ابراهيم درويش
في مجموعته الاخيرة كزهر اللوز، يطرح الشاعر الكبير محمود درويش سؤالا عن الغياب والحضور عندما يقول قل للغياب نقصتني وانا حضرت لاكملك وعن حالة المراوحة بين الهنا والهنا يقول في قصيدة لم ينتظر احدا، و لم ابتعد عن عالم لم اقترب من عالم، وقبله يقول ولم يشعر بنقص في المكان، المقعد الخشبي، قهوته، وكأس الماء والغرباء والاشياء في المقهي كما هي،…. ، وفي قصيدة في البيت اجلس يقول في البيت اجلس، لا حزينا ولا سعيدا، لا انا او لا احد ويختم مكررا نفس المقطع مضيفا بي بين.. ولا ابالي ان علمت بانني حقا انا… او لا احد، يصعب علي قارئ نص محمود الجديد التحرر من سطوة القصيدة والشعر في كزهر اللوز وهو يقرأ مواجهة الشاعر مع نفسه في في حضرة الغياب فالقارئ امام نص مفتوح، مكثف، وفلسفي، يواجه الشاعر فيه العالم ويركب تاريخه الشخصي وتاريخ شعبه، هنا يستعيد الشاعر كل روائح الارض وازهارها البرية، ويطارح العدو الذي لم يغادره الشبح/ الفلسطيني. كلما توغلت في النص وكلما تقدم السرد، اخذتك شهوة القراءة الي مدارات المدن والاشياء والي عوالم تخلط بين الارضي والسماوي، وما بينهما نعثر علي قطعة من تاريخ شاعرنا… الذي ارتبط في مرحلة من تاريخ النضال الفلسطيني بقصائد عكست هذا الهم سواء فيما عرف بادب المقاومة الذي قدم تجلياته الشهيد الراحل غسان كنفاني او في المدي الشعبي لانتشار القصيدة، وطني ليس حقيبة التي يعيد تشكيلها الان في عبارة بالغة وطني حقيبة. الربط هنا بين الديوان والنص لا يعني الحديث عن تكرار فهذا نص يعول علي النثر لتجلية تجربة القصيدة والشاعر والوطن والعالم، واستعادة محطات الحياة منذ غادر/ او نزل من الكرمل، وبدأ البحث عن الكنعانيات اللواتي يستحممن بالورد والبحر، مع ان درويش في نصه الشعري استعاد نصا جميلا من الناقد ابو حيان التوحيدي عن العلاقة بين النثر والشعر احسن الكلام ما… قامت صورته بين نظم كأنه نثر ونثر كأنه نظم، وفي النص الجديد يعود الي مالك بن الريب في مرثاته لنفسه يقولون: لا تبعد وهم يدفونني واين مكان البعد الا مكانيا، وهنا فالشاعر/ السارد يقوم بمواجهة داخلية تقوم علي الحوار مع الذات، تبدو مثل تيار للوعي، واستعادات من الماضي وبحث عن زمنية المكان والمرواحة بين الانا والانا، وفي عرضه لتاريخه الشخصي او تاريخ الوطن يقدم لنا في مفتتح هذه الرحلة التي تنثر الشعر بقوله سطر سطرا انثرك امامي بكفاءة لم أوتها الا في المطالع… وكما اوصيتني، اقف الآن باسمك كي اشكر مشيعيك الي هذا السفر الاخير، وادعوهم الي اختصار الوداع والانصراف الي عشاء احتفالي يليق بذكراك، هل نفهم من هذا ان سفر درويش هو محاولة للرثاء او التخلص من ثقل الوقت والزمن، او التحرر بالحديث بانفتاح السرد والنثر عن الماضي، الذي نري انه لا يفترق عن الحاضر والمستقبل فالعودة الي الجنة المفقودة لم تتحقق وسفر الخروج لم يتحول بعد في الذاكرة الفلسطينية الي سفر الصعود الي الارض والدخول في كينونة الفردوس المفقود، وهل هي وقفة الشاعر فلتحتفل مع اصدقائك بانكسار الكأس. في الستين لن تجد الغد الباقي.. لتحمله علي كتف النشيد.. ويحملك، فلا يهم اذا ان سارت الحياة الان ببطء لكي اراك بكامل النقصان حولي.. كم نسيتك في خضمك باحثا عني وعنك، فالشاعر في نصه الجديد هو زمنه الاكيد، الناضج الذي يتطلع للخلف، ولكن بدون حرارة للقيا او حتي الشعور بالشوق، هنا الشاعر يريد التحرر من اناه الاخر، والفراق عنه، انت الي حياة ثانية وعدتك بها اللغة و انا الي موعد ارجأته اكثر من مرة، مع موت وعدته بكأس نبيذ احمر في احدي القصائد، انها اذا محاولة لتجلية العلاقة او قل تصفية الحساب واغلاق الدفاتر بين انا وانت انا يفترقان اذا دون حاجة لعتاب الماضي، او الاسلاف او حتي الحديث عن الخروج والدخول. وحتي عندما يتم الحديث هنا عن الفراق او الانفصال في منعطف ما في طريق الحياة، فهذا الانفصال يبدو قاسيا وصعبا لان الشاعر لا يمكن ان يترك ذاته ويتحرك بعيدا عنها. وعليه يفهم ان الحديث عن الخروج من الق الذات او التجادل بين الانا والانا ما هو الا محاولة للفهم قم لاحملم / اقترب مني لا عرفك/ ابتعد عني لاعرفك. وشاعرنا وهو يتخذ من صورة مالك بن الريب وهو يرثي نفسه ويحضر للرحلة الاخيرة قبل العروج الي برزخ القبر، يقوم برحلة مع تاريخه لانه البوابة للمستقبل هو ماضيك القادم. درويش الفاتن في استخدام المجاز، يعطي في رحلته او ملحمته الشخصية الحروف حياة، يصبح لتجويف النون الق خاص ودندنة عالية، ويأخذ البحر رمزيته من بحة الحاء، ابجدية اللغة تتشكل في هذا النص الجامع علي حيوات تشكل ذاكرة الشاعر او السارد هنا الذي يتحدث الي نفسه، حرف النون هو صحن نحاس يتسع لاستضافة قمر كامل التنوين، والنون هي الفارقة بين الذكر والانثي، وقلب المثني والانا وعلامة سورة الرحمن التي تأخذك الي الايمان المصحوب بالطرب فتحت الله وتشفي من قلق السؤال من خلق الله؟
، والابجدية ذات الحياة هي الكلمات الاولي التي عبر منها وفيها الشاعر من شقاوة الدوري او شقي الدوري الي غموض العلاقة بين العبور والزامور، فالعبور هو المرور، يسمي غموض اللحظة الاولي في رحيل الكلمات وعكة لغوية، والعبور من الحرف المضمخم بالحركة والموسيقي الي الكلمة هي عبور لحياة وكائن، وفي الكثير من الاحيان ما ترتبط كلمة او حرف بذكري. ما يثير في نص درويش بشكل عام وهذا النص بالتحديد هي قدرته علي اللعبة علي التضاد والنقيض، ومن خلال التصادم بين الانا ونقيضه الذي يبدو هو الطرف الثاني يحصل التوتر، ويتدفق من داخله نص جارف، ولكن فيضان اللغة والسرد يتراوح من لحظة لاخري كالموج يعلو ويهبط، كالنوم يريح نبضات القلب كما يقول. في النص حديث عن سرد تكوين للرواية، التي يمثلها درويش، فهو لا يعلن فيه عن فلسطينيته بشكل واضح، نعرف ان يعيد الرواية الي ملعب الاخر، من خلال استعادته لرموز الكنعانيات السابحات علي التل والسهل، مموهات بشقائق النعمان، والمريمية، وعصا الراعي والنرجس المنحني بجلال الامير علي الماء، والشاعر هنا يتصل كحبل سري بالكنعانيات المالئات الارض بالانوثة وبمعني للوطن. خذ مثلا هذا الحوار الجميل بعد تأكيد الشاعر ان الفلسطيني لم يكن بحاجة للاساطير الا لتفسير العلاقة بين القمر والدورة الشهرية، ثم يعود ويحاول تقليب معني لاجيء، القاموسي والمفهومي و وطن ويقول بكثافته المعهودة القادرة علي تفتيق المعني هل تتسع كلمة واحدة من ثلاثة احرف لكل هذه المحتويات.. وتضيق بنا. نص درويش ليس عن التأمل الصوفي، او الفلسفي فقط، بل عن روتين الشاعر وحياته في المنافي، وهنا لا فرق بين المنفي والوطن، طالما لم يحقق الشاعر عودته، بل هو في سياق اخر، يتحدث عن كونه ابن الوطن والمنفي، يعرف شيئا من تفاصيل الوطن الذي تغير ولكن لم يفقد هوية المكان، ويعرف المنفي، اما ابن المنفي الذي ولد فيه وكون صورة عن الوطن الضائع حيث يقول يقول ولد الوطن في المنفي.. ولد الفردوس من جحيم الغياب ويضيف وانت انت لم تكن معهم. فيك من عمر المنفي ما فيك من عمرك في الوطن. فكرة الهجين والمزيج وكونك في خارج هي ما يميز هذا النص المكثف، يمارس من خلاله الشاعر لعبته لتشكيل مفاصل من حياته، في تنويع يمزج بين الشعر والنثر، وبين النص النثري الاستعادي والقالب الروائي، يحاور الشاعر نفسه او اناه، انت ويخلق مسرحا مليئا بالصور، والاداء والموسيقي، الهادئة والصاخبة. ولكن درويش يؤكد انه من يمسك بزمام السرد حيث يخاطب اخره قائلا انا الراوي، لا انت.. ففصامه مع اخره هل يعني انه قرر في سن الستين ان يثور علي اخره، الشاعر، المنفي، ابن الوطن، المسافر في المدن، العابر في المطار لا احد يطالعه وينظر في تفاصيل.. ولوحته عن المطار والقهوة والجريدة، لوحة ثرية في معانيها، فالمطار ه البرزخ الذي يعبر منه ولا يعبر، يخرج ولا يخرج، يحب او لا يحب بفتح الحاء، يحمل هوية او بدون هوية، والمطار لا يختلف عن السجن، او المقهي في شارع باريسي، الفرق بين هذه الرموز المرتبطة بالترحال واللاهوية هي طزاجة الصباحات ورائحة القهوة التي يعدها الشاعر في شقته. وكل هذه الرموز والاسماء هي تعبير عن حالة التوقف بين الذهاب والاياب.. لا احد ينتظرني في الذهاب ولا احد يدعوني في الاياب، وفي المطار بالذات هذا الفلسطيني يحمل اكثر من اسم وهوية، لكن ما يميز حامل الجوازات الحمراء والزرقاء والخضراء انه حر لا احد يسألني من انت ولا احد يلتفت الي مشيتي المتعلثمة.. والي الزر المقطوع في معطفي. السارد هنا مثل شخص هرب من مؤلفه وقارئه وبائعه، هو شخص موجود وليس موجود، بطل في نص مكتوب، حقيقي او خيالي، لكن ما يميزه هو تمرده بطريقته الخاصة علي عالمه.
وعندما يواصل القاريء الرحلة في النص، يلاحظ هذا الفهم، فالسارد الذي نعرف هويته، ولا يريد الافصاح عنها علنا يقول رأيت نفسك في مطار ثالث ورابع وعاشر تشرح لموظفين لا مبالين درسا في التاريخ المعاصر عن شعب النكبة الموزع بين المنافي والاحتلال دون ان يفهموك او يمنحوك اذنا بالدخول، ما القصة هنا، ما هو السبب، ساردنا وبطلنا المولود في بلد لا يوجد.. لا يوجد هو ايضا، نحس ايضا ان ساردنا وهو يتحدث عن جهل الموظفين التاريخ يعني ان رحلة خروجه ونفيه وبحثه عن وطنه طالت، بحيث لم يعد يأبه بها الناس او يلتفت. وساردنا الذي يقف علي قمة الحكمة وخضته التجارب والسفرات يعرف هذا، فهو موجود في شرائط السينما، يروي ويروي تاريخ اهله وكيف هبطت عليهم جرافة التاريخ العملاقة وجرفتهم من مكانهم وسوت المكان علي مقاس اسطورة مدججة بالسلاح وبالمقدس. في حوار الشاعر مع اناه، اخره الذي يكون الوطن، المنفي، المطار او حتي سجانه، فهو يقول ان السجن كثافة، ، واخره هو عدوه الذي يقول له انت، لا انا الخاسر، فمن يحيا علي حرمان غيره من الضوء يغرق نفسه في العتمة. بل يعلن في السجن هذا انتصاره قائلا يا حارس نومي وهذياناتي الملغومة بالاشارات، لي الرؤيا ولك البرج وسلسلة المفاتيح الثقيلة والبندقية المصوبة الي شبح. من السجن/ الزنزانة ينفتح النص علي فضاء اخر من فضاءات الحرية/ السجن، المقهي هو افراغ الوقت من ضجر مصاحب للكائن في كؤوس نميمة.. والضجر مذل كالشهوة المتأججة في غير موضعها، ولكن المقهي هو الوحدة مع الجريدة التي تقرأها وتنسي ما قرأت او لا تقرأها وتتذكر ما لم تقرأ.
يتساءل ساردنا في لحظة عن تعريف لنفسه في هذه الرحلة، اشاعر طروادي نجا من المذبحة ليروي ما حدث ام خليط منه ومن اغريقي ضل طريق العودة.. ان فتنة الاسطورة تجعلك نهبا لانتقاء الاستعارات، وعندما يختار الهامش ليحدد اين يقف، ويختار الهامش، يعلن ان النجاة بدون الانتصار هي انتصار الطريدة علي الصياد. فالشبح الفلسطيني/ المقاومة… بلغ سن الرشد وسن العودة و ملك اسرائيل الجديد لا يزال يهذي علي اطلال دير ياسين قائلا هنا.. هنا كانت بداية معجزتي، هنا قتلتهم ورأيتهم قتلي.. ولكنه وهو المتوتر والمصاب بالفوبيا يتساءل عن الطريقة التي خدع فيها الفلسطيني الموت، غشوه وعصوا اوامره، وهو الذي يري ان في غيابهم حضوره لولا الغياب، غيابهم لما حضرت، وقبله لولا ما فعلت بدير ياسين، لما قامت مملكتي، ومرة اخري ان لا يكونوا هو ان اكون، لا اعتقد ان نصا بهذا الكثافة يحتاج الي شرح او هامش، فهو يلخص بكلمات بسيطة وصادمة جوهر الرحلة، رحلة شاعرنا ورحلته اخره وقارئه، فهذا الملك يحرم الشبح حتي من الاسماء، ويحتكر لا الالم والتاريخ بل واللغة التيه خصوصيتي.. التيه يفضي الي الهداية. ان اي شرح يفسد متعة قراءة هذا النص، وقد نتحدث طويلا عن شواهد تؤكد هذه المقولة، واخرها ما فعلت اسرائيل في لبنان، وما تفعله في فلسطين، فهي او ملكها لا يمكن له الحياة الا بموتهم، وليس هذا فقط بل ان ملك اسرائيل هو القدر.. يهب الحياة والموت، وما يخشاه ملك اسرائيل الذي يبدو خارجا من نص توراتي قديم هو ان يقع في قبر القتيل. ولهذا لا بد من تأبيد المنفي، وتأبيد مصير الهندي الاحمر علي هذا الموزع بين الكرمل والمنافي، يسأله، نقيضه وصديقه واخره لماذا نزلت عن جبل الكرمل… لماذا رحلت؟ ويسأل عن السفن التي ستبحر من بحر بيروت التي ستحمل جنودا ببنادق يلوحون اشارات النصر باصابع لم ينتبه ابطالها الي ما بتر منها، انها بيروت النائمة الخائفة الحالمة بيوم اخر، وهي تودع مقاتلين كانوا فيها. وفي حديث السارد عن بيروت وحصارها يظهر مدي التشوه التي ادخلته تلك التجربة علي ذاته والندوب التي حملها معه وظلت معه حيث يقول وحين دخلت الي حمام مطعم علي شاطئ طرابلس تغسل يديك ونظرت الي المرآة، رأيت وجها لا تعرفه: كان انفا كبيرا يحمل نظارة طبية، ولا يشبهك.. لكنه وجهك.
ما حدث في بيروت بعد نزوله من الكرمل هو حالة من التحولات التي تتعرض لها الاستعارة، ماذا يعني المنفي او تعني الهجرة او الرحيل، انها صور عن المدن ومحاولات لترويض حالة الترحال. وهنا يأخذنا السارد في رحلة مع مدنه، مدن الرائحة، فكل مدينة لا تعرف برائحتها لا يعول علي ذكراها وللمنافي رائحة مشتركة هي رائحة الحنين الي ما عداها.. رائحة تتذكر رائحة اخري، يقول المدن رائحة: رائحة اليود البحري والبهارات، حيفا رائحة الصنوبر والشراشف المجعلكة، موسكو رائحة الفودكا علي الثلج، القاهرة رائحة المانجو والزنجبيل، بيروت رائحة الشمس والبحر والدخان والليمون، باريس رائحة الخبز الطازج والاجبان ومشتقات الفتنة، دمشق رائحة الياسمين والفواكه المجففة، تونس رائحة مسك الليل والملح. الرباط الحناء والبخور والعسل. التطلع للغروب في المنفي ليس صفة منه او من المنفي. ساردنا مشغول بالكلمة، بالقاموس، لكن يومه عادي، في باريس، يعد القهوة بتقاليد صارمة، يشرب العصير الممزوج بالسكر والحموضة، يفتح باب ويأخذ جرائد الصباح، يقلب البريد الذي كله فواتير.. وينام في حمام دافي ء، هو سارد ليس مستعجلا، يوائم بين الرتابة رتابة اليوم وعمله، ومتعة الخروج الكسول الي فضاء باريس لموعد مع صديق نحات يريد ان يصنع تمثالا له لكي يدخله الابدية، يسخر السارد من الفكرة فهو يريد تمثالا يتحرك ليكش الذبان عن انفه، ينتهي اليوم بنوم علي المخدة يحاسب فيه نفسه قبل ان ينام علي سطرين خذني الي ما لست اعرف من صفات النهر.. خذني!
، خذني اليك، لكن النوم اللذيذ الشهي الذي يتحدث عنه السارد ليس مبرأ من الالم فهو يتذكر مواجهته مع الموت وعملية القلب اخترق خنجر صدرك، فصرخا في أي قلب اصبت ويتحدث عن الهذيان، ولعبة او محاولة الهروب من الاسلاك، ورحلة الدخول في عوالم سحرية، وباب الشمس وصوت الماء الذي يعيده للحياة.. تعلم انك حي حين يسمع صوت الماء. حديث السارد عن الرحلة والحنين والحب، حديث الفيلسوف المشغول بالتعريفات الحب هو: .. ، المشي.. ، الحنين هو:…. انشغال بالتعريف وبالقاموس والمترادفات والاستعارة والمجاز، كل معاني الحب ومترادفاته في النص، لان فيه استشراف واشراف علي الحياة اشراف البحار علي الحياة، علي خيبته من اسرار البحر التي لا تدرك، وتسأل اي مينائي؟. وفي الحديث/ الحوار سؤال عن جدوي الشعر في عملية العودة او نهاية المنفي والرحلة يتساءل الهذا كان ردك الشخصي هو الدفاع الشعري عن الحبكة والذاكرة، فكتبت اصداء سيرة شخصية ـ جماعية وتساءلت لماذا تركت الحصان وحيدا.. فماذا يستطيع الشاعر ان يفعل امام جرافة التاريخ غير ان يحرس شجر الطرقات القديمة نبع الماء المرئي منه وغير المرئي؟. في نهاية الرحلة، يعود السارد مع اوسلو غزة واريحا، ويسأل في الطزيق الي غزة عن معين بسيسو الذي مات في الطريق للصعود الي الوطن، ولكنه اي السارد يقول اتيت ولكني لم اصل، وجئت ولكنني لم اعد، لكنه في الطريق الي حيفا وهو يستعيد ابو سلام اميل حبيبي، يعود للسؤال عن البقاء ومعناه والخروج وجدواه وماذا لو بقيت في حيفا؟ ماذا لو بقيت في اي مكان؟ ويجيب باطل الاباطيل والكل باطل. وفي النزول من الكرمل يصعد السارد الي الكرمل في المقطع الاخير من الرحلة، يعود الي قهوة الام، ثم يعود الي اخره، المسجي وينثره، ويعيد التآلف معه، فهما غائبان، انا وانت، وحاضران انا وانت. يجمع درويش في هذا النص الاسر، تقاليد عديدة في السرد وتقنيات، شعرية السرد والنثر، التصوير الروائي و اللقطة السينمائية، الحس الملحمي، الاسطوري، التاريخي وادب الرحلة، ويجمع بين الواقع والخيال، بين الاسم والمجاز، يجرد الشاعر نصه من الاسماء ويستعيض عنها بالمجاز، ويستحضر اسماء اصدقاء، صبحي والياس وفاروق.. والنص تأملي فيه صوفية الرجل الذي بلغ ذروة التجربة يتساءل عن جدوي الكتابة، وجدوي الحنين والبقاء والرحيل وجدوي الوطن، ولكنه يحمله في داخله بذور رحلة قادمة، في محاورات الشاعر مع اناه واخره هناك متسع من الوقت لتفتيق اللغة من جديد، والانفتاح عن علي تجربة اخري، والبحث عن شحنات جديدة، واعترف ان كل قراءة لنص درويش تمنحني تلك الطزاجة، والجذل اخرج مشحونا، اما شاعر قادر علي الغوص في الحرف، تطويعه واستخراج درره، غواص يعرف اسرار البحر، ولكنه لا يعود بخيبة بحار.. في حضرة الغياب هو عن الحضور وانتصار السرد و الرواية. وهو عن محمود درويش في رحلته المتواصلة… وابحاره الدائم في الكلمة هل انتهت الرحلة ام بدأت، هل اقترب من المكان، ام افترق المكان عن صورته في المخيلة.. ، الرحلة بدأت!
ناقد من اسرة “القدس العربي” ـ محمود درويش في حضرة الغياب: نص دار رياض الريس للكتب والنشربيروت/ 2006