من بين أهم الإيجابيات التي يتميز بها المجال الإبداعي والفني، تعدد وتنوع مداخله التي تتيح إمكانية طرح المزيد من الأسئلة، وإضاءة الكثير من إشكالاتها الملتبسة. من ذلك مثلا، مدخل المكونات الفنية التي يتميز بها التراث المادي واللامادي، والمعتمدة عادة في الاحتفاء بمقومات الهوية وخصوصياتها. وهي المكونات التي تسهر ذاكرة الشعوب على رعايتها، باعتبارها أصلا ثابتا لعبقرية حضارية تستحق أن تكون موضوع مباهاة دائمة.
وفي حالة تسليمنا بهذا المعطى على المستوى النظري، فإن الأمر بالنسبة للعالم العربي الإسلامي سيأخذ منحى مضادا، حالما نضعه في سياق الاضطهاد التاريخي، الذي دأبت السلط الحاكمة على اعتماده في ترسيخ حضورها الهيمني. وهو المنحى الذي احتل حيزا بارزا في مدار الأبحاث المتخصصة، التي أكدت بالملموس، جدلية العلاقة القائمة بين الاستبداد والتخلف.
وباعتبار أن هذه القناعة تندرج ضمن المسلمات المتداولة في أدبيات العلوم الإنسانية، فإننا سنكتفي بالإشارة إلى بعض تجلياتها، التي قد تساعدنا على استدراك ما يتخللها من بياضات، حيث أننا، وضمن معادلة الاستبداد والتخلف، سنركز على ظاهرة حصر اهتمام السلطات الوصية على الفنون المتعلقة بالتراث المادي واللامادي في دائرة جد ضيقة، بالكاد تسمح بتموضعها الشكلي في الواجهة السياحية. ويكمن مصدر هذا التوجه، في هوس الأنظمة المعنية على امتداد تاريخها الطويل، بتفريغ الفضاءات والكيانات المجتمعية من كل محفزاتها الفكرية والإبداعية، والسعي بدل ذلك إلى اختزال فعالياتها، في حدود المردودية الخاصة بدواليبها.
ومن المؤكد بالنسبة لنا، أن قدرا هائلا من الإبداعات المندرجة عادة ضمن حقول التراث المادي واللامادي للشعوب العربية الإسلامية، تؤول ملكيتها الفعلية والرمزية لمكونات النظام. وهي الحقيقة التي يتحاشى الكثير من الباحثين وضعها في إطارها الطبيعي، حيث ينصرف أغلبهم إلى تمجيد الطاقات الفكرية والفنية والمهنية، المتضمنة في تضاعيف هذا الإرث، بوصفها التعبير المباشر عن مقومات العبقرية التي تتميز بها شعوبها. والحال أن الأمر يتعلق بعبودية فكرية وفنية ومهنية، تلزم ضحاياها بإنجاز مهام معينة ومحددة، لفائدة شريحة مستبدة، تمتلك ما يكفي من السلط المادية والرمزية، لاستغلال القدرات الإبداعية والمهنية التي تحظى بها نخبة موهوبة، وجد منتقاة من بين الشرائح المجتمعية، بدليل أن المنجزات المتميزة، بتعدد وتنوع مهاراتها، تظل حكرا على الفضاءات الخاصة بدواليب هذه السلطات. فيما تكتفي فضاءات العامة بسقط هذه المهارات، وبقدر جد متواضع منها. ولعل الغاية من بسط هذه التفاصيل، هي أولا:
– التأكيد على أن نسبة هائلة من التراث المادي واللامادي، تؤول ملكيتها الرسمية لدواليب النظام، ولخاصة خاصته. فيما يعود النزر الباهت والضئيل منه إلى «العامة». والمقصود بالنزر الباهت من هذا الموروث، هو التدني الملموس لمستوى جودته وأهميته، فضلا عن قابليته للتداول العام بأقل كلفة ممكنة.
وثانيا: التأكيد على عدم استناد الأرضية المعتمدة في رعاية فنون هذا الموروث، على أي رؤية ذات بعد مؤسساتي، تأخذ في اعتبارها هاجس توظيفها في النهوض بالأبعاد الثقافية والاقتصادية والحضارية، لكونها أرضية مجردة من إمكانياتها التدبيرية، مهنيا، وإعلاميا وتجاريا. وبدون أفق مستقبلي مؤطر بالحد الأدنى من العقلانية. إلى جانب كونها ذات طابع انتقائي/احتكاري، يقتصر دوره أولا وأخيرا، على تلميع صورة الإدارة الوصية، وإضفاء طابع الهيبة والعظمة على مؤسساتها.
نسبة هائلة من التراث المادي واللامادي، تؤول ملكيتها الرسمية لدواليب النظام، ولخاصة خاصته. فيما يعود النزر الباهت والضئيل منه إلى «العامة».
أما العنصر الثالث الذي يمكن استحضاره في الإطار نفسه، فهو التغييب التام للكفاءات المبدعة، التي يعود إليها الفضل في تنفيذ المشاريع المملاة عليها من فوق، سواء خلال فترة الإنجاز، أو بعدها.
فالجهاز الإداري هو وحده الحاضر في الصورة، سواء بالنسبة لعملية انتقاء المواقع، التي سيؤسس عليها مدائنه، أو بالنسبة لهندسة مرابعه، وكذلك الشأن بالنسبة لتشييد المعالم الوظيفية الدالة على جوهر «الهوية التاريخية». أيضا هو وحده من يعتبر المهندس الشرعي للحدائق، وللدهاليز التحتية. وهو من يوحى للصانع بتوظيف المواد الموثقة في سجل الزخارف والمنمنمات، ومختلف ضروب التوشية وعلوم الفسيفساء، إلى آخر القائمة التي لا نهاية لها.
وإمعانا من الجهاز ذاته في طمس توقيع المبدعين الفعليين، الذين يعتبرهم مجرد منفذين لهذه المعالم، فإن المحكيات المحتفية بقداسة أركانه تحرص على تقديمه محفوفا بكراماته وهالاته الأسطورية، حيث يكون للجن والملائكة والأحداث العجائبية، دور كبير في إبداعها، من أجل إضفاء مصداقية فوق بشرية على جماليتها. باعتبار أن البهاء الخارق الذي يجلل فضاءات الكثير من المعالم، هو من وجهة نظر السلطة، أكبر بكثير من أن يتم إسناده لصانع مجهول الهوية، ومنتم إلى شرائح مجتمعية معروفة بهشاشتها و«سوقيتها» لأن هذا الإسناد في حالة وقوعه، سيؤدي في نظر «الجهاز الوصي» إلى الحط من قيمة المنجز، وتمريغه في وحل «العامة» و«الغوغاء» وبالتالي، فإن أسماء هذه المعالم التي هي في عرف الإطار الرسمي والإداري، بمثابة الوجه المشرق للهوية وللذاكرة التاريخية، لا يمكن بحال من الأحوال أن تقترن إلا بأسماء الرموز السلطوية، المؤيدة غالبا بجنود من ملائكة الرحمن والجن.
في ظل هذه الوضعية الشاذة، تعاني المهارات اليدوية والفنية كل أصناف الاضطهاد والتهميش. فمن جهة، هي مطالبة بالبرهنة على علو كعبها في الأمر الذي هي مدعوة لتنفيذه، ثم هي من جهة أخرى، مكرهة على الاحتجاب فور أدائها لهذا الأمر، الذي غالبا ما يتم إدراجه ضمن طقوس الواجب الديني والوطني.
من هذا المنطلق اللامنطقي، سنكون ملزمين بوضع أهم المنجزات الحضارية التي تفتخر بها الذاكرة العربية الإسلامية، في عمق إطار مأساوي، تجتث فيه الممارسة الإبداعية من جذورها، وتحرم فيها الذات المبدعة، من جدوى الإعلان عن حضورها ضمن مكونات المشهد المعرفي والثقافي والمهني، كي تتحول في نهاية المطاف، إلى مجرد أداة تنفيذية لأوامر سامية، لا أكثر ولا أقل. وهي لعمري أقصى درجات الإذلال الذي يمكن إنزالها بالذات المبدعة. ذلك أن الذات حينما تحرم من حق الاحتفاء بقدراتها الفكرية والإبداعية، وحينما تجبر على الاقتناع بأن ما هي بصدد إنجازه، ستؤول ملكيته رأسا إلى الجهات العليا. وحينما تكتشف هزال ما تتقاضاه من أجر مقابل ذلك الجهد الفني الكبير، فإن اعتدادها بمواهبها وبملكاتها، لا يلبث أن يتبدد ويتبخر، ليتحول في نهاية المطاف إلى إحساس متفاقم بالاحتقار والهوان. كما تصبح نعمة الإبداع تبعا لذلك، نقمة حقيقية، بفعل إجبارها على دفع ضرائب مكلفة جسديا وروحيا، خاصة منها ضريبة معاناتها من رهاب الفشل، في تنفيذ ما هي مطالبة به من قبل الجهات العليا.
وإذا ما نحن عممنا هذه الوضعية على كل المكونات التي تتشكل بها الذاكرة العربية الإسلامية، فإننا سوف نصاب بإحباط مزمن. مرده أولا، تجذر ظاهرة الاحتواء التي دأبت السلط الحاكمة على ممارستها في حق الإبداع. وثانيا، الاستخفاف التام بحق الطاقات الإبداعية في نيلها للحد الأدنى من الاعتراف المؤسساتي والمجتمعي.
كما أننا حتما، سوف نتبين دلالة الغبن الذي يعاني منه المجال الإبداعي ككل. بوصفه ضحية قرون طويلة من الاحتقار، والتجاهل المبيت والممنهج، من قبل سلطات، دأبت على تكريس وترسيخ تقاليدها الهيمنة، التي تصبح معها المصدر الأول والأخير لكل منجز تراثي وحضاري كبير.
٭ شاعر وكاتب مغربي