محنة مرّة خلف العتمة والقضبان تنيرها نضالات بطولية أسرى فلسطين في سجون إسرائيل: حياة تبدأ بالتنكيل وتنتهي بالموت البطيء

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»:  ما أن ينهي أسير فلسطيني إضرابه عن الطعام احتجاجا على جريمة «الاعتقال الإداري» وينتصر على سجانه حتى يبدأ زملاء آخرون له إضرابا مماثلا فطالما يقبع مئات من الأسرى خلف القضبان جراء هذا النوع التعسفي من السجن الذي يبقي السجين دون معرفة سبب اعتقاله. ويؤكد نادي الأسير الفلسطيني، أنّ الأسيرين هشام إسماعيل أبو هواش (39 عامًا) وعمر كامل الجعبري (32 عامًا) قد شرعا بالإضراب المفتوح عن الطعام منذ عدة أيام ليرتفع عدد الأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام إلى 12 أسيرا. ويوضح نادي الأسير أنّ أقدمهم الأسير سالم زيدات من بني نعيم/ الخليل، الذي يواصل إضرابه لليوم الـ45 على التوالي، إضافة إلى الأسرى: مجاهد حامد من سلواد /رام الله، المضرب منذ 41 يومًا، وكايد الفسفوس من دورا/ الخليل منذ 42 يومًا، ورأفت الدراويش من دورا/ الخليل منذ 41 يومًا، ومقداد القواسمة من الخليل منذ 33 يومًا، ويوسف العامر من مخيم جنين منذ 27 يومًا، وأحمد حمامره من بيت لحم منذ 26 يومًا، وأكرم الفسفوس من دورا/ الخليل منذ 19 يومًا، وعلاء الأعرج من طولكرم منذ 17 يومًا.

ويلفت نادي الأسير إلى أنّ إدارة سجون الاحتلال تواصل عرقلتها لزيارات الأسرى لا سيما المحتجزين في سجن «عيادة الرملة» وهم سالم زيدات، ومجاهد حامد، ورأفت الدراويش، إلى جانب استمرارها بإجراءاتها التنكيلية الممنهجة التي فرضتها عليهم، منها: العزل الانفراديّ، وحرمانهم من أبسط حقوقهم وتجريدهم من مقتنياتهم، في محاولة مستمرة لفرض مزيد من الضغوط عليهم لثنيهم عن الاستمرار في معركتهم. ويواجه الأسرى المضربون عن الطعام أوضاعًا صحية صعبة تتفاقم مع مرور الوقت، واستمرار تعنت الاحتلال بالاستجابة لمطلبهم، وإنهاء اعتقالهم الإداريّ التعسفي. ويحمّل نادي الأسير سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياة الأسرى المضربين، ويطالب كافة الجهات الحقوقية الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة بالتدخل الحاسم والجاد حيال تصاعد هذه السياسة الهادفة إلى سلب الأسرى حياتهم، وتقويض أي حالة فاعلة على الساحة الفلسطينية.

36 أسيرًا في سجن «مجدو»

وحسب معطيات وزارة الأسرى تواصل قوات القمع التابعة لإدارة سجون الاحتلال قمع 36 أسيرًا والتنكيل بهم بعد عملية اقتحام واسعة نفذتها لقسم 7 في سجن «مجدو» واعتدت عليهم بالضرب المبرّح، ورشتهم بالغاز، ونقلتهم لاحقًا إلى العزل الانفراديّ قبل أسبوع. وتوضح الوزارة أن الجزء الأغلب جرى نقلهم إلى «المعبّار» وزنازين سجن «مجدو» فيما بقي عدد آخر لم تعرف حتى الآن الجهة التي تم نقلهم إليها. وتحمّل الوزارة إدارة سجون الاحتلال كامل المسؤولية عن حياة ومصير الأسرى، لاسيما في ظل عمليات التصعيد الممنهجة لعمليات الاقتحام والقمع، مشيرة إلى أن وتيرة الاقتحامات مؤخرًا تتخذ مستوى العنف الذي مارسته قوات القمع بحقّ الأسرى منذ عام 2019 والتي تعتبر الأعنف منذ أكثر من عشر سنوات، لاسيما بتعمد إدخال وحدات «المتسادا» المدججة بالسلاح إلى غرف الأسرى، وتدمير وتخريب مقتنيات الأسرى. يُشار إلى أن عمليات القمع والاقتحامات تُشكل أبرز السياسات التي تنتهجها إدارة سجون الاحتلال بحقّ الأسرى، لفرض المزيد من السيطرة والرقابة علــــــيهم، وسلب أي حالة استقرار.

حسين مسالمة في
وضع صحي حرج جدًا

ومن تجليات عذابات الأسرى تعرض هؤلاء للمرض وتحكم السجان بحبة الدواء واكتفائه أحيانا بالمسكنات وبعد تأخير مريع خضع الأسير محمد عادل داود لعملية جراحية في الأمعاء، وذلك بعد نقله إلى مستشفى «العفولة» الإسرائيلي بشكل طارئ قبل أيام. وأوضح نادي الأسير أن الأسير داود معتقل منذ 34 عاماً، ومحكوم بالسّجن المؤبد، ويعاني منذ عدة سنوات من تدهور مستمر في وضعه الصحيّ، والذي كان نتاجاً لظروف الاعتقال الطويلة والقاسية، عدا عن سياسة الإهمال الطبي التي تطال كافة الأسرى المرضى. ويلفت إلى أن إدارة سجون الاحتلال كانت قد نقلت مؤخراً الأسير داود إلى المستشفى عدة مرات، وذلك بعد ضغوط ومطالبات متكررة من رفاقه الأسرى، الذين واجهوا مماطلة واضحة في تقديم العلاج له. ويشير إلى أن الأسير داود فقد معظم أسنانه، ويعتمد منذ سنوات على تناول الشوربات والسوائل، كما أنّه أصيب بالصدفية، وأصيب لاحقاً بمشاكل مزمنة في المعدة، وتم إجراء عملية جراحية له لوضع شبكية في المعدة. يذكر أن الأسير داود (58 عاماً) من قلقيلية، وهو أحد الأسرى القدامى المعتقلين منذ ما قبل توقيع اتفاقية أوسلو وعددهم 25 أسيراً، وخلال سنوات اعتقاله فقدَ والديه، وحُرم غالبية أشقائه من زيارته لسنوات لذرائع أمنية.

محنة الأسرى المحررين

ولا تأبه سلطات الاحتلال بالحالة الصحية للأسرى وبأمراضهم. ويوضح نادي الأسير الفلسطيني إن الأسرى المحررين أيضا يكابدون الملاحقات وكذلك أمراضا مردها السجن الوحشي لمدة طويلة. من هؤلاء الأسير السابق المصاب بسرطان الدم حسين مسالمة من بيت لحم، قد وصل إلى مرحلة حرجة جدًا حيث يمكث منذ الإفراج عنه من سجون الاحتلال الإسرائيلي في شهر شباط/ فبراير 2021 في مستشفى «هداسا» الإسرائيلي. ووفقًا لعائلته، فإنّ الأطباء أكدوا أنّ محاولتهم لعلاجه قد وصلت إلى المراحل الأخيرة، حيث تم مضاعفة جرعة العلاج الكيميائي له منذ عدة أيام. وأكد نادي الأسير، أنّ الاحتلال هو المسؤول عما وصل إليه الأسير مسالمة، حيث نفّذ بحقه جريمة الإهمال الطبي، التي طالت وما زالت تطال المئات من الأسرى في سجون الاحتلال. وأضاف أنّ المعطيات الراهنة بشأن الأسرى المرضى في سجون الاحتلال خطيرة، مع تسجيل حالات جديدة بإصابتها بأوارم بدرجات مختلفة، لا سيما بين الأسرى الذين أمضوا أكثر من 20 عامًا. ويحمّل نادي الأسير الاحتلال كامل المسؤولية عما سيؤول إليه مصير مسالمة وكافة الأسرى في سجون الاحتلال. يُشار إلى أن مسالمة واجه منذ نهاية العام الماضي، تدهورًا على وضعه الصحي، وعانى من أوجاع استمرت لأكثر من شهرين خلالها ماطلت إدارة سجون الاحتلال في نقله إلى المستشفى، ونفّذت بحقه سياسة الإهمال الطبي الممنهجة «القتل البطيء» حيث كان يقبع في حينه في سجن «النقب الصحراوي» إلى أن وصل لمرحلة صحية صعبة، ونُقل إلى المستشفى ليتبين لاحقًا أنه مصاب بسرطان الدم «اللوكيميا» وان المرض في مرحلة متقدمة. يذكر أن الأسير مسالمة اُعتقل عام 2002 وصدر بحقه حُكمًا بالسّجن لمدة 20 عامًا، أمضى منها نحو 19 عامًا.

والدة الأسير حمامرة

وبطبيعة الحال يسدّد ذوو الأسرى أثمانا باهظة بحالتهم الصحية والنفسية أيضا وتوصل والدة الأسير أحمد حمامرة من بيت لحم، المضرب عن الطعام رفضا لاعتقاله الإداري لليوم 21 على التوالي إضرابها عن الطعام منذ عدة أيام إسنادا لنجلها. وطالب رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية، الأربعاء، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالتدخل لدى إسرائيل للإفراج عن قدامى الأسرى في سجونها. جاء ذلك خلال لقائه رئيسة بعثة الصليب الأحمر في القدس إليس دوبوف، داخل مكتبه في مدينة رام الله، وفق بيان صادر عن رئاسة الوزراء. ويدعو اشتية «الصليب الأحمر» للتدخل من أجل الإفراج عن الأسرى القدامى في سجون الاحتلال، والذين كان من المفترض أن يفرج عنهم ضمن الدفعة الرابعة، وفق الاتفاق الذي تراجعت عنه إسرائيل في 2014. كما يؤكد ضرورة أن يتابع الصليب الأحمر الزيادة المطردة في الاعتقالات التي تنفذها قوات الاحتلال في مختلف محافظات الضفة الغربية، وكذلك ظروف الاعتقال وأحوال الأسرى المضربين عن الطعام، وفق البيان. ووفق نادي الأسير الفلسطيني تعتقل إسرائيل 25 فلسطينيا منذ ما قبل توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 وهو العام الذي أعلن فيه قيام السلطة الفلسطينية، أقدمهم الأسيران كريم يونس، وماهر يونس من قرية عارة داخل أراضي 48 المعتقلان بشكل متواصل منذ عام 1983. وفي 2013 وافقت إسرائيل مع استئناف المفاوضات، على الإفراج عن قدامى الأسرى الفلسطينيين وعددهم 104 على 4 دفعات، لكنها تراجعت في 2014 عن إطلاق الدفعة الرابعة والأخيرة، ومن حينها تعطلت المفاوضات ولم تستأنف حتى اليوم. وتعتقل إسرائيل في سجونها نحو 4850 أسيرا، بينهم 41 أسيرة، و225 طفلا، و540 معتقلا إداريا، وفق مؤسسات متخصصة في شؤون الأسرى.

حماس: الاعتقال الإداري تجاوز للقوانين الدولية

وتعتبر حركة «حماس» الاعتقال الإداري الذي تمارسه إسرائيل بحق المعتقلين الفلسطينيين في سجونها «تجاوزا» للقوانين الدولية. ويوضح عضو المكتب السياسي لحماس خليل الحية خلال لقاء نظمته الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان (حكومية) في مدينة غزة، لمناقشة أوضاع المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية أن إسرائيل تلتف بواسطة الاعتقال الإداري على المواثيق العالمية الخاصة بحقوق الأسرى. وأضاف أن «شعبنا ومقاومته خلف الأسرى في سجون الاحتلال، خاصة الذين يعانون من الاعتقال الإداري». وأوضح أن بعض أبناء الشعب الفلسطيني قضوا فترات تصل لأكثر من 15 عامًا سواء متصلة أو منفصلة بموجب هذا الاعتقال بشكل مخالف لكل القوانين الدولية.

إضراب جماعي

وذكر أن «مرحلة إضراب الأسرى الإداريين عن الطعام خطوة جريئة وقوية يساندها شعبنا جميعا» ويدعو الحية، ما سماها «المؤسسات الداعمة للحق الفلسطيني» إلى «تسليط الضوء على البعد القانوني فيما يتعلق بجرائم الاحتلال في فلسطين، ورفعها أمام العالم، وكشف اللثام عن وجهه وفضح ممارساته». مذكّرا بأن الاعتقال الإداري، قرار حبس من دون محاكمة تقره المخابرات الإسرائيلية، بالتنسيق مع القائد العسكري في الضفة الغربية المحتلة، لمدة بين شهر و6 أشهر، ويتم إقراره بناء على «معلومات سرية أمنية» بحق المعتقل. وكشف نادي الأسير عن «مشاورات واسعة» بين الأسرى الإداريين «لبلورة خطة نضالية لمواجهة سياسة الاعتقال الإداري». ورجح النادي أن تصل الخطوة إلى إضراب جماعي خلال الفترة المقبلة، إضافة مقاطعة المحاكم العسكرية الإسرائيلية التي يحاكمون أمامها. ووفق نادي الأسير، كانت آخر مواجهة جماعية بالإضراب عن الطعام للأسرى الإداريين عام 2014 واستمرت 62 يومًا. وسبق أن أطلقت فصائل فلسطينية، ومؤسسات تُعنى بشؤون الأسرى، الأحد، حملة محلية ودولية للضغط على إسرائيل لإنهاء ملف «الاعتقال الإداري».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية