■ تنضاف رحلة أحمد الدحرشي «مشاهداتي من رحلتي إلى البيرو» 6 أبريل/نيسان 2011- 21 أبريل 2011 إلى محكيات السفر التي تُدشّن لفسحات جديدة من التواصل بين الذات والغير، وتضع معالم لتجَارب رحلية تجترح لنفسها آفاقا أخرى على مستوى المكان والثقافة والتاريخ والجغرافيا، والمتخيّل والرؤى الثقافية والمعرفية والجمالية، كما تؤكّد قدرة النص الرّحلي المغربي على تجديد مساراته وأسئلته ومشاغله عبر القرون.
ويمكن أن نُدرج هذه الرحلة ضمن خانة الرحلة الثقافية التاريخية لثلاثة أسباب؛ أولهما أنها تمت على هامش مشاركة الكاتب في المؤتمر الدولي حول «تطوير الأرشيف وتدبير المعلومة» في ليما عاصمة بيرو، وثانيهما أنها ركزت على زيارة المتاحف والمزارات والمواقع الأركيولوجية والمعالم الأثرية، وحاولت رصد التعدد الثقافي وتنوعه في البيرو، وخصوصا ما يتعلق بحضارة الإنكا وكذا المعالم الطبيعية، ثالثها تضمنها لمسعى قوي لحماية الذاكرة ومعانقة التاريخ لتصير رحلة في الزمان والمكان.
معرفة الكاتب السابقة بحضارة الإنكا، دفعته إلى تحمل محنة الرحلة والمغامرة وتحميل جسده المتعب مشقة زيارة العديد من المعالم السياحية والحضارية في البيرو في ظرف وجيز.
رحلة المعرفة
ما يلفت انتباه قارئ رحلة الدحرشي، كونها جاءت طافحة بالمعلومات والتفاصيل الخاصة بالتاريخ والحضارة والثقافة البيروفية، المغرقة في الأصالة والتميز والتفرد وعلاقتها بالاستعمار، وقد تأتى ذلك للكاتب بحكم معرفته باللغة الإسبانية وثقافتها وتاريخها، ما سهل عليه التوغل في الثقافة البيروفية والإحاطة بأهم مكوناتها، ماضيا وحاضرا. ومن ثمة كان حس المعرفة حاضرا بقوة في الكتاب، إذ يتولى الكاتب ضبط كل الكلمات والأسماء والأحداث التاريخية والأعمال الفنية التي يتلقاها ويشرحها بتفصيل وإفاضة في المتن والهامش؛ وكان يستعين في تحقيق ذلك؛ إما بما سمعه بشكل مباشر من قِبل مرافقيه في الرحلة أو من قِبَل المرشدين السياحيين أو من خلال ما قرأه في التاريخ والأدب الأمريكولاتيني والعربي والعالمي.
واضطلعت هذه المعرفة بعدة أدوار في رحلة الدحرشي منها:
إنها دافع إلى الرحلة، فمعرفته السابقة بحضارة الإنكا بحكم تكوينه في التاريخ، دفعته إلى تحمل محنة الرحلة والمغامرة وتحميل جسده المتعب مشقة زيارة العديد من المعالم السياحية والحضارية في البيرو في ظرف وجيز.
سهّلت عليه عملية التواصل مع الآخر وكذا التفاعل مع عاداته وقيمه.
كانت وسيلة لتقريب وإيضاح المعالم السياحية والحضارية.
كانت دعامة للتبرير والمحاجة ورفض بعض المغالطات، كما وقع له مع أحد المرشدين السياحيين، إذ كانت معرفة الكاتب بالتاريخ وسيلة ناجعة لمُواجهة الآخر المُستعمر الإسباني، والتشديد على غزوه لحضارة الإنكا، فينتقِد مركزيته الاستعمارية، ويقف على آثاره التشويهية والتدميرية الوحشية للحضارة الإنكية ونهبها وسرقتها وإبادتها، فيفضح جرائمه كلما سنحت له الفرصة، بل دخل في نقاش حاد مع أحد المرشدين حول الاستعمار الإسباني، وصحح له الكثير من المعلومات الخاطئة ليذكر بجرائم الاستعمار.
وغالبا ما كان يربط ما رآه وما عاشه في رحلته بنقطة معلم في بلده وفي ثقافته، فيقوم بتأمل مقارن. كما يرصد نقاط التقاطع وكذلك الخصوصيات المميزة.
وعبّر الرحالة على طول محطات رحلته عن تعطش دائم للمعرفة، من خلال ما كان يطرحه من أسئلة تعكس رغبته المتواصلة في معرفة كل ما يتعلق بالمعالم الطبيعية والسمات الحضارية المميزة للبيرو، وكذا معالمها الثقافية من عادات وبنايات وتقاليد وطبخ وفنون. ونظرا لحرص الكاتب على رؤية أهم المعالم ولو كانت المدة قصيرة والجسد لا يسعف، تنوعت أدوات وسائل السفر فيها (الطائرة، الحافلة، السيارة، القطار)، تبعا لتنوع المعالم التي زارها جغرافيا وثقافيا.
رحلة حلم
يبقى محكي السفر محكي مغامرة نظرا لكونه محكيا عن تجربة سفر يتحقق فيها الخروج من الذات والتماس مع الآخر. ويعتبر الدحرشي رحلته أكبر مغامرة في حياته. وتبقى هذه الرحلة بالنسبة لأحمد الدحرشي تحقيقا لحلم كان مستبعد التحقق، لازمه من مدة طويلة، منذ أن قرأ عن حضارة الإنكا، فمارست عليه نوعا من السحر، أي سحر الأصالة والتميز الحضاريين لينتقل من المقروء إلى المرئي. فيتحول فضوله إلى رغبة في المعرفة تجعلُه يتخطى كل المخاوف، بل إن حبه للمغامرة يجعله يزور أهم المعالم السياحية والحضارية للبيرو في ظرف قياسي، متحديا تضاريس وعرة ومناخا مختلفا عن المألوف سببا له الكثير من المتاعب الجسدية.
رحلة المشاعر
تُعد الرحلة من الكتابات التي تجسد حضور الذات، لأن هذه الأخيرة هي من قام بالسفر وهي من يتفاعل معه وهي من يحكيه؛ باعتبارها الفاعل والشاهد والسارد، فكل ذلك يتم عبرها؛ إذ أن فِعل الرحلة يترُك لنا مجموعة من الانطباعات والمشاعر والانفعالات التي اعترتنا أثناء فعل السفر، فنقيّدها بالكتابة خوفا عليها من المحو والزوال، كما نريد أن نقبض عليها وهي حية كما عشناها. فيعمدُ كاتب الرحلة عادة إلى تحويل فعل السفر كحدث وقع، إلى مجموعة من الأحاسيس والمشاعر التي تجسد تفاعله مع ما عاشه من أحداث وما تفاعل معه من مشاهد وقيم وعادات جديدة في الغالب عليه بشكل خاص وعلى ثقافته بشكل عام، وهو ما يقرّب النص الرحلي من الفن عموما والأدب بشكل خاص. فلا تروم الرحلة وصف الواقع الذي تمّ السير فيه، وإنما أيضا نقل تجربة شخصية وحميمية، تعبر عن أثر وصدى المرئي والمعاش في نفسية الرحالة.
جاءت رحلة أحمد الدحرشي طافحة بالكثير من المشاهد والمعالم الحضارية والثقافية المثيرة واللافتة، والسلوكيات والأفعال غير المألوفة بالنسبة للكاتب ولثقافته، جعلتْه يستنفِر كل حواسه لتقريبها من القارئ، فلم يكتف بوصف المرئي أو المسموع أو المشموم أو المذوق أو الملموس، وإنما ركز على تفاعله وإحساسه به، كي يبرز للقارئ عبْر الكتابة تأثيره ووقعه عليه. كما يلتقط مشاعر وانفعالات غيره ممن كانوا يرافقونه في رحلته. ما يؤكد على خصوصية مميزة للكتابة الرحلية، وهي أنها نص مكتوب بالمشاعر والانفعالات التي نلسمها ونحن نتلقى النص، وتلك الخصوصية هي التي تدخل في نظري النص الرحلي إلى الأدب والفن.
رحلة محنة ومتعة
يلاحظ قارئ رحلة الدحرشي ذلك التناوب الملحوظ بين المتعة والمحنة، فينقلنا الكاتب من متعة إلى أخرى، عبر مجموعة من المحن النفسية والجسدية، فكل متعة تسبقها محنة. وما يجمع بينهما هو تلك الرغبة الملحة في المعرفة، التي تجعله يتحمل المحن ليحصد متعا أكبر. فالرغبة في المعرفة وإغراءات حبّ الاستطلاع والاكتشاف تجعلُه يتجاوز قُدرات جسده وأتعابه، بل تحمله على الاقتناع بأن المحنة متعة. فالمُتعة التي يحققها السفر تبدد معاناته ومحنه، ونلمس المتعة في حرص الكاتب على تشخيص انفعالاته، وكيف يتحول من انفعال إلى آخر، ليجعل من نصه مكتوبا بحسّ انفعالي عال، يُشعر القارئ وكأنه هو من يقوم بالرحلة، لأن الكاتب يشخص فعل السّفر بكل هواجسه ومخاوفه ومحنه ومتعه وإغراءاته ومفاجآته.
٭ كاتب مغربي