جاءه لقام بتسليمه للبوليس فورا، وتلك كانت صدمة كبيرة للأستاذ محمد علي الذي كان مثل هذا الرد آخر ما يتوقعه من شخصية كبيرة ومن صديق حميم.أما الحادثة الثانية فكانت مع صاحب الغرفة التي كان أبو الحسن يختبيء فيها في المنصورة وكان اسمه أحمد حسن بدر. فقد جاءه ذات يوم وقال له انه يريد استشارته في مسألة شرعية تتعلق بميراث احدي قريباته. وقد روي له قصة معقدة عن الورثة والتي فيها زوجة وأخوات وبنين وبنات وأحفاد يصعب الافتاء بها علي الشيوخ المحترفين مما أوقع الأستاذ في مطب وبلبلة شديدة. فطلب من صاحب البيت مهلة للتفكير الي اليوم التالي ليراجع بعض الكتب الفقهية. ولم ينم أبو الحسن طيلة الليل فقد ساورته الشكوك حول قصة أحمد أفندي. وفي مساء اليوم التالي كان أحمد جاهزا لسماع الرد. وهنا أخرج أبو الحسن القرآن الكريم وقال لأحمد أفندي أريدك أن تقسم علي كتاب الله مرددا ورائي القسم، وكان نصه أنه لن يتحدث بما سيقوله له لأحد لا بالكلام ولا بالاشارة ولا الكتابة. وردد أحمد أفندي وراءه القسم. ثم قال أبو الحسن: انني لست الشيخ محمد المغربي انما أنا فلان الهارب من البوليس وأنا مختبيء عندك، فان كان هذا يحرجك فاني مستعد لمغادرة المكان حالا. فتأثر الرجل وأطرق مليا ثم قال سأكتم سرك وسأكون عضدك وسأخدمك الي النهاية. وهنا أخرج أحمد أفندي كتابا اسمه الدليل المصري العام الصادر سنة 1930 فيه أسماء الصحف والصحافيين وصورهم ومن بينها صورة الأستاذ محمد علي الطاهر، وقال له لقد كنت أعرف حقيقة شخصيتك ولم أخبر بذلك أحدا ولا حتي زوجتي وأولادي وأنت في أمان فلا تترك مكانك الا اذا وجدت ذلك ضروريا لك وبمحض رغبتك. وهكذا كان، وقد ربطت أبا الحسن وأحمد أفندي صداقة امتدت طوال حياته وانتقلت الي أبنائه الذين ساعدهم الطاهر في شؤونهم الحياتية بكل ما أمكنه ذلك. وقد تصادف أن كان في المنصورة في ذلك الوقت الشاعر والكاتب والروائي الشهير الأستاذ علي أحمد باكثير صاحب رواية سلامة القس والحاكم بأمر الله وغيرها، وكان يعمل مدرسا للغة الانكليزية في مدرستها الثانوية فكان خير معين للأستاذ أبي الحسن في حياة التخفي تلك.حملات لملاحقة الطاهرلقد جرد محمد يوسف من أجل القبض علي الأستاذ محمد علي الطاهر حملات شملت القطر كله بحثا عنه، ولكن حرص الأستاذ الشديد أفسد سعيه.. وقد رأي أبو الحسن أن لا بد من تسليم نفسه مباشرة للنحاس باشا رئيس الوزراء وصديقه الشخصي. فذهب اليه متنكرا بزي شيخ عربي وكان النحاس باشا في دار رئاسة الوزراء، فأمر بالغاء أمر الاعتقال وطلب من وزيره أمين عثمان باشا تدبر الأمر مع الانكليز. وقد ترتب علي ذلك مجادلة عاصفة مع السفير البريطاني السير مايلز لامبسون الذي اعترض علي أمر الرئيس، ولكن تشدد النحاس وصلابته دعت السفير للتراجع، وتم الاشتراط علي أبي الحسن عدم الكتابة أو التحريض أو حضور الاجتماعات العامة أو مغادرة القاهرة. وظل هذا الحال الي أن انتهت الحرب، وقد وصف الأستاذ ما كان من اعتقال وهرب في كتابه الشهير ظلام السجن الذي يقع في ألف صفحة.لم يستطع الأستاذ محمد علي الطاهر اصدار صحيفته الشوري بعد الحرب. الا أنه واصل الكتابة في الصحف الأخري المصرية والعربية وصحف المهجر، حتي اذا كانت نكبة فلسطين شن حملة هائلة علي تقاعس قادة الدول العربية والجامعة العربية وأمينها العام عزام باشا. وقد استعان عزام باشا بذات الضابط السابق ذكره، محمد يوسف، والذي أصبح مديرا للشؤون العربية في البوليس السياسي برتبة عميد (أميرالاي)، استعان به في كتابة التقارير اللازمة لاصدار أمر باعتقال أبي الحسن من رئيس الوزراء ابراهيم عبد الهادي باشا الذي وقع اغتيال المرحوم الشيخ الامام حسن البنا أثناء حكمه ردا علي قتل الاخوان المسلمين لزميله النقراشي باشا. وحتي يفوز محمد يوسف بأمر الاعتقال، فقد أضاف الي تهم الأستاذ أبي الحسن تهمة التعاطف مع الاخوان المسلمين وصداقته للشيخ البنا شخصيا حيث كان الشيخ يتردد علي مكتبه. واستشهد أيضا علي كلامه بأن الأستاذ الطاهر مع علمه بمنع الحكومة لاقامة جنازة أو سرادق عزاء فقد بادر بالذهاب الي بيت البنا ليلة مصرعه للتعزية به وهي جريمة دامغة في نظر السلطة علي الصلة التي بينهما. وبالفعل صدر أمر الاعتقال في تموز (يوليو) 1949 حيث وضع في معتقل هاكستب . وقد أفرج عنه بزوال حكم عبد الهادي باشا. ووضع كتابا عن هذا الاعتقال وأسبابه أسماه معتقل هاكستب يقع في سبعمئة صفحة، أعاد فيه كل كتاباته عن المتسببين في ضياع فلسطين.الطاهر والحركة الوطنية الإندونيسيةكانت للأستاذ الطاهر علاقات عربية واسلامية واسعة شملت العالمين العربي والاسلامي. ونروي منها واحدة من أقصي الشرق وأخري من أقصي الغرب:أما الأولي فكانت مع الحركة الوطنية الإندونيسية التي استقلت بزعامة الرئيس أحمد سوكارنو عند نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث قامت الحكومة المؤقتة بتكليف أحد نشطاء طلبتها المقيمين بمصر وهو السيد محمد الرشيدي بتسميته سفيرا لها في مصر. وقد استأجر لذلك مكتبا ليدير منه أعمال تمثيله السياسي للدولة الجديدة. ولكن اعلان الاستقلال هذا لم يرق للجالية الهولندية المستعمرة لإندونيسيا والمسيطرة علي كل مقدراتها منذ ثلاثة قرون حيث بادر أحد ضباط الجيش الهولندي فيها واسمه كونغ لي بالتمرد واعلان استمرار الحكم الهولندي إندونيسيا وبادر الي اعتقال الحكومة الوطنية الجديدة بمن فيها رئيسها سوكارنو. وقد أدي هذا الي انقطاع الصلة بين السفارة الإندونيسية في مصر وحكومة المركز في جاكارتا. ولم يجد الرشيدي المال اللازم لدفع أجرة مكاتب السفارة ولا رواتب موظفيها وتلقي انذارا من المالك باخلاء المكاتب. فتقدم أبو الحسن بالمال اللازم للسيد الرشيدي لدفع الأجرة، واستمر علي ذلك حتي تم سحق حركة كونغ لي هذا. وقد كتب السيد الرشيدي عن الذي كان من الأستاذ محمد علي الطاهر الي رئيس الجمهورية سوكارنو، فأمر بهدية شخصية علاوة علي سداد المبلغ الذي دفعه للرشيدي. وكانت الهدية عبارة عن سناور وطقم شاي وهو صناعة يدوية ومن الفضة الخالصة، وقد ظل يستعمله طوال حياته. كما أمر سوكارنو نائب رئيس الوزراء السيد اغوس سالم والوفد المرافق له بزيارة الأستاذ محمد علي الطاهر في مكتبه وشكره باسم الرئيس والشعب الإندونيسي وذلك عند أول زيارة قام بها وفد رسمي لمصر.الطاهر وبطل الريفأما الحدث الثاني من أقصي المغرب فقد كان يتعلق بالأمير عبد الكريم الخطابي حيث لا بأس من تعريف سريع به، فهو بطل الريف في شمال المغرب الذي كان وطنه خاضعا للاستعمار الاسباني، فثار عليه وأوقع به هزيمة ساحقة في معركة أنوال سنة 1921 أدت الي انتحار القائد الاسباني الجنرال سلفستر. وأتبع هذا الانتصار بعدة انتصارات اخري حيث قام بالاعلان عن اقامة ما أسماه بـ جمهورية الريف . وهذا ما جعل فرنسا تبادر الي مساعدة اسبانيا خشية أن يتحرك الأمير المجاهد لتحرير المغرب من فرنسا. فجردت عليه حملة هائلة بقيادة أكبر قادتها العسكريين في ذلك الوقت وهو المارشال بيتان. فهزم الأمير وأسره وأخلت فرنسا بشروط التسليم، وهي بقاء الأمير في بلاده، فقامت بنفيه مع أهله واخوانه الي جزيرة رونيون في المحيط الهندي وذلك في سنة 1926. وعندما ساءت علاقة فرنسا بالملك محمد الخامس ملك المغرب بعد الحرب العالمية الثانية، رأت اطلاق سراح الأمير جزئيا بعد النفي الذي استمر أكثر من عشرين عاما وذلك بحمل الأمير وأهله من منفاه الي الاقامة في جنوب فرنسا ليكون بالامكان تهديد ملك المغرب باحلال الأمير عبد الكريم الخطابي مكانه.حملت فرنسا الأمير في باخرة بضائع استرالية اسمها كاتومبا وكان خط سيرها أن تمر بعدن ثم بالبحر الأحمر فقناة السويس الي المتوسط فطولون بفرنسا. وقد كان للمرحوم الأستاذ محمد علي أصدقاء من أفاضل عدن الذين علموا بوجود الأمير علي ظهر تلك الباخرة، فقاموا بزيارته والترحيب به ودعاه أحد أعيانها وهو السيد عبده حسين الأدهل الي حفل غداء أثناء نزول الأمير الي أسواق المدينة خلال تزود الباخرة بالوقود. وخطر لهذا الرجل الكريم أن يرسل برقية الي صديقه الطاهر في القاهرة يقول له فيها بأن الأمير عبد الكريم الخطابي يغادر عدن اليوم 23/5/1947 علي الباخرة كاتومبا. واحتار أبو الحسن فيما يقصده صاحب البرقية، وظن بداية أنه يريد لفت النظر الي وجوب القيام بمجاملة الأمير وتحيته عند مروره بقناة السويس مع الاشادة بجهاده في الصحف. ثم خطر له أن يكتب في الصحف مطالبا بانزال الأمير في الأراضي المصرية واثارة الرأي العام لتأييد هذا المطلب. ولكنه خشي أن تفشل المحاولة وتنتبه فرنسا فتحول سير الباخرة الي ميناء جيبوتي ليكمل الأمير الرحلة بعدها بالطائرة. ورأي أن يعرض الأمر علي رئيس الوزراء النقراشي باشا الذي لم تكن علاقته به علي ما يرام. ولهذا فقد اتصل بالأستاذ المجاهد المعروف المحامي فتحي رضوان وعرض عليه أمر الاتصال بالنقراشي باشا، وقد فعل .. وخرج أبو الحسن بالانطباع بأن الأستاذ رضوان لم يجد التشجيع الكافي.كان المرحوم أبو الحسن في حرب مع الزمن، فهو يعلم أن موعد وصول الباخرة الي السويس هو يوم 27/5 حيث أخذ المعلومات من وكالة كوك وشركة لويدز. وقرر أن يسير في أكثر من اتجاه حيث قام باستدعاء بعض كبار زعماء المغرب العربي المقيمين في القاهرة الي مكتبه وكان منهم الحبيب بورقيبة، وعلال الفاسي، والدكتور محمد بن عبود وتشاوروا في الأمر، واستقر الرأي علي ذهاب الاخوان المغاربة الي ميناء السويس لكي يصعدوا الي الباخرة للاجتماع بالأمير الخطابي ومساعدته علي النزول من الباخرة ولو لوحده أو حتي استبداله بأحدهم حيث يكون ضمن مجموعة تلبس ذات اللباس أي البرنس وتضع ذات غطاء الرأس المغربي بحيث لا تلفت أنظار رجال الباخرة أو رجال الأمن المصري، علي أن يأخذوا الأمير بالسيارة فورا الي القصر الملكي للاحتماء بملك مصر. وهكذا استقر رأيهم علي أن يغادروا الي السويس لتنفيذ المهمة. غير أن الأستاذ محمد علي الطاهر كان يفكر في خطة بديلة في حال فشل الخطة الأولي، ذلك أنه عرف عن الأمير أنه كثير الشك والتحوط خاصة بعد ما صادفه من الآخرين أثناء فترة الجهاد .. فاتصل بواحد ممن يثق بهم وهو ابن أخ الامام الشيخ رشيد رضا وكان يعمل كاتبا في مكتب رئيس الديوان الملكي، وطلب منه أن يستفهم بالطريقة التي يراها مناسبة عن المكان الذي يسهر به الملك فاروق في ذلك اليوم وموعد عودته المعتادة والقصر الذي سينام به. فعاد الرجل يقول إنه سيكون بملهي الأوبرج وأنه يعود عادة حوالي الثانية بعد منتصف الليل للنوم وأن ذلك سيكون بقصر القبة، وأكد صحة معلوماته لأن هناك مندوبا للتشريفات الملكية لا بد أن يكون مناوبا في القصر الذي ينام به الملك، وقد كانت المناوبة للأستاذ الحمامصي.برقيةقرب منتصف ليلة 27 ايار (مايو) 1947 توجه الأستاذ محمد علي الي مكتب تلغراف عدلي باشا وأرسل البرقية التالي نصها:جلالة مولانا الملك المعظمسراي القبة بمصروردتني برقية من عدن بأنه قد مر بها الأمير عبد الكريم الخطابي أمير الريف بمراكش وأسير فرنسا بجزيرة رونيون منذ عشرين سنة وهو في طريقه لمنفاه الجديد بجنوب فرنسا وستصل به الباخرة كاتومبا غدا الثلاثاء للسويس وانقاذه معلق باشارة كريمة من جلالتكم بدعوته للنزول ولا سلطة لفرنسا عليه سوي سلطة الخاطف علي المخطوف فهو ليس بفرنساوي وما دامت الباخرة في مياهنا فهي تحت سلطة محافظ السويس قانونا وان مكارم جلالتكم التاريخية بنظر العالم الاسلامي هي التي أوحت الي برفع هذا الحادث لمقامكم السامي مع الدعاء بحفظ الذات العلية.محمد علي الطاهررئيس اللجنة الفلسطينية بمصرتردد عامل البرقيات في قبول البرقية وأخذ ينصح أبا الحسن بارسالها الي رئيس الديوان الملكي أو كبير الامناء، مؤكدا أن هناك تعليمات سرية بمنع قبول برقيات توجه للملك مباشرة. فصاح به وهدده بأن الموضوع خطير جدا وأنه يتحمل المسؤولية لأن هناك جريمة ستمنع البرقية حدوثها، وأنه ان لم يقبل ارسال البرقية حالا فانه سيتوجه شخصيا الي القصر الملكي الآن، وأن الموظف سيلقي عقابا صارما بابلاغ النائب العام لأنه أعاق اعلام الملك بما حوته البرقية.هناك تفاصيل كثيرة لا يتسع المجال لسردها الآن، المهم أن الملك فاروق اعجب بالفكرة، وأمر قائد الحرس الملكي الأميرلاي محمد حلمي حسين بالتوجه الي ميناء السويس وأن يقابل الأمير ويقترح عليه سرا اللجوء الي مصر، فوعده الأمير بالتفكير بالأمر وأنه سيعلمه برأيه عند وصول الباخرة الي بور سعيد بعد التشاور مع أخيه الأمير محمد وعمه الأمير عبد السلام. أما الزعماء المغاربة فقد التقوا بالأمير بعد أن كان قد اجتمع الي الأميرالاي محمد حلمي ولم يذكر لهم اتفاقه معه. فغادروا الباخرة عائدين الي القاهرة وأبقوا معه الدكتور محمد بن عبود لعله يقنعه باقتراحهم. وفي بور سعيد صعد الأميرالاي حلمي الي الباخرة لمعرفة الرأي الذي استقر عليه الأمير، وكان الموافقة علي قبول دعوة الملك. ونزل الأمير ومعه شقيقه محمد بحجة مشاهدة المدينة كما فعلا في عدن، وتوجها الي دار المحافظة حيث استقبلهما المحافظ فؤاد شيرين باشا، وسجلا كتابة رغبتها في اللجوء السياسي ووضعا نفسيهما في حماية ملك مصر. واتصل المحافظ بالقصر الملكي وجاءت الموافقة، وفي الحال قامت قوات من البوليس بمحاصرة الباخرة والصعود اليها وأنزلوا جميع أهل الأمير من رجال وأطفال ونساء وكان عددهم أربعين شخصا حملوا جميعا الي القاهرة. وتوجه الأمير وأخوه بسيارة ملكية الي قصر عابدين وسجل اسمه حيث استقبلهما كريم ثابت باشا مستشار الملك الصحافي. ونقل هو وجميع من معه الي احدي المزارع الملكية في أنشاص وبعدها أدخل الأمير الي مستشفي المواساة في الاسكندرية للراحة والعلاج. وقد قام، بعد اطلاعه علي وقائع ما حدث، بزيارة الأستاذ محمد علي الطاهر في مكتبه للشكر والتحية.خبر في الأهراموقد نشرت جريدة الأهرام بتاريخ 13/9/1947 عن تلك الزيارة تقول:قصد مساء أمس الأمير عبد الكريم ادارة جريدة الشوري لزيارة الأستاذ محمد علي الطاهر وكان يرافقه حضرة عمه الأمير عبد السلام والأستاذ الحبيب بورقيبة الزعيم التونسي ولفيف من أعضاء مكتب المغرب العربي والحاشية، فاستقبلهم الأستاذ الطاهر وفريــــق من فضلاء مصر والأقطار الشقيقة بالحفاوة والتكريم ـ وقام حضرة مأمور قسم الأزبكية وثلة من رجال البوليس بتحية الأمير وحفظ النظام عند وصوله وانصرافه ـ وتناول الأمير الشاي في دار الشوري حيث امتدت السهرة الي وقت متأخر وتحدث الأمير عن ذكريات قديمة ومنها وقوف الأستاذ الطاهر وجريدته قبل ربع قرن في جانب المجاهدين الريفيين …ہ ہ ہان سيرة الأستاذ أبي الحسن طويلة، ونشاطاته لم تنقطع حتي وهو في سن الشيخوخة. فبعد قيام الثورة سنة 1952 لم يتمكن من اعادة اصدار الشوري ، فغادر القاهرة الي دمشق لحضور احتفالات الاستقلال سنة 1954 واستقر به المقام فيها حتي 1958، ثم غادرها الي بيروت. واستمر علي نشاطه في الكتـــابة في الصحف العربية كافة، ويقابل في مجلسه الذي يعقده مرتين في الأسبوع زواره مما جعل ذلك المجلس منتدي سياسيا وأدبيا رفيعا ضم العديد من أهل الفكر والسياسة والأدب وذلك الي أن توفاه الله سنة 1974.ہ أما عن حياة أبي الحسن العائلية، فقد تزوج عام 1939 من السيدة الفاضلة المرحومة زكية البزري من صيــدا بلبنان. وخلف من الأبناء الحسن الذي يعيش في كندا، ومني التي تقيم في تونس.ہ وعن صفاته الشخصية فقد كان أبو الحسن صاحب حضور متميز، شديد المراس عنيدا حاد المزاج قوي العارضة محدثا من الطراز الأول يتمتع بذاكرة خارقة يروي الأحداث وكأنه يعيشها الآن بالأسماء والتواريخ بدقة متناهية.ہ كان وفيا لأصدقائه ولكل من رأي فيه مكارم الأخلاق، فالوفاء لديه هـــــو عنوان الحياة، كان لا يقبل أنصاف الحلول فالدنيا والناس عنده اما أبيض أو أسود، لا يعرف المداهـــــنة أو المواربة فيما اعتقد فيه الصواب، وقد ترك له هذا المزاج الخاص وتلك الصفات المميزة أصدقاء كثيرين ما زالوا يشيدون بمــناقبه ويذكرون أخباره ومواقفه.ہ فعند وفاته كان محور الاشادة به يتركز علي جهاده المتصل ووفائه الذي كان مضرب الأمثال. ولعل من المناسب أن أقتبس ما قاله عنه واحد من الذين حاربهم أبو الحسن لأنه كان واحدا ممن جسد في نظر الحركة الوطنية قمة الموالاة للانكليز، ذلك هو الدكتور فاضل الجمالي رئيس وزراء العراق الأسبق، الذي كان هو وزميله نوري السعيد موضع هجوم ونقد ونستطيع القول وتخوين لأكثر من ثلث قرن. فان المرحوم فاضل الجمالي قد بعث ببرقية تعزية بأبي الحسن الي ابنه الحسن قال فيها: صعقت اذ طالعتني الصحف بانتقال المجاهد الكبير الي رحمة الله تعالي. فيا لخسارة العروبة والاسلام ويا لمصيبة الجهاد من أجل فلسطين بغياب هذا البطل المجاهد الذي كان ينفخ روح الجهاد والعزيمة في الجيل الصاعد وفي كل ما يتصل به.. . وأضاف، المصاب جلل والخسارة لا تعوض، انها خسارة العروبة والاسلام وخسارة الجهاد من أجل فلسطين. وها أنا أعرب عن مشاركتي للمجاهدين من أجل فلسطين مشاعر اللوعة والألم.. الي آخره.ہ كان ذلك بمناسبة وفاته في عام 1974، وقبل ذلك بأربعين عامــــا وفي 4 آذار (مارس) 1934 كتب الدكتور طه حسين مقالا افتتاحــــيا عن أبي الحسن ودوره في القضية العربية جاء علي أربعة أعمدة وفي الصفحة الأولي من جريدة كوكب الشرق التي كان طه حسين نفسه رئيس تحريرها.ہ وقد مدحه من شعراء زمانه الأساتذة فؤاد شاكر، وجورج صيدح، وعلي أحمد باكثير، وعبد الغني حسن، ومحمد الأسمر، ومطران خليل مطران، والشاعر القروي، وخير الدين الزركلي، وعادل أرسلان وغيرهم.. مدحوه وهو لا يملك الريالات والدولارات حتي يقدمها لهم، فقد عاش حياته لا يملك بيتا ولا سيارة.. رحمه الله وأحسن جزاءه.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية