محور الخير ضد شر الاحتلال

حجم الخط
0

محور الخير ضد شر الاحتلال

كمال مجيدمحور الخير ضد شر الاحتلال منذ سنة 1996، أي قبل انتخاب جورج بوش الابن كرئيس للجمهورية الامريكية، أخذ المحافظون الجدد يتحضرون لنشر سلطانهم علي العالم، فألف منظرهم مايكل ليدين كتاباً تحت عنوان The National Insecurity طالب فيه بتنفيذ الديمقراطية في كل من العراق وايران وسورية بالقوة وعن طريق شن حرب شاملة . في حين كتب آدم مورسورو يقول: ان تفادي قتل المدنيين يجب أن لا يكون من أوليات الحرب الشاملة، فهدف الحرب هو فرض ارادتنا ورغبتنا بالقوة وبشكل دائم علي الشعب المقهور فبلورة سياسة المحافظين الجدد قد تمت قبل أحداث نيويورك في 11/9/2001. ولتنفيذ هذه السياسة استخدم هؤلاء السادة كافة الطرق المتوفرة: العسكرية عن طريق ابقاء جيوشهم وبوارجهم الحربية في منطقة الخليج، والاقتصادية، عن طريق فرض الحصار، والاعلامية بما في ذلك الكذب بمختلف انواعه كالقضاء علي اسلحة الدمار الشامل ومنع انتشار الارهاب من افغانستان عبر العراق الي أنحاء العالم، بل، وهذا هو المهم، نشر الديمقراطية بالقوة كما اقترحه مايكل ليدن.ولفرض هذه الديمقراطية الدموية لم تتردد الحكومات الغازية في استخدام كافة الاسلحة الشريرة لتحطيم الدولة العراقية وتدمير البنية التحتية، بما في ذلك تدمير محطات الكهرباء والمعامل ومجاري المياه القذرة وسرقة محتويات المتاحف والمكتبات. وتحطيم المدارس والمستشفيات، وحل الجيش والشرطة وطرد الموظفين بالجملة، بحجة اجتثاث البعث وسوق الالوف الي السجون والمعتقلات وحجزهم دون محاكمة، وفي آخر تصريح لوزيرة حقوق الانسان، نيرمين عثمان، أكدت علي بلوغ عدد المعتقلين ثلاثة وثلاثين الفاً، وذلك لغاية شباط (فبراير) 2006. فشلت هذه الطرق الديمقراطية في فرض الاحتلال علي الشعب العراقي بل فضحت شره وأدت الي اجبار المدنيين علي رفع السلاح للدفاع عن انفسهم وحماية اطفالهم ونسائهم من الموت واموالهم من السرقات التي انتشرت في طول البلاد وعرضها. وبدل الاعتراف بهذا الفشل قامت جيوش الاحتلال بقصف المدن وذلك من تلعفر في أقصي الشمال، عبر تكريت والسامراء وبيجي ومدينة الصدر والفلوجة والقائم والرمادي الي النجف والكوت والدخول في حرب جبهوية وبالسلاح الابيض في العمارة وصفها رئيس أركان الجيش البريطاني السابق، علي التلفزيون البريطاني، القناة الثالثة، بأنها كانت مشابهة للمعارك التي جرت في الحرب الكورية . فتراوح عدد القتلي المدنيين بين 35 الفاً وربع مليون حيث بقيت جثث العديد منهم تتعفن في اماكن مجهولة او تحت انقاض المباني المهدمة في الفلوجة وتلعفر والكوفة وغيرها، بينما انتشرت المقابر الجماعية في بهرز وبعقوبة والمدائن وغيرها. أما خسائر الجيش الامريكي فقد بلغ عدد القتلي اكثر من 2300 عسكرياً وعدد الجرحي المعوقين بصورة جدية اكثر من 16000 في حين بلغت المصروفات الامريكية المعلنة رسمياً أكثر من 206 مليارات دولار. أما تعذيب السجناء والاعتداء علي أعراضهم باستخدام الكلاب المدربة، التي نقلها الجيش من امريكا، وبعلم قادته، الي ابو غريب، فقد تم نشر تفاصيله علي شاشة التلفزيون من قبل السلطات الامريكية نفسها وتمت مناقشة حذافيره مع وزير الدفاع رامسفيلد في مجلس الشيوخ. وبالرغم من كل هذا ما زال سيدنا رامسفيلد طليق اليدين يقود جيشه لنشر المزيد من الديمقراطية (للتفاصيل: راجع النداء المؤرخ 7/12/2005 الذي وجهه الوزير البريطاني السابق توني بين والمستشار القانوني مايكل مانسفيلد والشاعر هارولد بينتر، الحائز علي جائزة نوبل، وهيفاء زنكنة، رئيسة الهيئة العراقية للاعلام والثقافة الوطنية مع عوائل الجنود البريطانيين الذين قتلوا في العراق الي هيئة الامم المتحدة والي المدعي العام البريطاني للتحقيق).وبعد فشل امريكا الذريع في حملتها غير الشرعية التجأ بوش الي خدع الشعب الامريكي بالادعاء بأنه هاجم العراق لنقل ساحة المعركة ضد الارهاب اليه وابعادها عن الولايات المتحدة وانقاذ شعبها من تقديم المزيد من التضحيات وان العراق بل العالم اصبحا في أمان بعد ازاحة صدام حسين عن الحكم ، في حين أكد استفتاء نظمته بي بي سي (الاذاعة العالمية التابعة لوزارة الخارجية البريطانية) في اكثر من 30 بلداً في العالم، علي أن الحرب في العراق جعلت الدنيا أقل أماناً عما سبق فلم يبق لبوش حجة الا الالتماس بالله والادعاء بأنه احتل العراق وافغانستان بأمر من الله . تبعه في ذلك رئيس وزراء بريطانيا توني بلير حين صرح امام عدسة التلفزيون في مقابلة له مع مايكل باركينسون بأنه قرر الدخول في الحرب ضد العراق بعد الاعتماد علي الله وايمانه العميق بالمسيحية . هكذا اراد بوش وبلير أن يؤكدا علي أن الله هو الذي يخطط حربهما الصليبية ضد الشعوب الصغيرة. كل هذا دفع الشعب الامريكي الي سحب ثقته من بوش فانهارت شعبيته الي مستوي أوطأ من الرئيس المطرود ريتشارد نيكسون. ثم ظهرت بوادر الانشقاق داخل الادارة الامريكية نفسها حين اضطر بوش للتخلص من فطاحل المحافظين الجدد، فتم فصل مدير المخابرات المركزية سي آي أي ثم نقل كبار الصقور من المحلات الحساسة فانتقل الصهيوني ولفوفيتز الي البنك الدولي وبولتن الي هيئة الامم المتحدة وتم سحب السفير المختص في تشكيل وقيادة فرق الموت، نيغروبونتي، من بغداد. والأتعس من هذا هو ابتعاد كبار المحافظين الجدد عن الرئيس بوش الذين أخذوا ينتقدونه تحريرياً. فكتب البروفسور فرانسيس فوكوياما، المعروف بالحاحه المزمن علي الهجوم علي العراق، يقول متهكماً: بهجومها علي العراق حققت ادارة بوش نبوءة توقعتها ذاتياً: لقد حل العراق محل افغانستان كبؤرة لجذب المجاهدين ومركز تدريبهم وكقاعدة لعملياتهم مع وجود الكثير من الاهداف الامريكية لضربها . أما المتعطش الرئيسي للحرب بين كافة الصقور الجمهوريين، ريتشارد بيرل، الملقب بـأمير الظلام والذي كان كبير المستشارين في البيت الابيض اثناء العدوان وبعده فكتب منتقداً الادارة الامريكية بالقول: لقد تمت مناقشة الحملة العسكرية وعواقبها السياسية بكل حماس داخل ادارة بوش. انها قررت الحرب بصورة صحيحة وأخطأت في تقدير عواقبها. كان علينا أن نفهم بأننا كنا بحاجة الي شركاء عراقيين . أي انه اعترف الآن بخيبة امله بالشركاء العراقيين الذين رافقوا الجيش الامريكي المهاجم واشتركوا في مجلس الحكم فيما بعد. لقد اتسع عدد المنتقدين المقربين لبوش ليشمل الجنرال جي غارنر وويليم باكلي واندرو سوليفان وجورج ويل، بل وحتي الحاكم الامريكي بول بريمر ونائبه البريطاني غرينستوك. وهذا الاخير قرر تأليف كتاب لنقد بعض الاخطاء ولخطورته قررت الحكومة البريطانية منع نشره بحجة احتوائه علي اسرار الدولة.لقد اتضح الافلاس الكلي للسياسة الامريكية في الساحة العراقية نفسها: لقد قرر المحتلون اولاً تقسيم الشعب العراقي الي السنة والشيعة والاكراد واخذوا يؤكدون علي الاكثرية الشيعية و المثلث السني الذي ينتشر فيه العصيان ضد الديمقراطية والاستقرار وأخذوا يقصفون مدنه دون رحمة. ثم شكلوا مجلس الحكم علي اساس طائفي واعطوا امتيازات خاصة للمتطرفين من امثال ابراهيم الجعفري وموفق الربيعي الذين وقعوا بيان الشيعة حتي قبل الهجوم علي العراق. لقد كان الغرض الامريكي واضحاً لدي الشعب خاصة حين انتفض أنصار المناضل الشاب مقتدي الصدر في عموم وسط العراق وجنوبه وتمكنوا من تعليم المحتلين درساً قاسياً في مدينة الصدر والكوت والعمارة والبصرة والنجف والكوفة.ومع ازدياد زخم المقاومة وانتشار ساحتها التجأ المحتلون الي استخدام حيلة الانتخابات واختاروا حتي مواعيدها واستخدموا الطريقة الامريكية في تنفيذها عن طريق اعلان الاحكام العرفية وحالة الطوائ ومنع التجول وغلق الحدود ومنع استخدام السيارات ومنع التنقل بين المدن، واختاروا عناوين سرية للمراكز الانتخابية ونشروا جيوشهم في الشوارع لخلق جو من الرعب في نفوس الناخبين مما منع الملايين من المشاركة في التصويت بل قرروا مقاطعة العملية كلها والطعن في شرعيتها التي جرت تحت ظل الاحتلال. الا أن التمثيليات الديمقراطية فشلت في قمع الثورة الشعبية التي اتسعت ساحتها ونفوذها الشعبي بالرغم من الحاح المحتلين علي أن العصاة هم اجانب ومن اعوان ابي مصعب الزرقاوي . والاتعس من هذا هو انتشار الاغتيالات وخطف الالوف من الشوارع، تلك الظاهرة الخطيرة التي لم يكن لها وجود في العراق منذ أيام هولاكو! في حين اتسع الفساد الحكومي والسرقات وخاصة سرقة السيارات التي تم نقلها الي السليمانية ومنها الي ايران، بينما استمر انقطاع الكهرباء والماء وأخذ العراق يستورد البترول من الكويت بعد ان تمكنت المقاومة من ضرب واحراق المنشآت النفطية وانابيبها، وانتشرت البطالة وانعدم الامان وكثر الهجوم علي المحلات العامة بل علي محلات العبادة كالكنائس والجوامع والحسينيات، وفي خضم المعارك الدموية اليومية اضطرت مئات الالوف من العوائل الي الهجرة الي الخارج للتخلص من الجحيم الديمقراطي.اما في المنطقة الكردية فلقد ادرك الشعب اكاذيب الحزبين الكرديين (اوك وحدك) اللذين شاركا العدو الامريكي في احتلال بلدهم. لقد شاهدوا انتشار الفساد والمحسوبية وسرقة الاملاك والاراضي الاميرية من اصحابها وتوزيعها علي قادة الحزبين واقربائهم. وانعدمت الزراعة واخذت المنطقة تستورد حتي البصل والجزر من ايران، وبعد مرور ثلاث سنوات علي الاحتلال أدرك الشعب الكردي، وخاصة اكراد كركوك، بأن المستعمرين واعوانهم في الحزبين لم يفيدوهم قيد شعرة بل أصبحوا معرضين للقتل والاختطاف، في حين انقطع عنهم الماء النقي والكهرباء والبترول، بينما تحولت كركوك الي قنبلة موقوتة تتوقع الانفجار العرقي لحظة ضمها الي امبراطورية الحزبين الشوفينيين. وفي خضم الاصطدامات الدموية اليومية في مدينتي المنكوبة خرج المتظاهرون في السليمانية وكلار ضد انقطاع التيار الكهربائي في حين هاجم المتظاهرون في عقرة ورحيم آوا، في كركوك، واشعلوا النيران في محطات الوقود ، فجابهتهم شرطة الحزبين وقتلت منهم ثلاثة. لقد تم اكتشاف زيف الالاعيب الديمقراطية التي افقدت الشعب الكردي الامان والاستقرار فقررت غالبيتهم نبذها. ففي تقرير لمراسل الـ بي بي سي من اربيل أكد جيم ميور علي انخفاض عدد المشاركين في التصويت علي الدستور الي 45% في حين يؤكد الشهود الذين كانوا في السليمانية اثناء الاستفتاء علي أن التصويت اقتصر علي اعضاء الحزبين وموظفي الدوائر الحكومية . أما تزييف الانتخابات فحدث ولا حرج، فهناك بين الاكراد من صوت اكثر من مرة، بينهم من صوت في كركوك في الصباح الباكر ثم انتقل الي اربيل او السليمانية ليصوت من جديد. لقد صدق الدكتور رحيم عجينة (راجع كتابه، الاختيار المتجدد، دار الكنوز، الصفحة 275) الذي سجل خبرته حين أشرف علي الانتخابات الكردية الاولي، سنة 1992 بالقول: والناس يتحدثون عن التزوير كتسلية، ونري منهم من يقول ضاحكاً ومتبجحاً انه صوت 8 مرات، وآخر 10 مرات… .. فلاعضاء الحزبين خبرة طويلة في التصويت المتكرر! نعم ان الاخبار التي تصلني من كركوك والسليمانية تؤكد علي أن الشعب الكردي سحب ثقته من هذين الحزبين.ان الوضع المزري في العراق جاء كنتيجة حتمية للاحتلال، فبعد القضاء علي الدولة فشل المستعمرون حتي في تشكيل حكومة قادرة علي الخروج من المنطقة الخضراء، بل ليست هناك حكومة حقيقية. فبعد هدم ضريح الائمة في السامراء انتشرت جرائم القتل وحرق المساجد ولم تجرؤ حكومة الجعفري علي القيام بشيء سوي اعلان الحداد لثلاثة أيام ولكنها فشلت حتي في جمع جثث الموتي من الارصفة والأزقات. ففي تقرير للتلفزيون البريطاني، بي بي سي ، استطرد المراسل من بغداد يقول: وفي منطقة نهروان تمكنت الشرطة العراقية من جمع 18 جثة فقط وذلك لخوف افراد الشرطة من تفتيش المنطقة كلها للعثور علي اعداد اخري من الجثث المتناثرة في كل مكان . أما السفيرالامريكي خليل زاد، الذي يتهم وزارة الداخلية بالتطرف الطائفي، فهدد يقول: ان الحكومة الامريكية ستلجأ الي قطع المساعدات المالية عن العراق في حالة اختيار الطائفيين للوزارات الحساسة. أي أن الامريكان أخذوا ينكرون دورهم في نشر الطائفية في البلاد، في حين بعث جلال الطالباني مندوبه، برهم صالح، لزيارة السيستاني لاخباره عن رفض الحزبين الكرديين بقبول الجعفري رئيساً للوزارة الجديدة التي قد تتشكل بعد الانتخابات المنسية، تلك التي فشلت في وضع حد لانتشار القتل والخطف والسرقات، ناهيك عن هدم اماكن العبادة. كل هذا أجبر الائتلاف الجعفري ـ الصدري علي التهديد التحريري بالمقاومة المسلحة للاحتلال وذلك طبقاً للدياليكتيك الذي يؤكد علي تطور الاشياء وتحولها الي نقيضها. هكذا انشقت جبهة العدو وهكذا تم الاثبات علي امكانية توسيع نطاق المقاومة عن طريق انسحاب قوي كبيرة، كحزب الدعوة، من جبهة المستعمرين وانضمامها الي جبهة الشعب التواق للتحرر. والأهم من كل هذا هو ضرورة تحلي المقاومة الوطنية بالمرونة القصوي والقبول بترك الاحقاد العميقة التي غرزها المحتلون في نفوس شعبنا المظلوم ووضع حد للحرب الاهلية ومنع انتشارها، فالتطورات الاخيرة تشير بوضوح الي أن الحكومة الامريكية تعمل بجد لتحويل الفتنة الطائفية الي حرب شاملة ولهذا اعلن رامسفيلد أن الجيش الامريكي سوف لا يتدخل كطرف في الحرب الاهلية أي أن امريكا تعمل علي انقاذ نفسها من الازمة، التي خلقتها، عن طريق اضعاف الشعب العراقي باشغاله في حرب طاحنة تستمر الي أن يستطيع جيشها السيطرة علي البلاد. فالعمل علي توحيد الجهود مع كافة قوي شعبنا وتجريد العدو المحتل من انصاره بكل الطرق المتوفرة ضرورة وطنية آنية لا مفر منها. وهنا من الضروري عدم نسيان خطة المحافظين الجدد التي اقترحها مايكل ليدين سنة 1996 (راجع مقدمة هذه المقالة) لنشر الديمقراطية بالحرب الشاملة علي العراق وايران وسورية . فشعبنا المنكوب بحاجة قصوي لا لتوحيد كافة الخيرين ضد المستعمرين الانغلو ـ أمريكان بل للتحالف مع الشعبين الايراني والسوري المهددين في كل يوم من قبل نفس العدو الذي حطم العراق وقتل شعبه وبني فيه القواعد العسكرية العملاقة لاستخدامها في الهجوم علي الجارتين الشقيقتين. فإلي وحدة الجهود ونسيان الخلافات العميقة وتشكيل محور خير واسع لتطهير المنطقة كلها من شر العدو المصاب بالانتكاسة القاتلة.ہ عضو المجلس الاداري للهيئةالعراقية للاعلام والثقافة الوطنية8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية