دمشق ـ خلد سامي عطفة: دمشق أقدم مدينة في العالم ما زالت مأهولة حتى اليوم، وشغلت مكانة مرموقة في مجال الثقافة والفنون والآداب خلال تاريخها الطويل، وهي تحفل دائما بالمشاركات والفعاليات التشكيلية والموسيقية والأدبية. وقد أقام مؤخرا الفنان التشكيلي إدوارد شهدا معرضه في صالة ‘تجليات’ تحت عنوان لافت (إلى محمود درويش)، مستلهما بريشته المرهفة وألوانه الشفافة عددا من قصائد الشاعر الكبير الذي ما زال يحيا في قلوب محبيه، كما هو حاضر في شعره وقضية شعبه الفلسطيني. حاول الفنان شهدا رصد لمحات من هواجس الشاعر وتلمس خلجاته الوجدانية من خلال لوحاته، فهو لم يقدم رسوما مدرسية إيضاحية للقصائد التي اختارها، ولكنه حاول خلق تفاعل وجداني وفكري وبصري مع الشاعر الكبير، انطلاقا من مقولته: ‘أنا وحدي في البياض’. ركز الفنان شهدا بعمله على اللون الأبيض المتميز بحساسيته العالية وافتتح معرضه بلوحة (بورتريه) جانبية حيث بدا الشاعر فيها محدقا نحو الأفق البعيد، ولوحته الثانية (ورقة من مقامة محمود درويش) مقسومة طولانيا إلى قسمين: الأول يحمل مقاطع شعرية، والآخر تشمخ فيه قامة الشاعر مرسومة بألوان متعددة، وهو يلوح بيده معبرا عن تحية لقاء أو إيذانا برحيل، وهذا الغموض الفني الجميل هو الذي يقرن بين الرسم بالألوان والرسم بالكلمات ـ كما قال نزار قباني. أما في لوحته (وداع شاعر) فقد ظهر فيها محمود درويش جالسا على منصة مرتفعة، وقد أحاط به عدد من الأشخاص يشرئبون بأعناقهم وأبصارهم نحوه، وهناك لوحة أخرى يتجلى فيها حضور محمود درويش ونصه الشعري (سأصير يوما طائرا) يبدو الشاعر الكبير متجسدا بهيئة طائر كبير يهم بالتحليق في عنان السماء، وعلى هامش الكادر يقف الشاعر حالما يتأمل الصورة أو يكتبها.
لقد حمل معرض إدوارد شهدا عناوين مختلفة ومتباينة بين الإنساني العام والذاتي مثل (حراس النوم) و(ذكريات شخص مجهول) و(ذكريات باريس) وكانت العناوين واضحة في اللوحات، وكذلك لوحته (باقة ورد لأشخاص غائبين) حيث يستحضر الفنان صورة أشخاص من ذاكرته، أشخاص من الماضي ولحظات هاربة فقدها الإنسان مع الزمن فغدت مجرد بعد لوني يغشيه غلاف ضبابي شفاف، وملامح هذه الشخوص غير واضحة وكأنها توشك أن تتلاشى تقريبا، ولكنها حاضرة بقوة في معظم اللوحات.
فناننا يستوحي موضوعاته من القصص الشعبية والدينية للإنسان حيث تتجلى أعماله بتناغم موسيقي واضح في رسم شخوص إنسانية وأنواع من الحيوانات، انطلاقا من علاقتها الأسطورية بالآلهة وأنصاف الآلهة التي كانت سائدة في عصور وحضارات قديمة، وعند النظر إلى لوحاته نرى التناغم الروحاني الذي أضفاه الفنان على تلك العلاقة بين الإله والإنسان.
حاول الفنان في لوحاته التعبير عن ذاته الفنية وعن حبه للشاعر الفقيد، بعيدا عن التكلف، وكان هذا جليا في معرضه، حيث أنه نثر في وسط البرك اللونية الهادئة تفاصيل دقيقة كالوجه واليد والنظرة، وهو يركز عليها بشكل لافت من أجل الدلالة والإيحاء بما وراء اللون. وعلى الرغم من اعتماده على الحوار والتناغم بين الألوان، إلا أن التوجه لإظهار تفصيل صغير بشكل مفاجئ يخلق نوعا من التوازن الفني بين اللون والشكل. الفنان من مواليد دمشق 1952 تخرج من كلية الفنون الجميلة عام 1976، وأتم دراسته العليا في مرسم أناتولي كلانكوف في روسيا 1992، وأقام معارض عديدة داخل سورية وخارجها. ولم يكن غريبا عنه أن يمتع جمهور دمشق ومحبي محمود درويش بمثل هذا المعرض الجميل.