محمد المصباحي
شكّل الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة هذه السنة في المغرب في إحدي ضواحي الرباط ـ الصخيرات بين يومي 16 و17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006 حدثاً ذا معني بالنسبة لتاريخ الفلسفة في هذا البلد لعدة أسباب، نذكر من بينها سببين، أولهما أن مبادرة تخصيص هذا اليوم العالمي للفلسفة، علي غرار اليوم العالمي للشعر… انطلقت من المجتمع المدني. وهذا يدل علي أن لغة الإنصات إلي نبض ومبادرات وابتكارات المجتمع المدني في هذا البلد صارت ممكنة. لم تعد دواليب البيروقراطية هي صاحبة المبادرة الوحيدة في الساحة العمومية، بل صار بإمكان المجتمع المدني أن يشارك إلي حد ما في تحريك جوانب من السياسة العامة للبلاد، لا سيما إذا كان هذا المجتمع قادرا علي الإبداع والمشاركة. لم يعد دهاقنة الإداريين يهابون الآخر الموجود هناك خارج أسوار الوزارات المنيعة، بل صاروا يستحثونه للإتيان بالأفكار الجديدة والمبادرات الخلاقة. إنها حساسية جديدة بدأت تتشكل، وعلامة بليغة علي الجو الديموقراطي الذي لا يمكن أن يطوره إلا الذين يؤمنون به. تبقي مشكلتنا الأساسية في الجمهور الذي لم يتشبع بعد بأهمية القيم الديموقراطية بالنسبة لوجوده ومصيره، إذ ما زلنا نري أن الإنسان منّا، ذكراً كان أو أنثي، يكره أن يكون حرا، ولا يريد أن يتولي أموره بنفسه، يرفض أن يكون ديموقراطيا. وحتي الخاصة منا، والتي لا تكف عن التغني بالديموقراطية نظريا، لا تستطيع عمليا أن تقبلها كمسطرة للتعامل، وتفضل ممارسة كل أشكال الهيمنة وإقصاء الآخر. أما السبب الثاني الذي جعلنا نعتبر المهرجان الدولي للفلسفة حدثاً تاريخيا بالنسبة للفلسفة (وإن كنا نؤمن في قرارة أنفسنا بأن ما يشكل الحدث التاريخي بالنسبة للفلسفة هو أن يظهر نص جديد يثير المناقشة والحوار، أو تطفو أطروحة فلسفية جديدة علي السطح تقذف بالكتابة الفلسفية في مغامرات نظرية جديدة)، فهو أنه شكّل إيذانا بنهاية حقبة طويلة من المحنة التي تعرضت لها الفلسفة في المغرب. وفي الحقيقة لم يكن هذا الاحتفال احتفالا بنهاية محنة واحدة، بل بنهاية محنتين تعرضت لهما الفلسفة في التاريخ الفكري لهذه المنطقة من العالم العربي؛ المحنة الأولي (وكانت في نهاية القرن الثاني عشر الميلادي) قادها صاحب القلم الأعلي علي عهد المنصور الموحدي، المسمَّي ابن عياش، الذي كتب منشورا شهيرا تنديدا بالفلسفة (بمعناها الواسع الذي يضم العلوم العقلية) وبمن يزاولها أو يُخفِي كتبها. أما المحنة الثانية فقد قادها أحد الوزراء السابقين أو قل رئيسهم في زمن الرصاص بمقتضاها حاول تشطيب الفلسفة من الجامعات والثانويات (لم يستطع ذلك تماما جراء المقاومة سواء من خارج النظام أو من داخله! مما يعني أن للفلسفة قوة داخلية تقاوم من أجل بقائها لا سيما عندما تكون هي أمل الإنسان في أن تكون له كلمة في التاريخ). والغريب في الأمر أن المحرك الظاهري لهاتين المحنتين واحد، وهو القول بأن الاشتغال بالفلسفة والعلم يهدد معاً الأمن العقدي وكيان الأمة السياسي، أي يهدد الإسلام ونظام الدولة. السبب العقدي للمحنة يعبّر عنه المنشور الموحدي بمناسبة وصفه للجماعة المتنورة التي اتهمها بقوله بأنهم خلّدوا في العالم صحفا ما لها من خِلاق، مسوّدة المعاني والأوراق، بُعدُها من الشريعة بعد المَشرقين، وتُبايِنها (الشريعة) تَبايُنَ الثّقلين (انظر نص المنشور في كتاب محمد بنشريفة، ابن رشد الحفيد: سيرة وثائقية، الدار البيضاء 1999)؛ أما عن السبب السياسي فيظهر من تلميحات المنشور إلي ما سماه حروب أهل الفكر ضد أهل الدهر ( دبت عقاربهم في الآفاق برهة من الزمان، إلي أن أطْلَعنا اللهُ سبحانه منهم علي رجال كان الدهر قد سالمهم، علي شدة حروبهم، وأعفي عنهم سنين علي كثرة ذنوبهم، وما أُملِيَ لهم إلا ليزدادوا إثما ). وقد بدا خوف أهل الدهر من تأثير أهل العقل أن قال الناطق باسمه في حقهم ولم يبق بيْنَهم إلا قليل وبين الإلحام بالسيف في مجال ألسنتهم. نعم، قد يُظهر صاحب الدهر شيئا من المرونة والعفو إزاء ممارساتهم النظرية إذا ما اقتصرت علي فئتهم من النظار، لكن عندما تظهر آراؤهم في كتب وتنزل إلي الجمهور في الأسواق، فهذا هو الشر بعينه بالنسبة لصاحب الأمر. إذن، كان إعلان الحرب علي الفلسفة بمناسبة نشر الكتب، وكأن الكتابة صارت تزاحم السلطة في الاستيلاء علي المجال العمومي، وفي تشكيل الرأي العام عند الجمهور فلما أراد الله فضيحة عِمَايتهم، وكشف غِوايتهم، وُقِفَ لبعضهم علي كتب مسطورة في الظِّلال… . والواقع أن المحرك الحقيقي للبغض الذي أبدته جماعات من الضغط في الأندلس والمغرب تجاه الفلسفة وأهلها هو كراهيتهم استعمال الإنسان لعقله وتوليه زمام أمره، وممارسة حقه في حيازة حريته وكرامته. نقرأ في المنشور سيء الذكر عن السبب الباطني لمنع الاشتغال بعلوم العقل: يوهمون أن العقل ميزانها، والحق برهانها، وهم يتشعبون في القضية الواحدة فرقا، ويسيرون فيها شواكل وطرقا. ويسمي المنشور من يجرؤ علي الخروج من الحجر والقصور والاشتغال بالعلوم الفلسفية في الأمة الإسلامية بشياطين الإنس لأن غايتهم التعطيل، وقصاري قولهم التمويه والتخييل، ولا يتردد في استعمال آيات للتعبير عن حسدهم للآخرين الذين لا يوافقونه التفكير، منها يوحي بعضُهم إلي بعض زُخرُف القول غرورا. وبارتباط مع المحرك السابق للمحنة، يظهر محرك آخر لها عبّر عنه أحد القضاة، أبو حفص الأغماتي، وهو كراهية صاحب الأمر انفتاح الإنسان علي الآخر (الذي اتخذ في الزمن الإسلامي اسم القدماء من اليونان) : فإياكم والقدماء وما أحدثوا، فإنهم عن عقولهم حدّثوا، أتوا من الافتراء بكل أعجوبة، وقلوبهم عن الأسرار محجوبة (نفسه، ص 81). كان منشور ابن عياش في القرن السادس الهجري (593 هـ) تتويجا لحملة طويلة دامت عدة عقود من المكر والوشاية وكتابة المحاضر السرية، قادتها جماعات ضغط مختلفة تنتمي إلي عوالم القضاء وعلم الكلام والأدب؛ كما كان هذا المنشور في نفس الوقت منطلقا لحملة شعواء شارك فيها خطباء وشعراء بحماس لا يصدَّق (وإن كان شعرهم هزيلا تبدو فيه الشماتة والنفاق المكتوب بلغة ركيكة)، مما يدل علي أن المحاسدة والمنافسة، علي حد تعبير بنشريفة، لعبت دورا رئيسياً في النيل من شرف الفلسفة وأهلها. ولم تقتصر هذه الحملة علي النيل من الفلسفة وأهلها وحسب، بل وأيضا من حلقة كبيرة من الفقهاء والقضاة والأدباء والكتاب لمنعهم من الكتابة والتفكير الحر، وهذا ما يظهر من دعاء المنشور: فباعِدْ أسفارَهم، وأَلْحِق بهم أشياعهم حيث كانوا وأنصارهم. إذن كانت الحملة ضد حركة فكرية وأدبية ودينية واسعة، كان رمزها عَلَمين كبيرين هما الفيلسوف والطبيب والفقيه والقاضي ابن رشد، والقاضي عبد الله الأصولي، اللذان وصفهما أحد المؤرخين بأنهما ليس في زمانهما مَن هو بكمالهما ولا من نسَج علي منوالهما (صاحب الذيل، عن بنشريفة، ابن رشد الحفيد). ہہہأما عن المحنة الثانية التي أصابت الفلسفة في المغرب والتي كانت في الربع الأخير من القرن العشرين، فلن أقف عندها كثيرا لأننا لا نتوفر علي وثائق، مما يدل علي أن محنة الفلسفة في إخراجها المعاصر أكثر تخلفا من سابقتها. نحن نعرف أن لجانا تم تنصيبها في أعلي مراتب الدولة للنظر في ذلك، ولعلها صاغت محضرا أو عدة محاضر في هذا الشأن، ولكنها لم تنشر. كما أننا نعرف بطريق غير مباشر وغير رسمي أن المحرك لدعاة امتحان الفلسفة والتضييق عليها هو محاربة اليسار، المتجلي خاصة في الاتجاهات الماركسية بوجهيها الإيديولوجي والسياسي. هكذا صارت الفلسفة، في نظر هؤلاء، سياسيا تحارب النظام، وإيديولوجيا تحارب الدين. والحال أن المستهدف الحقيقي هو العقل وما يقتضيه من حرية وكرامة بشرية. وغير خاف أن جهات ومؤثرات خارجية آتية من الشرق الأوسط أسهمت بشكل ملموس في صياغة المحنة الأخيرة للفلسفة. إن حشر الإسلام في معركة سياسية إيديولوجية، هو أصلا بعيد عنها، أدي إلي رفع شعار شعبة الدراسات الإسلامية بديلا لشعبة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النــــفس. إنه جو الحرب الباردة التي وصلت إلي أوجها، والتي استعمل فيها الإسلام استعمالا لا من أجله ولكن من أجل أغراض أخري تبينت بوضوح في التسعينات من القرن الماضي.
بعد تجربة مريرة عاني منها الجميع: المشروع الوطني الحداثي، الدولة… ، فطن المجتمع المدني والسياسي معا بخطورة الصدع الذي أحدثه غياب الفكر الفلسفي علي الجسد المغربي السياسي والاجتماعي. فقد صارت المدرسة والجامعة والمعهد العالي في المغرب تخرّج إما إنسانا تقنيا لا قابلية له للتفكير والتساؤل والنقد، أو كائنا مشوها يملك أحدث العلوم والتقنيات، في الوقت الذي لا يؤمن فيه بنفسه، بإمكانياته الذاتية وإنما يؤمن بعدوانية فظة إزاء الآخر، وكراهية إزاء الديمقراطية والحرية. هكذا صارت المؤسسات التعليمية والتربوية تعمل لا علي تخريج المواطن الصالح، وإنما علي إنتاج إنسان ليست له من الإنسانية سوي الاسم والقابل للاستعمال من قِبَل أي مهرّج كان، مهرّج لا يؤمن بأي شيء، لا بالإنسان، ولا بالمستقبل ولا بالوطن، ولا حتي بالله، وإنما بالعنف. هكذا صرنا أمام شكل جديد من العدمية، عدمية لا أفق لها إلا التدمير، تدمير الذات والآخر، لكونها عدمية فاقدة لعقلها. من أجل هذا تحرك المجتمع المدني لإعادة الأمور إلي نصابها، وإعطاء الفلسفة والفكر العلمي حقهما ومكانتهما في التعليم الثانوي والجامعي. بل إني لأكاد أجزم بأن فكرة الحق في الفلسفة بدأت تسري في مجتمعنا بقوة حتي في التيارات التي استعمل اسمها للإجهاز علي هذا الحق في التفكير. إن ربط الفلسفة بالدين أو بالسياسة، لا يقصد به سوي الإساءة إليهما معا، لأن الإسلام في جوهره لم يكن في يوم من الأيام يخاف العقل، يخاف الإنسان، يخاف الحرية. أليس الإسلام هو الذي جعل الإنسان خليفة الله في الأرض، مما تقتضيه هذه الخلافة من قدرة علي الإبداع باستعمال العقل الحر الطليق؟ أما السياسة الحقة، أي الديمقراطية، فلا يمكن أن تخاف العقل والحرية، لسبب بسيط وهــــو أن المشاكل في زماننا هذا تعددت وتشابكت وتعقدت إلي درجــــة لم تعد أي دولة، مهما عظمـــــت إمكانياتها، قادرة علي حلها جميعا، ولذلك كان لا بد من إســـهام الجميع، دولة ومجتمعا، في التفكير والتخييل لحل هذه المشاكل. إن الفلسفة لا تعادي أحدا، لا تهدد أحدا، لأنه لا مطمع لها في القيادة الروحية، أو السياسية، أو حتي العلمية للأمة أو للمجتمع. كل ما تطمع فيه هو أن يُسمَح لها أن تنزل إلي الشارع، أن تؤثر في المجال العام، أن تعلّم الناس كيف يسألون ويتساءلون، كيف يعيشون معا، كيف يفكرون معا وعلانية، كيف ينتقدون ويقبلون الانتقاد، كيف يصوغون الأفكار الكبيرة ويعمل علي تجاوزها، كيف يحلمون ويحققون حلمهم. غير أن الفلسفة لا يمكن أن تقوم بكل هذا ما لم تبتعد عن السلطة بمعناها الديني والدنيوي، بل حتي العلمي. فلا يمكن للمفكر في الأمور العامة والمطلقة أن تكون له شهية للحكم سواء في مجال الدين أو السياسة أو العلم، وإلا حكَم علي نفسه عندئذ بالانحباس في زاوية ضيقة من الوجود، وعلي الفلسفة نفسها بالزوال. الفيلسوف الحق من يمد عينيه إلي الوجود بما هو موجود، أي بما هو حر لا قيد زمانياً أو عقلياً أو دينياً أو سياسياً له، وفي نفس الوقت إلي ما ليس وجودا، أي إلي الإمكان، الذي هو سر الوجود البشري من حيث هو مشروع وجود. إذن، تكمن أهمية العرس الفلسفي بالمغرب الذي انتشي به مجموعة من الفلاسفة الآتين من كل آفاق العالم، كما انتشي به الطلاب وعاشقو الفلسفة من كل المشارب، في أنه كان بشري بتجاوز محنة الفلسفة بكيفية علنية ورسمية. ولا يمكن أن تستكمل هذه البشري ما لم يحرص أهل الفلسفة علي أن لا تُستعمَل ضد غيرها. فقلب الفلسفة كبير يسع كل قول ومذهب، لكنه لا يسع للاستعمال لقضاء مآرب أخري، لأن عقل الفلسفة لا يتهيب من أي ممنوع، ولا يخشي من مد نقده وسؤاله إلي أي مجال. فالفلسفة بالتعريف حرة. نعم، لا ننكر أننا نشعر بشيء من المبالغة في القول بتجاوز الفلسفة لمحنتها، لأن للمحنة عدة أوجه وقد تظهر في اختفائها، ومن أوجهها أن يتم السعي لإثبات حضور الفلسفة بلغة غير لغة البلد الذي يحتفل العالم كله فيه بالفلسفة. نعم، ليس ضيرا أن تقول بعض أطياف فلسفة ما بعد الحداثة أن الأنا هو الآخر وأن كرم الضيافة يقتضي أن تنسلخ عن ذاتك علي نحو ذليل، لكن عندما يكون الأمر جديا، أي عندما يتعلق الأمر بالشروع في استشراف بناء مصير الأمة، فإنه لا يمكن أن يلبس الأنا قناع الآخر ليكون هو هو، لأن هذا الآخر يريدنا أن نكون كما نحن في ذاتنا. كان شعار اليوم العالمي هذه السنة هو الإنسان والشرط الإنساني، أي كيف يتم تعزيز الفلسفة انطلاقا من الشروط الذاتية للمكان الذي أقيم فيه الحفل، وأهم الشروط الإنسانية لتكريس القول الفلسفي في بلادنا هو اللغة التي تتكلم بها. لم تكن اليونسكو علي غفلة من أمرها عندما عقدت العزم، وكانت عنيدة في ذلك، علي إقامة اليوم العالمي الثاني في المغرب: فبعد أن تكلمت الفلسفة اللغة الإسبانية في الشيلي السنة الماضية، كان عليها أن تتكلم اللغة العربية في المغرب، لا تقديسا أو محبة لهذه اللغة، ولكن لأن إقامة هذا اليوم في المغرب لم تكن من أجل المغرب فقط، ولكن لكون المغرب يشكل في هذه اللحظة بالذات نقطة إضاءة بالنسبة للمنطقة التي يوجد فيها بحكم سياساته الفعالة في إخراج المشروع الحداثي والتنويري الخاص إلي الوجود شيئا فشيئا، يشكل قاطرة فلسفية. ولا يمكن أن يلعب المغرب دور المنارة، دور البرزخ الذي يمد عينيه شطر الشمال والجنوب، إلا إذا كان أصيلا مع نفسه. ولعل هذا السبب هو الذي جعل اليونسكو تصر علي عقد الحلقة الثالثة من الحوار الفلسفي العربي الآسيوي علي هامش هذا اليوم، فالمغرب ملتقي قارات وثقافات كبيرة ويمكن أن يكون صاحب رسالة إن كان أصيلا مع نفسه. ہ جامعة محمد الخامس، كلية الآداب، شعبة الفلسفة، الرباط