“محور حفتر” يضغط في سباق مع الوقت قبل مؤتمر برلين!

رلى موفّق
حجم الخط
0

دخلت الأطراف الدولية المتصارعة على المسرح الليبي في سباق مع الوقت لتحسين أوراقها ومواقع نفوذها، عشية الإعداد لمؤتمر برلين المتوقع انعقاده الشهر المقبل، والذي يتم الرهان عليه لإعادة إحياء العملية السياسية لحل النزاع.

لا شك أن المشهد الليبي بات أكثر تعقيداً بعد توقيع حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج اتفاقيتي “التعاون الأمني والعسكري وتحديد مناطق الصلاحية البحرية” مع تركيا، التي تعمل على مدّ حكومة السراج بالسلاح في الحرب الدائرة مع “الجيش الوطني” بقيادة المشير خليفة حفتر، الرجل القوي شرق ليبيا، والمدعوم إقليمياً من الإمارات ومصر.

صراع النفوذ بين حكومة الوفاق وقوات حفتر أضحى اليوم في مرحلة دقيقة وربما حاسمة، وسيلقي بظلاله على مستقبل ليبيا ووحدتها واستقرارها. يكفي أن يطلب السراج من خمس دول أسماها بـ”الصديقة” وهي أمريكا، بريطانيا، إيطاليا، الجزائر وتركيا المساعدة على صدّ الهجوم العسكري لـ”الجيش الوطني” على العاصمة طرابلس لتبيان عمق المأزق. فتشريع دخول تركيا على خط النزاع لا يلقى ترحيباً ودعماً من الدول التي يعتبر السراج أنها تدعم حكومته المعترف بها دولياً. وقد دعت إيطاليا – التي تربطها مصالح نفطية بليبيا – السراج إلى تجميد اتفاقيتي التعاون مع أنقرة، وحضَّته على عدم طلب التدخل العسكري التركي المباشر، الذي يُشكِّل مصدر قلق مشترك بين روما وباريس وبرلين، رغم اختلاف المواقف بينها حيال الأزمة.

الضغط العسكري المتنامي على طرابلس، المخالف لـ”اتفاق الصخيرات” الذي أرسى أسس الحل السياسي للصراع، في ظل إقرار الجميع بأن لا حلول عسكرية، مردَّه إلى أن الدول الداعمة لحفتر، لديها اقتناع تام بأن حكومة الوفاق والتنظيمات الإسلامية المسيطرة عليها والداعمين الإقليميين لها، لن تُسلّم ورقة الحكومة كونها ورقة القوَّة الوحيدة بيدها، وبالتالي لن ينجح مؤتمر برلين في دفع الأطراف إلى تنفيذ “اتفاق الصخيرات” الذي أقرّ بتوحيد الجيش الليبي وحل الميليشيات والقيام بانتخابات برلمانية ورئاسية، وهو الأمر الذي يتطلب تنحي حكومة الوفاق.

ويرى متابعون لموقف القوى الداعمة لحفتر، أن إقفال الباب أمام سلوك خريطة الطريق سياسياً لا يُبقي سوى الخيار العسكري لإسقاط حكومة السراج التي تأخذ من العاصمة مقراً لها. هؤلاء، وفي مقدمتهم الإمارات ومصر، ومن خلفهما موسكو التي زوَّدت “الجيش الوطني” بشحنات من الأسلحة الروسية مدفوعة الثمن، يعتبرون أن العسكر وحده هو القادر على ضمان الاستقرار في ليبيا وحماية وحدتها، والتخلص من الميليشيات المتطرّفة التي حوَّلت مناطق سيطرتها مقراً لعناصر تنظيم “الدولة الإسلامية”. وأن سنوات عدّة مرّت على “اتفاق الصخيرات” (2015) من دون تنفيذ بنوده، ما أدى إلى هشاشة الواقع الليبي بشكل أكبر، كما أن عدداً من الأعضاء استقال من المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، ما أفقده ثقله والغطاء السياسي الداخلي للمكونات الليبية.

لكن الموقف الإماراتي ومعه المصري ينطلق أيضاً من حقيقة أن الحل السياسي في ظل وجود قوي للتنظيمات الإسلامية سيكسبها حصة وحضوراً في المعادلة الليبية، في وقت يرفع البلدان حربهما الضروس ضد الإسلام السياسي وكل ما يمدّ الصلة إلى تنظيم “الإخوان المسلمين” والجماعات المكملة له.

فتركيا رجب طيب اردوغان تخوض معركتها في ليبيا، متكئة على جماعة “الإخوان” والتنظيمات المماثلة، انطلاقاً من مفاهيمها العقائدية، وذلك في إطار سياسة التوسّع في المنطقة، وطموحاتها النفطية، وحفظ موقع لها في الكعكة الاقتصادية في المنطقة. وفي رأي متابعين أن السراج ذهب بعيداً حين أعطى أنقرة حصة النصف في التنقيب عن النفط الليبي في مقابل الدعم العسكري له، مُفرِّطاً بثروة الأجيال الليبية المقبلة، في وقت أن هذه الاتفاقات تحتاج إلى موافقة البرلمان الليبي، الذي جرى الالتفاف عليه بمحضها صفة “مذكرتي تفاهم” لتجنب مرورها على مجلس النواب.

غير أن توقع نهائيات قريبة للصراع الليبي يبدو صعباً، وإن كان بعض المراقبين يرون في تضارب المصالح الدولية “فرصة ما” للنفاذ لعودة الاعتبار إلى الحل السياسي وتفادي مسار دموي جديد. وتتركز الأنظار على روسيا وكيفية تعاملها مع تركيا في هذا الملف، باعتبار أن ثمَّة تباعداً في أجندة كل منهما المرتبطة بنفوذهما في حوض البحر المتوسط. هذا في وقت تتوافق سياسة حفتر في محاربة التنظيمات الإرهابية مع الاستراتيجية الروسية، وتساند موسكو “الجيش الوطني” بوصفه امتداداً للمنظومة العسكرية العائدة لزمن معمر القذافي الذي كانت تدعمه.

وما يزيد من الإرباك في المسألة الليبية عدم وضوح الموقف الأمريكي والاتجاهات التي يمكن أن يسلكها في نهاية الأمر، لكنه موقف سيضع في الاعتبار المخاوف من حجم تمدّد التنظيمات الإرهابية من جهة، ومستلزمات لجم الدول المنخرطة لمنعها من تكريس واقع جديد لنفوذها.

الأكيد أن ما تشهده طرابلس راهناً بعد إعلان حفتر “ساعة الصفر” لاقتحام العاصمة سيرسم معالم المرحلة المقبلة ومواقع نفوذ اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين. ليس هناك رهان حقيقي على إمكانية سقوط طرابلس الغرب، لكن الجولة الجديدة من الحرب ستُحدِّد مدى ربح وخسارة كل فريق بالنقاط.

الموقف الإماراتي ينطلق من حقيقة أن الحل السياسي في ظل وجود التنظيمات الإسلامية سيكسبها حصة في المعادلة الليبية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية