محمد محرز وخيوط الحرير

حجم الخط
0

هاني بشـر كخيوط الحرير، تمتد مسارات الوصل بين مصر والشام. هذان التوأمان اللذان نحتت الجغرافيا جوارهما وصاغ التاريخ قدرهما المشترك، نصرا وهزيمة. قبور شهداء مصر على ثرى الشام ونضال علماء الشام في ربوع مصر. ثمة مغناطيس يشد هذه لتلك. فنشأت مصاهرات وتجارة وتوثقت عرى الإنسان بأخيه الإنسان. حتى إن القاهرة ودمشق ذهبتا لتجربة القومية العربية معا، ليتشاركا في نفس الأحلام والعذابات وشرف دعم المقاومة مع اختلاف التوقيت..’ماذا لقيت من الدنيا وأعجبه … أنى بما أنا باكٍ منه محسودُ.’ومن المعلوم من التاريخ بالضرورة أن البشر ينتقلون بين البلدين بنظرية الأواني المستطرقة، خاصة في أوقات الأزمات، وهو انتقال كان مألوفا قبل أن نعطي اليوم هذا لقب لاجيء وذاك لقب نازح. فكان طبيعيا أن يأتي لمصر العز بن عبد السلام ورشيد رضا ويقتل السوري سليمان الحلبي القائد بالحملة الفرنسية كليبر في مصر، ويذهب إلى سوريا بعد ذلك محمد محرز المصري مناصرا لثورتها في الوقت الذي يأتي فيه السوريون لمصر فرارا من العذاب المبين. إنه المسار الطبيعي ذو الاتجاهين للمصري والسوري. وهو المسار ذاته الذي خاضه الراهب المصري هيبا في رواية عزازيل حين ولى وجهه شطر الشام في القرن الخامس الميلادي فبدأ بالقدس ثم زحف رويدا حتى انتهى به المطاف إلى تخوم حلب الشهباء. كان القلق المعرفي بوصلته يوجهه حيث يشاء. يسأل وفي بطن كل إجابة سؤال جديد، فيستزيد علما حتى إذا قارب حد اليقين ألقت به الحياة في أتون عطش جديد ليلهث مرة أخرى للارتواء. ظن أنه جمع بين الحسنيين حين حضر دروس الرياضيات والفلسفة لهيباتيا في الاسكندرية قبل أن يُقبل في كنيسة المدينة ليكتشف أن زيت الكنيسة وماء دروس هيباتيا لا يمتزجان ولتفقد هيباتيا حياتها تحت أيادي المسيحيين الغاضبين مدفوعين بتحريض أسقف الأسكندرية. حينها قرر أن يتحرك نحو مركز البركة في القدس وليقابل الأسقف نسطور ليشع لديه أمل جديد في إجابة الأسئلة التي لا تنتهي. فإذا بنسطور يطير ويرتفع وكما طار وقع صريعا للخلاف الديني الذي، إذا اشتعل، لا يرحم الإنسان. على ذات الخط المرسوم سلفا يسير محمد محرز..على نفس شريط القضبان الواصل بين القاهرة لدمشق مرورا بغزة… رغم زوال القطار وتدمير القضبان منذ نحو قرن من الزمان. متزودا بمخزون هائل من الأسئلة وقلق معرفي لا حدود له من جيل ما بعد الإيدلوجيا الملبي لنداء الروح التي تقوده على بساط من نور إلى أرض الرباط في غزة ومن بعدها أرض الثورة في سوريا. وبين هذه وتلك تجري في النهر مياه كثيرة ويمر بمحطات عدة. بعضها عند مجموعة المدونيين، هؤلاء الذين بدأوا توثيق أفكار جيلهم متجاوزين تجاهل الإعلام وتناسي النظام البائد الذي أفاق على ثورة جيلهم فـ’الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا’. ومحطة أخرى عند جيل الثورة القابض على جمر الواقع في انتظار التغيير. وثالثة عند الساعين نحو صياغة منهج جديد لتلقي العلوم والمعارف في مبادرة ‘رواق المعرفة’. من أين تبدأ يا محمد رحلتك؟ من مصادر تراثك الأصلية من القرآن والسنة أم من تفاسيرهما أم من أفكار مناضلي القرن العشرين؟ لفت نظري في قائمة الكتب التي قرأها مؤلفات علي شريعتي وماركيز والمسيري وفيكتور هوجو وعلي عزت بيجوفيتش. كان محمد يرى أن رحلة بيجوفيتش النضالية أكثر ثراء من رحلة مانديلا لكن أحدا لم يكتشف الرجل إلى الآن. وهي نفس مقولة صديق لي من أب فلسطيني وأم بوسنوية. وكان يرى في عودة البرادعي نورا ساطعا لإنهاء نظام مبارك، أتذكر صورته والعرق يبلل كل جسمه أثناء مشاركته في تنظيم استقبال عودة البرادعي إلى مصر في مطار القاهرة قبل الثورة. سقط مبارك وتفجرت ينابيع السياسة في مصر وتفرق شمل حملة البرادعي الأولى بين التيارات والأحزاب، وتاهت القضية السورية في زحام تفاصيل المتغيرات المصرية وأخبار اللاجئين السوريين وزواجهم وحياتهم ومشاهد العنف اليومي الذي ألفه مشاهدو حروب العراق وفلسطين وبورما في الأخبار يوميا. ومظاهرات هنا وهناك لا يطل فيه عَلم سوريا الثورة إلا لماما. تطورت الأزمة السورية في ذهن محمد كلما ازدادت اشتعالا والتحمت برحلته للبحث عن اليقين. فبدأ بمساعدة اللاجئين وانتهى مهاجرا إلى وطنهم الأصلى مناصرا لهم بعد أن أعد لكل شيء عدته. وربما لم يدر أن استشهاده سيثير كل هذا الصخب، فقد سافر في تجربة إنسانية غير معلنة إلا للدائرة المقربة قائلا عبارته المشهورة ‘رايحين نجيب بس بشار في شوال وراجعين.’ لم يستشهد محمد في أحداث شارع محمد محمود بالقاهرة والتي كان أحد أبطالها لكن انتهت رحلته بسوريا شهيدا على تخوم حلب بجوار نفس المكان الذي انتهت فيه رحلة الراهب هيبا في الرواية حيث دفن اللفائف التي تدون حياته والمكتوبة باللغة السريانية. لن نحتاج لأن نفتش عن مدونات محمد محرز في ذات المكان بعد عدة قرون لأنها بين أيدينا الآن. ومنها هذا الواقع الذي يقول لو أن هناك تنظيما للتطوع للقتال في سوريا وسماحا بتسليح الثوار لتدفقت كتائب المصريين تترى كما حدث في حرب فلسطين عام 1948. لكن بما أن منافذ السياسة مغلقة لحل هذه الأزمة والوضع الميداني يغلي على الأرض في سوريا فإن محمد محرز مؤشر خطير على أن الثورة السورية بدأت تدق بعنف باب الجيل العشريني الوسطي الذي فجر الثورة المصرية وصاغ فلسفتها ورؤيتها في ميدان التحرير. ليس هذا وحسب بل تدق أيضا باب الإخوان لكون الشهيد، رغم كونه غير منتم لأي حركة، هو الأخ غير الشقيق للمتحدث الإعلامي باسم الجماعة. وهو مؤشر أيضا على أن تدويل الثورة السورية لن يقف عند الحدود الدبلوماسية ونظرية مقاتلي القاعدة وأزمة اللاجئين، بل يمتد في عمق الوجدان الشعبي العربي والمسلم لمدى لا يعلم مداه إلا الله. ولطالما عاتب كثير من السوريين إخوانهم المصريين قائلين، ألا تستحق ثورتنا وشهداؤنا مليونية واحدة على الأقل في ميدان التحرير؟ ‘ صحفي مصريqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية