في شتاء العام 2017 التقيت بمحمّد الشارخ في بيته الشاطئيّ في منطقة بنيدر جنوب العاصمة الكويت، وكنّا وقتها في دعوة منه للمشاركين في الدورة الثانية لجائزة الملتقى للقصّة القصيرة العربيّة، ولم أكن قد خطر في بالي بأنّني قد ألتقي يوماً مؤسّس شركة صخر لبرامج الحاسوب، ورئيس مجلس إدارتها، الذي خدم عبر مغامرته الشجاعة اللغة العربيّة خدمة جليلة، مكّنت الأجيال من التواصل عبرها مع العالم الرقميّ لما بعد الحداثة. أعادتني تلك اللحظة ثلاثين سنة إلى الوراء، إلى مركز صغير لتعليم اللغات في مدينتي البعيدة الرقّة، بإمكانيّاتها المتواضعة، ورغبة أهلها بتطوير أنفسهم بمحاولات التقاط الجديد في دنيا المعرفة، الذي كانت الدولة تخصّ به المراكز دون الهوامش. أضاف المركز الواقع في حيّ الثكنة إلى لافتته المتضمّنة تعليم اللغات مفردة جديدة هي الكمبيوتر. كنّا أطفالاً نمشي إليه مسافة نصف ساعة أو نصله عبر درّاجاتنا الهوائيّة، لنتعلّم ذلك السحر الجديد، فنستعمل أجهزة، بسلسلة من عمليّات الضغط عبر الأزرار الثقيلة، لتعطينا رمزاً واحداً، وليس كما نجده اليوم في الأجهزة الحديثة، لكنّها كانت مدخلنا إلى عالم التكنولوجيا، فبرنامج التشغيل «دوس» بالنسبة لـ «ويندوز» يشبه انتقال الإنسان من الكتابة المقطعيّة إلى الحروف، وكان الجيل الأقدم، جيل أبي وأقرانه الذي درس في أمريكا في الخمسينيّات، يجدنا محظوظين بهذا الجهاز المتطوّر، لأنّ الكمبيوتر الذي عرفه ذلك هناك كان بحجم غرفة.
بدا لي محمّد الشارخ مثل مارد يطوف بضيوفه مرحّباً بمنتهى اللطف والأبويّة، وبهامة عربيّة، وعينين يملؤهما الذكاء والصبر، وحين تفكّر في منجزه لا بدّ من أن تكنّ له الاحترام والتقدير، فمن تعريب لعب (أتاري)، إلى رقمنة النحو والصرف العربيّين بتأسيس كمبيوتر (صخر) عام 1982، فرقمنة القرآن الكريم وكتب الحديث الشريف، والمعجم المحوسب، وتعيين السياقات حسب الحركات لتطوير القارئ الآليّ بالعربيّة، ثمّ تطوير المصحّح الآليّ الذي نستخدمه الآن في كمبيوتراتنا وأجهزتنا الذكيّة، ودعم مشروع (كتاب في جريدة)، ثمّ أخيراً أرشيف الشارخ للدوريّات والمجلات الثقافيّة العربيّة، ويعود أقدمها إلى أواخر القرن التاسع عشر.
قد لا يعرف أحد عن التحدّيات التي واجهها الشارخ، الذي رحل عن عالمنا في 6 آذار 2024، في هذه المغامرة، من نزاعات قضائيّة مع شركات عالميّة للتنافس على السوق، وعلى عقول المبرمجين العرب، وعلى خدمة العربيّة، فالناس تنتظر النتائج التي تخدم مصالحها فحسب، أمّا الروّاد فلا يكذبون أهلهم، ولهم رؤيتهم وحساباتهم الأخرى، يخفون أحزانهم وقلقهم، وحتى نقاط ضعفهم وخسائرهم، وكان الشارخ واحداً من أولئك الروّاد القلّة الذين آمنوا بالمشروع القوميّ العربيّ وقدّموا له الكثير، وكانوا أوّل ضحاياه، إذ توقّف مشروع صخر مع الغزو العراقيّ للكويت، الذي أجهض فرصة دخول اللغة العربيّة مبكّراً إلى عالم البرمجيّات بالاتساق مع مشاريع أخرى ظهرت بوصفها تمثّلات للهويّة العربيّة، مثل البرامج العربيّة المشتركة الموجّهة للناشئة، ومثالها (افتح ياسمسم)، أو حركة الدبلجة الموجّهة التي استهدفت برامج الأطفال عبر مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول مجلس التعاون الخليجيّ. جاء النكوص الثاني بسبب عقابيل الغزو أيضاً، وهو الطعنة الخلفيّة التي وجّهها بيل غيتس ممثّلاً لشركة مايكروسوفت لمحمّد الشارح ممثلاً لشركته العالميّة، وذلك فيما عرف بتسوية سياتل، إذ تحايلت مايكروسوفت نتيجة الغزو على إكمال اتفاقيّات التعاون، واستقطبت الفريق الفنيّ لشركة العالميّة، الذي أنتج البرامج العربيّة الرقميّة، ولم يجد المحلّفون في المحكمة الأميركيّة أيّة غضاضة في تهمة قرصنة البرامج آنذاك وانتهاك الملكيّة الفكريّة، لأنّها نوع من الجشع الرأسماليّ الذي تقوم عليه المنظومة الاقتصاديّة، فكان صراع الشارخ مع مايكروسوفت في أروقة المحكمة صراعاً بين منظومتين قيميّتين، حُكّم فيه محلّفون أشبه بمحلّفي محكمة سقراط، ينتمون إلى المنظومة القيميّة ذاتها، التي لا يمكن أن تعطي فرصة لعربيّ ومسلم، وضدّ الصهيونيّة فرصة تجريم شركة تعدّ إحدى رموز نظامها الاقتصاديّ.
لا بدّ من الإشارة إلى أنّ عرّاب رقمنة العربيّة ينتمي لمعشر الأدب، إذ كتب القصّة منذ ستينيّات القرن العشرين، وله ثلاث مجموعات قصصيّة ورواية، وتمثّل قصّته (التحقيق) المنشورة في عدد يونيو لمجلّة (إبداع) 1987، التهافت التدريجيّ لشخصيّة المثقّف العربيّ منذ اجتياح بيروت، ومجزرتي صبرا وشاتيلا، وما تلاها من سلسلة الهزائم التي أدت إلى معارك أيديولوجيّة بين طلبة الجامعة في الكويت، وصلت إلى انتحار أحدهم، كما أودت محاضرات أستاذ الاقتصاد الشهير عن التوزيع العادل للثروة، وتنمية اقتصاد الدولة، به إلى غرف التحقيق لدى أجهزة المخابرات، حيث استنزفت قدراته النفسيّة والعقليّة، لاسيّما حين وشى به الطلبة، الذين كان بعضهم يحقّق مع أساتذتهم، ما قاده إلى الانتحار.
لعلّ اللحظات العربيّة التي نتج عنها اغتيال المشروع القومي فالوطني، هي ذاتها التي فتّتت المشروع الرائد لبرمجيّات صخر، وأودت بمشروع الدخول العربي المبكر إلى عالم التكنولوجيا إلى التأخير والتهافت، كما يقول الشارخ ذاته، فلحظة الغزو شظّت قوّة فكرة الهويّة بكل إمكاناتها، وقبلها الاستبداد، وفقدان العدالة في توزيع الثروة، وتنمية الجهل والحقد، وخلق معارضات مستبدّة وأنانيّة على شكل الأنظمة التي أفرزتها، متمترسة وراء أفكارها المسبقة ومصالحها الضيّقة. إنّ تفكيك مشروع صخر حالة كنائيّة لتفكيك المشروع العربيّ ولتشظّي الهويّة، أمّا عن المركز الذي كنا نتدرّب فيه على أجهزة صخر في الرقّة، فقد استهدفته أيضاً قوّات التحالف الدوليّ بقصفها المتبادل مع عناصر الدولة الإسلاميّة في 2017، وذلك ضمن سلسلة العمليّات التالية لإنشاء النسخة الجديدة من خريطة المنطقة العربيّة.