محمد مرسي بين التحديات والآمال

حجم الخط
0

سمير جبور

لعل فوز الدكتور محمد مرسي رئيسا لجمهورية مصر العربية يشكّل مخرجا ولو جزئيا لأزمة مصر في اعقاب مخاضات عسيرة شهدتها مصر نتيجة لانفجار الثورة الشعبية التي اطاحت بحكم الرئيس حسني مبارك.

والرئيس الجديد يرث تركة ثقيلة تراكمت عبر عقود عديدة في جميع المجالات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية. وكان الفساد سيد الموقف في جميع هذه المجالات حتى كاد المواطن المصري يفقد الثقة بالنسبة لحاضره ومستقبله.

وبالتالي فإن مصر تحتاج في هذه المرحلة الى قيادة ذات رؤية ثاقبة وبصيرة واعية وخيال جامح وقدرة خارقة على الحسم والتقرير. ولهذا يواجه الرئيس الجديد تحديات جسام لا تقل خطورة عن التحديات التي واجهتها ثورة عبد الناصر مع اختلاف الظروف والأوضاع. وتندرج هذه التحديات تحت العناوين التالية:

اولا ـ اعادة الثقة الى المواطن المصري التي فقدها في ظل الحكم البائد. فهذا المواطن يريد ان يطمئن على لقمة عيشه ومستقبله ومستقبل اولاده. فهذا المواطن يحتاج الى الثقة بأن الحكم الجديد يسهر على مصالحه وان الحكم منه واليه. وجلّ ما يحتاجه المواطن المصري هو العيش الكريم والكرامة المصونة تؤمنها قيادة نزيهة في خياراتها ونظيفة الكف في اعمالها.

ولكي يعيد الحكم الثقة الى المواطن المصري على قادته ان يكونوا نموذجا يحتذى بهم، يقطعون الوعود لينفذوها ويبثون الامال ليحققوها بعيدا عن الشعوذات والترّهات.. ثانيا اعادة اللحمة الى جميع ابناء الشعب المصري على اختلاف اطيافهم ومشاربهم، وتحقيق الشراكة الوطنية على غرار ما وعد به الرئيس الجديد سيكون ‘رئيسا لجميع المصريين’. وهذا يشكل دعامة لاعادة بناء المجتمع المصري على اسس وطنية راسخة وتكاتف جهوده وتكريسها من اجل البناء والتعمير. ثم ان ترسيخ الوحدة الوطنية يقطع الطريق أمام اعداء مصر واعداء الأمة العربية الذين يحاولون زرع الفتنة واشاعة الانقسام بين فئات الشعب المصري واستغلال التنوع الديني والطائفي، تمهيدا لاثارة القلاقل وزرع بذورحرب اهلية بعيدة عن ثقافة الشعب المصري وتقاليده. ثالثا تحقيق العدالة الاجتماعية بإقتلاع جميع مظاهر الفساد والمحسوبية التي نخرت عظام المجتمع المصري في جميع مفاصله ايام الحكم البائد. والحديث عن العدالة الاجتماعية انما هو اكثر تعقيدا، ولكن في هذا العجالة يمكن تلخيصه بعدالة الضرائب وعدالة خدمات التعليم والصحة وتوفير آليات تحقيق هذه العداالة، تحقيق تكافؤ الفرص امام الجميع من دون تمييز، ورفع الغبن عن الطبقات المسحوقة وتوفير السكن ومصادر الرزق ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب كل بحسب كفاءاته الذاتية وليس وفقا لإنتماءاته السياسية والإجتماعية.

وبمعنى آخر، فإن مقياس العدالة الآجتماعية يتمثل في تحقيق المساواة في التعيين والتوظيف وتوزيع مصادر الدخل بين جميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والاجتماعية والسياسية ‘كلكم سواسية كأسنان المشط’. رابعا ترميم الإقتصاد ربما ان رد الاعتبار الى الاقتصاد المصري واعادة توازنه واصلاحهه تشكل التحدي الأكبر امام القيادة المصرية الجديدة.

ويجمع الخبراء الاقتصاديون، من عرب وأجانب، على ان الرئيس الجديد سيضطر الى معالجة مجموعة شائكة من الملفات الاقتصادية والمشكلات التي تراكمت عل مدى عقود.

وربما يمكن إدراج عناوين الاصلاح الاقتصادي في المجالات التالية: اعادة عجلة النمو الاقتصادي بنسبة ما بين 6′ و7′ وتقليل الاعتماد على المنح والهبات والقروض الخارجية التي تقيد استقلالية القرار، خفض معدلات البطالة وخلق فرص عمل جديدة، تشجيع الاستثمارات العربية والاجنبية بجذب الاستثمارات الخارجية وإنعاش حركة السياحة’ من أجل ‘إعادة التوازن إلى ميزان المدفوعات’ و’استعادة الاحتياطي’ من العملات الصعبة لدى البنك المركزى الذي انخفض إلى النصف فى عام واحد، زيادة عجلة الانتاج في المصانع وتشجيع الحوافز للعمال، ودفع الصادرات وتنويعها، اعادة تنشيط السياحة، دعم السلع الأساسية الذى يبقي على الأسعار الرخيصة جداً للوقود والخبز.

خامسا ـ تطبيق مبادئ الحرية والديموقراطية التي تتناسب مع ظروف المجتمع المصري. وعلى الرغم من ان الحديث عن الديموقراطية في العالم العربي اصبح مبتذلا الى حد ما، الا ان الديموقراطية الحقيقية تتمثل في صون الحريات السياسية والاجتماعية الفردية والجماعية واشاعة حكم القانون. والديموقراطية العملية تتجلى في اشعار المواطن انه سيد حرلا يخاف على مصيره ما دام يتمتع بعدالة القانون ونزاهة القضاء. سادسا ـ اعادة مصر الى حظيرتها العربية بانتهاج سياسة عربية موحدة ازاء القضايا العربية المهمة وعلى رأسها قضية فلسطين وتحقيق التواصل والانسجام مع سائر الدول العربية ووضع استراتيجية موحدة لحماية الوجود العربي ومنع الانقسام ومحاولات جر الدول العربية الى مشاريع التقسيم والتجزئة. واعادة مصر الى منزلتها السابقة لتتبوأ مكانتها المعهودة في الاضطلاع بدور ريادي من اجل تحقيق الحد الادنى من الانسجام في السياسة العربية.

سابعا ـ اعادة النظر في تطبيق ما يسمّى ‘معاهدة السلام’ بين مصر وإسرائيل. وبعيدا عن الهناّت العاطفية، لا بد من انتهاج الواقعية ازاء هذا الموضوع، ليس واردا مطالبة القيادة المصرية الجديدة بالغاء هذه المعاهدة (الا اذا اخلت بها اسرائيل). والجميع يدركون ان الغاء هذه الاتفاقية يترتب عليه (نتائج) ستزيد من صعوبات القيادة المصرية ولا سيما ان المعونات الأميركية التي تحصل عليها مصر مرهونة بتطبيق بنود المعاهدة. ولكن المطلوب من الرئيس المصري الجديد وحكومته وضع هذه المعاهدة في نصابها الصحيح. المطلوب منع اسرائيل من استغلال المعاهدة من اجل الحصول على الغاز المصري باسعار زهيدة على حساب لقمة عيش المواطن المصري، والأستفراد بالدول العربية بالاعتداء على اراضيها، ومواصلة فرض الحصار على الشعب الفلسطيني والتهرّب من التزاماتها.

فإعادة التوازن الى هذه المعاهدة انما هي ضرورة ملحة لكي تستعيد مصر استقلالية القرار في تعاملها مع الشأن العربي والشأن الفلسطيني، تلك الاستقلالية التي فقدتها في عهد مبارك. . ثامنا- تشكيل حكومة وحدة وطنية لكي يتمكن الرئيس المصري الجديد من مواجهة التحديات الانفة الذكر ربما من الضروري تشكيل حكومة وحدة وطنية مكونة من كفاءات علمية كل وزير واختصاصه. وعندما يتمثل الشعب المصري بكل اطيافه وفئاته في حكومة وطنية موسّعة فهذا ضمانة للاستقرار واطمئنان الشعب على وجود حكومة ترعى مصالحه.

اضافة الى ذلك، فان القاء المسؤولية على اصحاب الكقاءات العلمية والقدرات الفنية والتكولوجية يساهم في امكان تسريع حل المشكلات على كل صعيد. هذا بعض التحديات التي تقف امامها القيادة المصرية الجديدة والتغلب على هذه التحديات سيقود الى تحقيق الآمال التي انطلق الشعب المصري الى تحقيقها في ثورته الشعبية يوم 25 يناير 2011. ويتوقف تحقيق هذه الآمال على قدرة الرئيس الجديد على العمل على بناء مجتمع مدني مصري حديث يكفل الحرية السياسية والدينية للجميع تطبيقا للقول الماثور ان ‘ الدين لله والوطن للجميع’ . ‘ كاتب فلسطيني مقيم في كندا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية