محنة بغداد دار السلام

حجم الخط
0

متى يدرك السياسيون العراقيون فحوى الآية القرآنية الكريمة ‘ولا تزر وازرة وزر اخرى’ كي يتمكن الشعب العراقي من ان يضع قدميه على الطريق الصحيح. لقد اخذت جميع الديمقراطيات هذا المبدأ منذ بداية تأسيسها. فقد اصبحت الدول الديمقراطية تعالج الامور من جميع وجوهها مع الجنس البشري كحالات شخصية فردية، احدهما يختلف عن الاخر. مما يجنب الدولة او المحكمة او المؤسسة الحكم الجمعي الذي يتعامل مع البشر كمجاميع او كتل، او حتى قطيع من الهمج الرعاع، كالذي كان يحصل في القرون الوسطى ايام التمايز بين الطبقات الاجتماعية، طبقة النبلاء والاشراف او القساوسة ورجال الدين ثم العبيد والصعاليك.
لقد كرم الله تبارك وتعالى الانسان وحمله امانة عمارة الارض، اذ يقول في سورة الاسراء ‘ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا’ وهناك ايضا قاعدة فقهية قانونية تسير بالتوازي مع المفهوم القرآني القائلة المتهم بريء حتى تثبت ادانته. في حين تتعامل اكثر حكوماتنا العربية والاسلامية مع شعوبها كمجاميع بشرية، فالنزر اليسير المقرب لها رحماني يستحق الجاه والسلطة والمال، والشطر الاعظم شيطاني يستحق اللعنة والجهل والفقر والمرض. لان تلك الحكومات أسست لمعايير جديدة لا تعتمد على كفاءة المواطن، انما على دينه او مذهبه او جنسه او قوميته او اثنيته، انها مفاهيم قد تختلف في المسميات عن انظمة العصور الوسطى لكنها لا تختلف بالمضامين.
لذا فعندما تخرق او تهمل مقاصد هذه الآية القرآنية تتحول الحياة الانسانية الى غابة تحكمها الوحوش الكاسرة، فالقوي يأكل الضعيف وليس لعدالة القانون حينذاك أية قيمة تذكر، لان قانون القوة هو المهيمن والمسيطر بعد ان فرض نفسه بالإكراه. مع كل الاسف فان بعض المسؤولين في العراق لا يريدون ان يقرأوا التاريخ الا بعين واحدة، ويفسرون الاحداث التاريخية وفق ثقافتهم الشخصية المجتزئة وطموحات احزابهم وحاشيتهم، ويعملون على تحريفها رغم الحقائق الانسانية والمادية على الارض. فلا ينتظر احد من مثل هذه الطغم الحاكمة خيرا، لأنها ولجت في متاهات الظلم التزييفي الجماعي الاجتماعي لتاريخنا. ويعلم العقلاء أن الظلم حرمه الله على نفسه وعلى عباده، في حين نرى عاصمتنا مظلومة ومنتهكة الحرمات في مواقع كثيرة.
لقد مرت مدينة بغداد بالكثير من المحن والبلايا والفتن، ابتداء من هولاكو مرورا بصدام وانتهاء بالاحتلال ومن والاه. لكنها المرة الاولى التي تتعرض لها هذه المدينة لهجمة تحريف وتزييف في تاريخها وحضارتها، بل حتى أضحت مهددة في وجودها الرمزي الثقافي في ضمير العرب والمسلمين. فقد شرع سياسيو بغداد الجدد حملة تشكيك وتزييف واسعة لتاريخ بغداد، متناسين انها كانت حاضرة العالم الاسلامي وعاصمته ومركز اشعاع نوره وعلمه، اضافة الى محاولاتهم نزع دورها المركزي الديني الفقهي لجميع المذاهب الاسلامية وغير الاسلامية. وتجريدها من مكانتها العالمية التي ساهمت عبر قرون طوال في بناء الحضارة الانسانية آنذاك.
ان هذا العمل الممنهج بدأ مع دخول جيش رعاة البقر بغداد، اثر سقوطها في 9 نيسان/ابريل 2003 فقد سمح وشجع جيش الغزاة الغوغاء والمجرمين سرقة المتحف الوطني العراقي وسط العاصمة، بعد ان مارسوا هم بانفسهم الرذيلة فسرقوا ما قل حمله وغلى ثمنه، ثم استمر الغزاة في تهديم متعمد لمعالم بغداد، من دون اي سبب يهدد غزوهم، وذلك قبل تبلور المقاومة الوطنية المسلحة بعد عدة اشهر. فقد كانت دباباتهم ومدرعاتهم قد حولت الشوارع والحدائق الجميلة الى خرائب واماكن للأوساخ والفضلات. وجعلت من القصور والمباني الفخمة ثكنات عسكرية ومرابط لجيوشهم من دون الحديث عن فضائح وفظائع ابو غريب وبوكا وغيرهما. استمر هذا المسلسل من قبل الحكومات التي ورثت الاحتلال وحلت محله، من خلال تهديم معالم العاصمة، فقد نسف اكثر من مرة تمثال ابو جعفر المنصور وحول شارع الرشيد الذي كان رمزا لجمالية العاصمة بتعمد مع سبق الاصرار الى خرابة ومكان للنفايات، في محاولة يائسة ومستحيلة لمحو التاريخ، لكن القاصي والداني والعالم والجاهل يعلم أن ابو جعفر المنصور هو الذي أسس وبنى بغداد، وفي عهد هارون الرشيد شهدت دار السلام عصرها الذهبي وأضحت منارة حضارية شهد لها العالم اجمع آنذاك.
لا اريد هنا ان انفي المظالم التي حصلت في عهدهما فقد قتل الامام الكاظم وعذب الامام ابو حنيفة رضي الله عنهما. لكن هذه المظالم على فداحتها بحق رموز الامة وأئمتها كانت سياسية وتهدف في نهاية المطاف الى السيطرة على الحكم والبقاء في المنصب والحفاظ على الخلافة، شأنهم في ذلك شأن تشبث الحكام العرب والمسلمين اليوم بكراسي الحكم، لكن تلك الرزايا السابقة الذكر لا تلغي او تنفي التقدم المادي والثقافي والعلمي، بل الحضاري لتلك العصور، فقد قال الله عز وجل ‘ولا تبخسوا الناس اشياءهم’. فلا بد من نظرة عادلة تعطي كل ذي حق حقه من دون افراط او تفريط، لان الله تعالى امرنا ان نعدل حتى مع الاعداء، اذ قال في كتابه الكريم ‘ولا يجرمنكم شنآن قوم على ان لا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى’.
لم نشاهد في أية دولة من دول العالم اجمع، ان تستحي امة ما او قومية ما من تاريخها، كما يحصل الان في العراق، فالمصريون على سبيل المثال يقرأون القرآن الكريم ليل نهار، ويعرفون أن فرعون كان عدوا لله والنبي موسى وبني اسرائيل، وهو القائل ‘انا ربكم الاعلى’ وقال الله عز وجل فيه بأنه يعرض على النار صباح مساء خالدا فيها. ومع كل ذلك فان الله تعالى نفسه قال لنبيه موسى ان يقول له قولا لينا. هذه رحمة الله بالمشركين والطواغيت فعلينا ان نتعلم الدروس والعبر. فهل يمكن ان يتصور أي عاقل أو لبيب اذن بأنه ينبغي على المصريين ان يحملوا معاولهم ليهدموا الاهرامات، لان الفراعنة هم بناتها. كما ان الفرنسيين ايضا يعلمون علم اليقين جرائم نابليون بونابرت مثلا، لكنهم مع كل ذلك جعلوا من قبره تحفة فنية رائعة تقع في ارقى احياء باريس، واسمه يزين الكثير من الشوارع الفرنسية. ويمكن ان نضرب العشرات من الامثلة الاخرى.
بالنتيجة النهائية ان كان الوطنيون والشرفاء من هذا البلد قد ادركوا وتأكدوا منذ البداية أن اختيار احتلال العراق وعاصمته بغداد من قبل الغزاة الامريكان لم يكن صدفة او نتيجة عمل ارهابي، انما يهدف الى تدمير حضارة وادي الرافدين، وما تمثله من عمق ديني وثقافي وحضاري لعموم العرب والمسلمين والمسيحيين، ودرس عنيف لحكامهم اذا ما خرجوا عن طاعة السياسات الامريكية المرسومة لهم، لكن من الجانب الاخر فان المرء ليصاب بالحيرة والذهول والاستغراب عندما يرى مسؤولين عراقيين يمعنون ويصرون على تزييف هوية بغداد وتغيير طبيعتها السكانية. لكن بغداد ستصمد كما صمدت من قبل ولقرون طويلة منذ اختيارها عاصمة للخلافة الاسلامية حتى عهود قريبة.

‘ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية