د. علي محمد فخرومثلما أن طرح موضوع التنمية السياسية والإقتصادية والأجتماعية والثقافية المستمر هو الجواب على أسئلة التخلُّف العربي فانً طرح موضوع حماية وتنمية اللغة العربية الأم هو الجواب على أسئلة الوجود العربي في التاريخ والحضارة. إنه موضوع وجودي بامتيـاز وليس فذلكة تخصُّ علماء اللغة ومثقَّفي الأمة لكي ينشغلوا أو يتسلُّوا بها.من هنا التزايد المتنامي للجهات المتعدٍّدة المهتمة بموضوع الحماية والتنمية ذاك. من بين تلك الجهات مؤسسة الفكر العربي التي تقوم بمشاريع متعددة، حتى ولوكانت محدودة، للإرتقاء بمكانة اللغة العربية، تعليماً واستعمالاً وتبسيطاً، على الأخصٍّ في حقول التربية والتعليم والثقافة والإعلام .من بين تلك المشاريع مشروع كتاب الطفل العربي. فاذا أريد للإنسان العربي البقاء على صلة مستمرة بثقافة أمته، فكراً وأدباً وشعراً وفنوناً وعلوماً مختلفة، فان المدخل إلى ذلك يبدأ في فترة الطفولة المبكٍّرة. فاذا تعلًّم لغته في مدرسته بصورة مبسَّطة وغير معقدة ولا مملًّة، فصحى ميسرًّة، فأجاد استعمالها بسهولة وانسياب عفوي، واذا وجد الكتاب الذي يتناسب مع إمكانياته اللغوية والذهنية ومع مستوى نضجه العاطفي والنفسي والاجتماعي، وإذا وجد الإجابات على تساؤلاته في الشبكة العنكبوتية بلغة فصيحة غير متكلفة وبمستوى علمي رصين، وإذا فتح التلفزيون فوجد برامج أطفال ثقافية فنية مسلًّية بلغته الأم وبمستوى لا يقلُّ عن البرامج الأجنبية المقدًّمة بلغات أجنبية كما كان الحال مثلاً مع برنامج ‘أفتح يا سمسم’ الشهير، إذا وجد الطفل العربي كل ذلك فان صلته العميقة بالثقافة الدينية المستنيرة وبقصص كليلة ودمنة أو كامل الكيلاني وبالمتنبٍّي وبابن رشد وبالكواكبي وبطه حسين وبنجيب محفوظ وبمحمد عابد الجابري وبكثير من مبدعي هذه الأمة، صلته تلك لن تنقطع، ولن يضعفها انفتاحه على ثقافات الآخرين وحتى إنغماسه فيها.إذن فوجود كتب الأطفال وعلى الأخص كتب القصص والتسلية المحرٍّكه للخيال والإنبهار والفرح، المكتوبة بلغة فصيحة مبسًّطة بعيدة عن التكلُّف وإظهار مقدرة المؤلٍّف اللغوية، الآخذة بعين الإعتبار عمر الطفل الذي تتوجًّه إليه بحيث لا يجدها سخيفة بليدة ولا معقدة مملًّة، هو مدخل هام في ملحمة حماية اللغة العربية. من هنا تركًّزت جهود مؤسسة الفكر العربي على وضع معايير مبسًّطة لتصنيف كتب أدب الأطفال العربي لغة وأفكاراً وإخراجاً لكي تكون صالحة لمرحلة عمرية محدًّدة تمتدُّ من بداية الخمس سنوات وتنتهي بالثامنة عشرة. وبمعنى آخر فان الآباء والأمهات والأطفال العرب سيجدون عند ذاك الكتاب الأدبي الذي يذكر على غلافه أنه صالح لهذه السنٍّ أو تلك، تماماً كما يجده الإنسان مكتوباً على أغلفة عدد كبير من كتب الأطفال الأجنبية.إنها خطوة تنفَّذ بالتعاون مع مجموعة من أكبر دور النشر العربية التي وعدت بأن تأخذ بعين الإعتبار تلك المعايير قبل نشر كتب الأطفال الأدبية من قبلها. إنه نجاح صغير في معركة كبيرة تحققه مؤسسة مجتمع مدني. لكن مثل هذا النجاح وغيره من النجاحات التي تحققها مؤسسات مدنية ملتزمة أخرى، وهي كثيرة، يحتاج إلى أن يتراكم فيكبر وأن يتناغم مع بعضه البعض. وذلك سيحتاج إلى تفاهم وتعاضد وتكامل فيما بين مؤسسات المجتمع المدني العربية المهتمة بهذا الموضوع. وسيكون مؤسفاَ أن تبدأ كل مؤسسة من المربَّع الأول او تتًّسم الجهود بالازدواجية المضعفة للكفاءة والإنجاز.إن حقل حماية وتشجيع إستعمال اللغة الأم وإغناء مفرداتها حسب حاجات العصر الذي تعيشه الأمة واسع وبالغ التركيب، وبالتالي فان تركيز كل مؤسسة مجتمع مدني على جزء من ذلك الحقل، مع تناسق جهودها مع الآخرين، سيؤدًّي إلى وجود مشروع شامل، كبير الحجم، ثقيل الوزن، تتعامل معه الجهات المعنية في سلطات الحكم العربية بجديًّة وتطبٍّقه في الواقع من خلال قوانين وأنظمة تحكم نوع ومستوى وامتداد الاستعمال من جهة وإصلاحات جذرية في أنظمة التعليم والتدريب والمناهج وتعريب التعليم في المستوى الجامعي من جهة أخرى.لكننا هنا نقف أمام إشكالية الإرادة السياسية لأنظمة الحكم العربية. فاذا كانت الغالبية السَّاحقة من أنظمة الحكم العربية قد فشلت إلى حدٍّ مفجع في إحداث تنمية حقيقية مستدامة في حقول السياسة، بما فيها الإستقلال الوطني والإلتزام القومي، والإقتصاد والاجتماع والثقافة والعلوم والمعرفة، فهل يعوًّل عليها في تبنٍّي برنامج متكامل لحماية وتنمية اللغة العربية ؟ خصوصاً وأن أعداداً متزايدة من المسؤولين العرب المعولمين حتى النخاع أصبحوا يؤمنون بأن لغات التخاطب والإستعمال المهيمنة في العصر العولمي هي لغات الآخرين وبالتالي يجب أن تعطى الأولوية في حياتنا الإقتصادية والثقافية والإعلامية حتى ولو كان ذلك على حساب اللغة الأم، وبالتالي على حساب الهوية. من هنا أهمية جهود المجتمع المدني العربي.في هذا الوقت الذي تتكالب فيه قوى الامبريالية الصهيونية وبعض قوى الداخل على تفتيت هذه الأمة، جغرافياً وبشراً واجتماعاً، تصبح قضية اللُّغة الموحِّدة سلاحاً هاماً في ساحة المجزرة التي تعيشها الأمة العربية حالياً. ومع ذلك فيجب أن لا ينبري أحدهم ليشكًّكك في هذه الجهود ويعتبرها إنغلاقاً لغوياً أو حضارياً، إذ أننا أيضاً نؤمن بما قاله الشاعر الألماني غوته بأن ‘ أولئك الذين لايعرفون شيئاً عن اللغات الأجنبية لا يعرفون شيئاً عن لغتهم ‘ فتلك اللغات هي روح ثانية للفرد وللأمة.qraqpt