محمود مرسي في بورتريه سينمائي مستعاد: الاستثناء الفني والسياسي!

حجم الخط
0

محمود مرسي في بورتريه سينمائي مستعاد: الاستثناء الفني والسياسي!

محمد منصورمحمود مرسي في بورتريه سينمائي مستعاد: الاستثناء الفني والسياسي!لمناسبة مرور ثلاث سنوات علي رحيله، في الخامس والعشرين من نيسان (إبريل) 2004، عرضت قناة (روتانا زمان) في الثلث الأخير من شهر (نيسان)، مجموعة من أفلام الفنان المصري الراحل (محمود مرسي) كان من بينها (شيء من الخوف) إخراج حسين كمال، و(زوجتي والكلب) إخراج سعيد مرزوق و(ليل وقضبان) لأشرف فهمي… و(الخائنة) وغيرها!وأتوقف مع ذكري رحيل محمود مرسي المستعادة تلفزيونياً، ليس من قبيل التغطية الروتينية لمناسبة رحيله التي تمر هذه الأيام، بل لأن محمود مرسي يشكل استثناء نادرا في تاريخ الفن العربي…. استثناء نادر وحقيقي لموهبة فذة حققت نجومية طاغية، لكنها لم ترتبط بأمراض شباك التذاكر يوما، وارتبطت بالعمل السياسي والوطني، لكنها لم تهلل أو تصفق لأي عهد من العهود، ولأي زعيم من الزعماء في زمن التمسح بأعتاب الحاكم، وفي زمن يسير فيه الفنانون العرب في كل مكان في ركاب السلطة ليس طلباً للرضي والسلامة فقط، بل طلبا للأعطيات كذلك!ولد محمود مرسي في الإسكندرية عام 1923 ودرس الفلسفة في جامعتها ثم انتقل إلي باريس حيث درس في معهد السينما هناك الإخراج السينمائي قبل أن يتوجه إلي ايطاليا حيث درس الإخراج المسرحي والدراما في نهاية الأربعينات من القرن الماضي. الموقف الوطني الأبرز في حياة محمود مرسي الذي طبع توجهاته في مرحلة الشباب، هو استقالته من العمل في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) حين وقع العدوان الثلاثي علي مصر عام 1956… فقد رفض محمود مرسي العمل في هيئة تابعة لحكومة كانت تشن عدوانا علي بلاده… بل رفض كذلك البقاء في انكلترا وعاد إلي مصر في فترة الحرب نفسها… من أجل الالتحاق بالمقاومة الشعبية التي كانت إحدي أبرز وسائل مواجهة العدوان!ومحمود مرسي، الذي كان يمكن أن يتاجر بهذا الموقف طيلة حياته، يبدو أنه رأي جيدا حال الأعلام العربي، وحال الصحافة الفنية فيه تحديدا، وكيف تدار الحوارات الفنية، وكيف توضع المانشيتات المثيرة… فاختار الصمت الإعلامي طيلة حياته… لم يظهر يوما في أي حوار تلفزيوني أو إذاعي، ولم يقبل في حياته إجراء أي حوار صحافي، ولم ُيرَ ـ كما يذكر زملاؤه ـ في أي حفل فني، أو في أي حفل من حفلات أعياد الميلاد الكثيرة التي تقيمها بعض الفنانات من دون أن تذكر سنة الميلاد طبعا!ربما اختار محمود مرسي الصمت، كي لا يضطر يوما أن يحيي الزعيم، أو يقول رأيا في الريس، أو يتطوع في التعبير عن الولاء والظهور في حملة ترويجية تطوعية من تلك التي اعتاد معظم الفنانين في كافة الأقطار العربية أن ينخرطوا بها من أجل وطن اسمه: رضا ولاة الأمر!وربما اختار محمود مرسي الصمت، كي لا يبدو صمته عن التجاوزات والانتهاكات، صمتا استثنائيا مستهجناً لكن في الفن، لم يصمت محمود مرسي أبدا، ولم يختر يوما الظهور في عمل مجاني الهدف والرؤية، ولم يقل يوما سوي ما يوافق قناعاته، لأن ما قاله في معظم أعماله، كان ينتمي لخط سير واحد… خط ملتزم بقضية الإنسان في الحرية والحياة ومحاربة الفساد والوقوف في وجه انهيار القيم والأخلاق، ولو علي طريقة الدونكيشوت المعرب (أبو العلا البشري)! قدم محمود مرسي كل هذه المقولات، ليس من خلال الشخصيات الإيجابية دائما، بل من خلال الشخصيات القاسية والمتسلطة أيضا، فقد كان عقل محمود مرسي أكبر من خوفه من أن يكرهه الناس في أدوار الشر، أو يحبه الناس في الأدوار الخيّرة… ولذلك استطاع محمود مرسي، أن يلغي لدي المشاهد تماما هاجس المقارنة بين الممثل والشخصية… فظل يحتفظ بمكانته باعتباره طاقة إبداعية خلاقة، لا ضيفا يحب أو يكره! ويمكن القول بلا أي مبالغة، أن محمود مرسي كان واحدا من أهم الفنانين العرب، الذين جسدوا شخصية الديكتاتور علي الشاشة… في رائعة حسن كمال الخالدة (شيء من الخوف) ففي هذا الفيلم تتجسد بحق صورة الديكتاتور العربي، الذي يحرق الأرض والشجر والبشر، ويزرع الخوف والرعب في نفوس الناس، ويخون ذاته الإنسانية، فيخونه في النهاية أقرب المقربين إليه، ويغلق عليه باب القصر كي يموت حرقا، لأن الديكتاتور لا يؤسس لنظام دولة، بل لعقلية رجال عصابات مستعدين لكل الجرائم في كل الأوقات، بما فيها جريمة خيانته هو نفسه!يعرض (شيء من الخوف) اليوم، لتنتعش ذاكرتنا بصرخة أهل قرية الدهاشنة في ليل الظلم الطويل: (زواج فؤادة من عتريس باطل) ولنري بحق أجمل صرخة سينمائية عربية ضد الديكتاتورية والتسلط والطغيان… مثلما كانت مسرحية (جبال الصوان) للسيدة فيروز والأخوين رحباني، أجمل صرخة مسرحية… والحق أن كلا العملين يقدمان نموذجا لقدرة الشعب علي التغيير، لتلك القدرة الخلاقة التي ينطلق فيها التغيير من الداخل، بلا شعارات رنانة، ولا خطب حماسية، ولا مهرجانات ثورية زائفة! أعود لمحمود مرسي، الذي كان أسبوع أفلامه متعة حقيقية، في ظل مئات الأفلام العديمة القيمة التي تعاد علي شاشات القنوات الفضائية العربية ليل نهار… ففي كل ما شاهدته من أفلام محمود مرسي، ثمة القضية الجوهرية في مقاربة الحياة وآلام الناس… وثمة الأداء الدرامي الذي ينهل من معين لا ينضب من الصدق الفني، والعمق الفلسفي والحضور الدرامي الذي يبقي في الوجدان! ولعل أصدق وصف لفن محمود مرسي المستعاد في غفلة من تفاهة سينمائية وتلفزيونية طاغية: أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض! مأزق الجزيرة الأردني: فتش عن السعودية! معظم خبطات وأزمات الجزيرة هذه الأيام مرتبطة بالسعي للنيل من السعودية. من قضية (صفقة اليمامة) والمسلسل المتعدد الحلقات والأشكال الذي ظلت تواظب علي تقديمه علي مدي أشهر، إلي قمة الرياض الأخيرة، واستضافة الأخ القائد معمر القذافي، ليصفي حسابه علي خلفية خلافه الشخصي في قمة سابقة مع الملك عبد الله بن عبد العزيز حين كان وليا للعهد… إلي الحوار مع الأمير الحسن بن طلال، الذي صودر بسبب انتقاده للسعودية، وتفاعلات تلك القضية بعد ذلك! طبعا أريد أن أؤكد مجددا، أنني لا أدافع عن السعودية، ولا أعتبرها نظامها السياسي نظاما نموذجيا… فهي مثل كل الأنظمة العربية الرديئة، في هذا الزمن العربي الرديء، الذي تضيع فيه المعايير، وتنهار القيم، ويبلغ النظام العربي مداه في الضعف والتشرذم والعجز والفساد. لكن المشكلة هي أننا لا نريد أن نري الحقيقة من منظار العلاقات السياسية الثأرية بين قطر والسعودية… لا نريد أن يكون هم قناة بحجم وقوة الجزيرة إرضاء الدوافع الكيدية فحسب، ثم تحت هذا الغطاء يتم البحث عن أية خبطة صحفية، وتعقب أي فعل أو رد فعل تجاه السعودية!لا نريد ذلك، ليس لأنه تهمنا سمعة النظام السعودي، بل لأن لدينا حبا تقليديا للجزيرة، باعتبارها الأمل الإعلامي الذي انطلق في غفلة من فساد وركود إعلامي عربي مزمن… فأضاء لبعض الزمن وصنع شيئا من التغيير والحرية!ناقد فني من سورية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية