يبدو من الصعوبة أن يبدأ المترجم محمود الصباغ حديثه عن أي موضوع يتعلق بالكتابة والكتب والقراءة والترجمة.. دون أن يلمع الحزن في عينيه، ويملأ القهر والحسرة كل ملامح وجهه.. هكذا مئات الكتب والترجمات والوثائق والصور والتسجيلات الصوتية و»الفيديوهات والسيديهات» وحتى اللقى الأثرية والمخطوطات، تحولت إلى رماد تحت أنقاض البيت الذي دمره صاروخ زار بيته قبل نزوحهم من مخيم اليرموك، وهجرة من بقي على قيد الحياة من الأهل والأقرباء إلى السويد.
يقول الصباغ: بدأت الترجمة في بداية التسعينيات، ومعظم ما ترجمته احترق، بعد هجرتي إلى السويد استأنفت «هوايتي» في الترجمة، فأنجزت عدة مواد مترجمة تشمل بعض الكتب وعشرات المقالات والدراسات المنشورة في موقع «الحوار المتمدن» وبعض المواقع الأخرى، لم أقم للأسف بنشر أي من ترجماتي ورقياً، فبالإضافة إلى الظروف المستجدة على حياتنا، الترجمة عمل شاق ومسؤولية عظيمة لا شك، وليس مصادفة أن تختار الكنيسة الكاثوليكية القديس جيروم شفيعاً للمترجمين (وهو أول من ترجم الأناجيل من اليونانية والعبرية إلى اللاتينية) باختصار أرى نفسي قارئا جيداً، قيضت لي فسحة من الزمن استطعت قراءة مئات ومئات الكتب، وأحتفظ بمكتبة ضخمة في بيتي تتجاوز الثلاثة آلاف كتاب.
ذائقة شخصية
وبخصوص البدايات واختياره للكتب أو المقالات أو البحوث التي يترجمها، يقول الصباغ، ليست هناك قاعدة محددة في عملية الاختيار، فنظراً لعدم ارتباطي بأي دار نشر أو مؤسسة، ولعدم اشتغالي في الترجمة كمهنة أعيش منها، فتخضع موضوعاتي لذائقتي الشخصية بالدرجة الأولى، ومن ثم لاهتماماتي ولما أراه يقدم فائدة للعموم، وأتعمد في بعض الأحيان اختيار مواضيع غير مطروقة من قبل، أو لم يهتم أحد بها، باعتبارها لا تلاقي رواجاً تجارياً.
ويعود بنا إلى بداياته، والصعوبات التي واجهها وكانت في كتاب بعنوان «أنبياء مزيفون» وهو عبارة عن دراسة في الأدب المقارن، وتأثير الفلسفة الوجودية على بعض الأدباء العظماء مثل ألبير كامو وفيودور ديستويفسكي وهيرمان ميلفيل وفرانز كافكا وأندرية مالرو.. والكتاب قديم نسبياً، وكان يحفظ عنوانه من أحد استشهادات الناقد فيصل دراج به في مقالاته التي كان يكتبها في مجلة «الهدف» نهاية الثمانينيات، وقد حالفه الحظ أن عثر عليه على رصيف مكتبة صلاح صلوحة تحت جسر البرامكة، في منتصف التسعينيات، فاشتراه وقرأه (وهو باللغة الإنكليزية طبعاً).
ويضيف الصباغ، بدأت فوراً في العمل على ترجمة «أنبياء مزيفون» دون تردد، وكنت أترجم بوصفي هاوياً وبشكل متقطع وعلى فترات متباعدة، فلم أكن ملتزماً مع أي جهة، ولم أكن ملزماً بسقفٍ زمنيٍّ محدد، وحتى لمّا انتهيت من الكتاب بقي مخطوطاً في مكتبتي.. لكن للأسف مخطوطة الترجمة الأصلية احترقت بسبب الصاروخ، الذي أصاب بيتي في مخيم اليرموك فدمره في عام 2013 خلال الأزمة السورية. كانت هذه تجربتي الأولى وكنت سعيداً بما قمت به، فقد كنت حديث العهد في الترجمة، وكما قلت سابقاً انطلقت من ذائقتي الشخصية في العمل، ويمكن القول إن عملي كان نوعاً من الرياضة الذهنية وتنشيطاً للغتي الإنكليزية، التي كنت على وشك أن أنساها، فكانت الفكرة جيدة لي أن أقوم بالترجمة، وفي الوقت ذاته، استعيد لغتي.
ذهنية المتلقي
يؤكد الصباغ على نسبية الصعوبات في الترجمة تبعاً للكتب ومؤلفيها، وللمترجمين وخبراتهم ومرجعياتهم اللغوية.. وبالتفاصيل يرى أن هناك صعوبات في بعض المصطلحات الخاصة بالسياقات الأدبية والفلسفية، وكذلك تراكيب الجمل العربية المناسبة للغة الإنكليزية، مع المحافظة على أمانة الترجمة وروح اللغة.. لكنه يؤكد أن أهم الصعوبات في عملية الترجمة هي اختيار الجملة المناسبة لذهنية المتلقي، إذ لا يكفي نقل المفردات من لغة إلى أخرى، فما هو سائد في ذائقة شعب قد لا يكون كذلك لدى شعب آخر، وهكذا فمن غير المرغوب أن تبدأ الجملة العربية بحرف جر مثلا، بعكس ما هو موجود في العديد من اللغات الأوروبية. ويرى أن الإفصاح في اللغة أن تبدأ جملتنا بفعل.. ما زال يذكر ما كان يردده أستاذ اللغة العربية في المرحلة الإعدادية من أن «العربية لغة الفعل، لغة فعلية».
اللغة الثالثة
لقد تباينت الآراء حول الترجمة من لغة ثانية إلى ثالثة، فيرى البعض أنه لا ريب في الترجمة من لغة ثانية، ويرى البعض الآخر أنه من الأفضل الترجمة عن اللغة الأصليّة كأساس، وهذا يوثق أمانة الترجمة، وبعضهم يقبل بذلك مضطراً..
محمود الصباغ يقول إن جميع ترجماتي تأتي من اللغة الإنكليزية إلى العربية، وجزء منها كتبت بالأصل بلغات أخرى مختلفة، لم أطلع عليها للأسف، لأني أجهل هذه اللغات، وربما لعدم توفرها في متناول اليد. من الجيد أن يمتلك المترجم لغة ثالثة تكون جسراً له بين ما ينقل عنه واللغة الأصلية للمادة موضوع الترجمة، لكن في اعتقادي هذا ليس مهما كثيراً إلّا في بعض الحالات، كالشعر مثلاً، فالأهم عندي أن يكون المترجم متمكن من لغته الأم بالأساس، لأن هذا هو المعيار للقارئ الذي قد يكون لا يعرف سوى لغة واحدة، ولعل المترجم سوف يصاب بحرج أكبر لو وقع عمله بين يدي قارئ متمكن من اللغة التي نقل عنها، وهذا يفتح الباب أمام العديد من الطروحات التي تتعامل مع مهمة ووظيفة المترجم، فهل على المترجم أن يكون أميناً في الترجمة؟ هل الترجمة مهنة؟ هل هي مهنة وهواية في آن معاً؟ ما هدف المترجم؟ هل هو كسب ثقة القارئ؟ أم كسب ثقة دار النشر؟ وهل ثقة القارئ تكفي للقول إن هذه الترجمة مقبولة؟ وهل ثقة القارئ تعني احترام المترجم للقارئ؟ أم تعني احترامه للعقد المبرم مع دار النشر؟ تلك أسئلة لا جواب نهائي واحد لها. فمن المقبول أن تنزرع الثقة بين القارئ المستخدم للترجمة والمترجم، بمعنى الثقة في الترجمة والمترجم في آن معاً. وأن يقتنع هذا القارئ من جودة الترجمة أصلاً. هناك العديد من القرّاء الذين يرفضون قراءة مواد مترجمة لاعتبارات معينة، ومن ناحية تجارية لا بد من التأكيد على عنصر الثقة. ففي نهاية المطاف القارئ هو من يدفع أجر المترجم بطريقة ما.
علم الآثار
طالما إن اللغة واحدة، فلماذا يختلف مترجم عن آخر؟ وهل الاختصاص في الترجمة يساهم في تطويرها وجودتها، وأين يكمن الاختلاف أصلاً؟
يؤكد الصباغ أن ثمة فوارق، وهذا أمر منطقي، فحتى الكُتّاب أنفسهم، الذين يكتبون في المجال والتخصص ذاتهما، لا يمتلكون السوية الذهنية ذاتها، أو الثقافية، وحين نتحدث عن الكتابة ذات الطابع الاختصاصي، قد تقل الفوارق، لكنها لا تزول، وهذا لا يمنع أن لكل كاتب بصمته الخاصة، ولكل مترجم أيضاً.
وعن تجربته الخاصة في الترجمة يؤكد ميله إلى علم الآثار ويقول، إن من أهم ما قمت بترجمته ثلاثة كتب لها علاقة مباشرة بتاريخ فلسطين القديم وعلم الآثار: منها كتابان لعالم الآثار الإسرائيلي إسرائيل فنكلشتين، وكتاب لباحث آثاري نرويجي يدعى تييري أوستيغارد، بالإضافة إلى عشرات المقالات المرتبطة بقضايا الصراع العربي الإسرائيلي، وعلم الآثار وتاريخ فلسطين القديم، نشرت معظمها في موقع «الحوار المتمدن» واختياراتي لكتب فنكلشتين تأتي من اهتمامي الشخصي بالدرجة الأولى بعلم الآثار وتاريخ فلسطين القديم، بحكم أن فلسطين قضية حياتي. وقد قرأت تقريباً معظم ما كتبه فنكلشتين باللغة الإنكليزية، فأنا لا أجيد العبرية، وقد وجدت فيه باحثا ذكيا مخلصا في عمله وصارما في نتائجه، لا يخشى أن يقول الحقيقة مهما كلفه الأمر، وفوق كل هذا فهو صهيوني بامتياز، وهو من هذه الناحية عدوي المباشر و»ليس خصمي الأكاديمي فحسب» ولعل هذا دافع أو سبب آخر يجعلني أهتم بما يكتب وأتابع أنشطته المختلفة.
في الحقيقة معظم ترجماتي، سواء كانت كتبا أو مقالات صحافية أو دراسات أكاديمية تقع ضمن هذا الحقل، أي علم الآثار وتاريخ فلسطين والوجود الصهيوني في فلسطين قبل وبعد النكبة، ومع ذلك هناك بعض المحاولات الأدبية، كترجمة قصة قصيرة للكاتب الأمريكي وليم مارش بعنوان «الزوجة الصغيرة» وكذلك قصة قصيرة بعنوان «متعة كاهن» للكاتب البريطاني رود داهل.. وفي الأساس أنا حاصل على دبلوم دراسات عليا في العلوم البيولوجية، وهذا ميدان بعيد كل البعد عن الدراسات الأدبية.