محمود عباس: مفاخر في غير محلها

حجم الخط
0

د. عمر عصام الطاهر

استهل الرئيس محمود عباس خطابه يوم السبت 16/12/2006 بالقول بأنه يفخر بأنه هو من وقع علي اتفاقية أوسلو في العام 1993. واسترسل عباس (محاطاً بأعوانه) ولأكثر من ساعة ونصف الساعة بكيل الاتهامات للحكومة الفلسطينية وتحميلها مسؤولية ما وصلت اليه الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية في الأراضي الفلسطينية. وقد طغت علي الخطاب لهجة التهكم والسخرية بأسلوب لم نعهده من رئيس دولة، الأمر الذي دعا العديد من المعلقين الي انتقاده وتحميله مسؤولية شحن العواطف وتأزيم الوضع علي الساحة الفلسطينية. وعلينا بادئ ذي بدء أن نقر بحق أي شخص بأن يفاخر بانجازاته (مهما قل شأنها). كما من حقه أيضاً أن يدلل علي هذا التفاخر بالأسلوب والطريقة التي يراها مناسبة. وعليه، فمن الطبيعي أن يكون لمحمود عباس الحق بأن يفاخر بأنه هو الذي هندس ووقع اتفاق أوسلو. ذلك الاتفاق الذي حرر الأرض واستعاد السيادة وأسس الدولة!

من حق محمود عباس أن يفاخر بأنه خليفة ياسر عرفات كرئيس لحركة فتح ورئيساً منتخباً للسلطة الوطنية الفلسطينية. تلك السلطة التي تبسط سيادتها وارادتها السياسية علي الأرض الفلسطينية وتتحكم بالمعابر والممرات والموانئ والمطارات. تلك السلطة التي تعترف بها اسرائيل وتقيم لها ألف حساب. تلك السلطة التي تتمتع بالنزاهة والشفافية.

من حق محمود عباس أن يفاخر بأن الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا واسرائيل يرون فيه مثالاً للاعتدال والعقلانية. ولكن من حقنا نحن أن نقول له ونذكره بأن هذه الدول ما امتدحت رئيساً وأثنت علي مواقفه الا وكان ممقوتاً من شعبه ومنبوذاً من أمته. فتاريخياً نال كل من الشاه والسادات وباتيستا وسوموزا وتشانج كاي تشيك وبينوشيه كل هذا الثناء فأين هم الآن وماذا حل بهم؟ وفي هذه الأيام نسمع مثل هذا المديح ينهال علي كل من نوري المالكي في العراق وفؤاد السنيورة في لبنان. الأول محاصراً في المنطقة الخضراء والآخر في السراي الحكومي. وعليه، فاننا نسأل محمود عباس اذا كان يريد أن ينضم مفاخراً الي هذه الزمرة.

من حق محمود عباس أن يفاخر بأنه يقيم علاقات متوازنة بين أمريكا وروسيا وبريطانيا والصين والاتحاد الأوروبي. ولكن من حقنا أيضاً أن نقول له بأن علاقات متوازنة بين داعمي العدو الصهيوني و(مؤيدي) الحق الفلسطيني ليست بالضرورة سياسة حكيمة، بل سياسة زئبقية لا تفرق بين الحق والغبن وبين الخير والشر وبين الجمال والقبح. فقد قيل بأن الساكت عن الحق شيطان أخرس. من حق محمود عباس أن يفاخر بأنه لا يحيد عن مواقفه المبدئية بغض النظر عن الاستفزاز الذي يقوم به العدو الصهيوني. ومن حقنا أن ننتقد مثل هذا التهاون والتساهل غير المبرر مع عدو ما زال يمارس سياسة التجويع والحصار والقتل والمصادرة.

من حق محمود عباس أن يفاخر بأنه ليس من المؤمنين بالشعارات الديماغوجية والغوغائية، وبأنه واقعي وبراغماتي لا يلتفت الي التفاهات بل يتعامل مع الصورة الأعم والأشمل. ومن حقنا نحن أيضاً أن نقول بأن التركيز علي الصورة الأعم والأشمل وعلي العبارات الفضفاضة ليس دائماً هو الأسلوب الناجع في التعامل مع العدو الصهيوني الذي يصر علي الفواصل والنقاط في كل اتفاقية يوقعها معنا. من حق محمود عباس أن يصف اطلاق صواريخ القسام بالعمل العبثي والعمليات العسكرية في الأراضي المحتلة عام 1948 بـ الحقيرة. ومن حقنا أن نعلن بأن تجسيد الحقارة هو عقد الاجتماعات مع قاتل عائلة هدي غالية وتبادل القبلات الحارة شبه الغرامية معه وذلك قبل أن تجف دماء عائلتها من علي شواطئ غزة.

من حق محمود عباس أن يفاخر بأنه بذل جهوداً مضنية مع حركة حماس من أجل التوصل لاتفاق حول تشكيل حكومة وحدة وطنية، وبأن الحوار قد وصل الي طريق مسدود وبالتالي لا يجد مبرراً لاستمرار تلك المحاولات. ومن حقنا أن نقول له لقد أمضيت أكثر من ثلاثة عشر عاماً تفاوض حكومات اسرائيل المتعاقبة دون احراز أي نتيجة، الا أنك ما زلت تعلن عن نيتك ورغبتك في لقاء أولمرت في أي وقت يشاء. فلماذا الاستئساد علي حماس والخضوع المهين والكامل لمحتلي وطنك؟.

من حق محمود عباس أن يخرج علينا صباح يوم الاثنين (18/12) في مؤتمر صحافي مع صديقه توني بلير ليعلن عن شكره وتقديره لبريطانيا علي دورها الفعٌال وجهودها في تخفيف معاناة الشعب الفلسطيني. ومن حقنا أن نذكره بأن في بريطانيا نفسها هناك أصواتاً تعلو مقرة بمسؤولية بريطانيا التاريخية عن مأساة فلسطين وما حل بشعب فلسطين نتيجة سياساتها الاستعمارية بدءاً بوعد بلفور مروراً بتشجيع هجرة اليهود الي فلسطين وتدريبهم وتسليحهم وانتهاء بتأييدها لاسرائيل في جميع المحافل الدولية.

من حق محمود عباس أن يشعر مع معاناة الشعب اليهودي في الحقبة النازية وبأن يعلن بأن ما من شعب عاني أكثرمن الشعب اليهودي ـ وذلك خلال اجتماع في العقبة بحضور شارون. الا أنه من حقنا أن نقول له بأن أحداً لم يفوضه بالحديث نيابة عن الشعب الفلسطيني حين اعتذر لشارون عن المعاناه التي سببها الفلسطينيون لليهود نتيجة عملياتهم الارهابية. فهل يعقل أن تعتذر الضحية لجلادها؟ من حق محمود عباس أن يفاخر بأنه قد انتخب ديمقراطياً وبأنه سيتوجه للشعب مرة أخري لأن الشعب – حسب وصفه – هو مصدر السلطات. ولكن من حقنا أن نذكره بأنه وقبل ساعات من اعلانه هذا كانت قواته الأمنية تفترس هذا الشعب مصدر السلطات مدججة بهراوات غليظة في مشهد تراجيدي ملأ شاشات التلفزيون وأعاد الي الأذهان صور الجنود الاسرائيليين المعروفين بتكسيرهم للعظام أثناء تفريقهم المظاهرات الفلسطينية بأسلوبهم الهمجي المعهود. وما أشبه الليلة بالبارحة!

من حق محمود عباس أن يفاخر بأنه قرأ نص قرار مجلس الأمن رقم 194 الصادر عام 1949 والمتعلق بحق العودة، والذي قال لنا بأنه يقع علي ثلاث صفحات ونصف الصفحة. الا أنه من حقنا أن نسأله وهل قرأت أنت النص الكامل لاتفاق أوسلو الذي جاء في 20 صفحة وملحقات تقع في أكثر من 350 صفحة؟ وهل وجد هناك اعترافاً متبادلاً – كما يحلو له أن يردد دائماً ـ أم هو فقط اعتراف أحادي الجانب من قبل منظمة التحرير الفلسطينية بحق اسرائيل في الوجود مقابل اعتراف اسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية، وليس بحق الشعب الفلسطيني في الوجود. فأين التبادل؟! كما أن اتفاق أوسلو لم يأت ولو لمرة واحدة علي ذكر كلمة انسحاب بل كانت الكلمة المستخدمة هي اعادة الانتشار. فهنيئاً له علي تفاخره.

من حق محمود عباس الشيء الكثير، لكن مما ليس من حقه هو المتاجرة بقضيتنا المركزية من أجل حفنة دولارات ووكالات تجارية يوزعها علي أعوانه ومرتزقته. ومن العار عليه أن يبتز الشعب الفلسطيني الجائع والمحاصر من قبل أصدقائه اياهم من أجل تقديم تنازلات مصيرية ما كانوا ليتنازلوا عنها لولا هذا التواطؤ المريب بينه وبينهم. فحقوق الشعب الفلسطيني تكفلها جميع الشرائع القانونية الدولية وعار علي عباس أن يقبل بالقيام بدور السمسار لاسرائيل من خلال تهديده ووعيده لنا.. يبقي علينا أن نقول بأن الصراع الجاري حالياً ليس صراعاً بين حركتي فتح وحماس وانما بين خيارين تاريخيين أحدهما يريد أن يحافظ علي مكتسباته المادية و السمسرية من خلال مواصلة التفاوض اليائس والبائس واللانهائي مع عدو لا يعترف به أصلاً، وبين من ما زال يؤمن بحقه التاريخي في فلسطين.

فالشعب الفلسطيني الذي يصارع الحركة الصهيونية منذ بدايات القرن الماضي لن تنطلي عليه هذه الأساليب البهلوانية. فالمرحلة الحالية ربما تكون من أكثر مراحل الصراع تعقيداً، الا أنها حبلي بالكثير من المفاجآت. فالمقاومة الوطنية في كل من العراق ولبنان (والتي تشير المعطيات الي قرب انتصارهما) ستشكلان بارقة الأمل المهيأة لاعلان بداية النهاية للمشروع الصهيوني في فلسطين، ومعه نهاية الخونة والمتعاونين. وان غداً لناظره لقريب.

ہ كاتب من الأردن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية