في الجزء الأخير من بحثها تواصل الأكاديمية السويسرية كريستين بيرينولي، رسما منهجيا لحالة المحو الفلسطيني، التي تمارسها إسرائيل، خيالاً وأسطورة وممارسة اجتماعية وسياسية، مدعومة بمؤسسة وعقلية عسكرية ترسم وجودها على تاريخ وحياة الآخر..
شجرة مقابل شجرة
بموازاة تدمير المئات من القرى، يبدو اقتلاع الأشجار عبثيا وغير ذي أهمية. بيد أن هذه المسالة تبدو أساسية لسببين، ثمة من جهة التشجير واقتلاع الأشجار والغرس والقلع، وهما عملان فعالان في سياق التأثير في المجال وتغييره بطريقة دائمة. يتعلق الأمر بوسائل للامتلاك وفرض الهيمنة. ومن جهة أخرى تمثل الشجرة رمزًا لتجذر شعب داخل أرضه. وفي هذه الحالة التي تشغلنا تكون الشجرة في الآن نفسه سندًا ودعمًا للذاكرة الوطنية ودليل ملكية في أرض متنازع عليها. عند الفلسطينيين عدد من الأغاني الشعبية تحتفي بشجر الزيتون والبرتقال والأشجار التي تتسم بالقداسة، يجري وصلها غالبا بالقبور. ومنذ أن وجدوا أنفسهم في صراع مع الصهاينة أصبحت الشجرة رمزًا مهمًا للمقاومة: الزيتون أو الصبار أو أي شجرة قديمة لها القوة والقدرة على تعيين أماكن ومواقع ومن ثم إعادة الحياة إلى أرض فلسطينية دفنت تحت المشهد الإسرائيلي. وبالنسبة للصهاينة، فإن للشجرة معنى آخر. من جهة أولى، وتتمثل في النجاح في غرس الجذور في الوطن القديم فإن الصهيونية تضمن استمرارية بين الماضي الموصوف من لدن التوراة، والحاضر، وتتيح من جهة أخرى محو أي علامة على التاريخ الفلسطيني من الأرض، الذي من شانه أن يهدد مشروع تحولها إلى تراب وطني عبري. اقتلاع شجرة الآخر بغية غرس شجرته، يبدو فعلًا مشحونًا بدلالة قوية. ويبدو من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الرمز ذاته قد تحول بطريقة مختلفة إلى إحالة محورية على هوية وذاكرة الشعبين. ومن بين هذه الأشجار، نلفي ثلاثا ذات دلالة قوية. استخدمت شجرة الصبار من لدن الفلسطينيين بغية تعيين حدود بعض القطع الأرضيّة والقرى والبلدات.
ولأنه من الصعب بمكان استئصالها، فهي ما تفتأ تغمر الفضاء، رغم عمليات التدمير والجرف الإسرائيليتين. وهي ترمز بشكل جيد للحضور السابق ومقاومة الجذور الفلسطينية للغزاة. وهي علاوة على ذلك مشتقة من الكلمة العربية «صبر». وتشير هذه الشجرة داخل فلسطين في مجالات
السينما والرسم والأغنية إلى القضية الوطنية، ومن ثم إلى الذاكرة الجمعية للفلسطينيين.
وخلال سنوات الثلاثينيات، وظفت شجرة الصبار لتعيين اليهود الأوائل الذين ولدوا في فلسطين، مقابل المهاجرين الجدد، وتؤشر هذه الشجرة إلى حقوقهم على الأرض، ولكنها تذكر بالشخصية الصهيونية الجديدة، فهي صلبة وشائكة من الخارج، وناعمة من الداخل، وهي في الإجمال قوية جدا ومتجذرة بعمق في الأرض الموعودة. يعتبر البرتقال والزيتون رمزين مهمين في كلتا الثقافتين. زرع الفلسطينيون البرتقال وكانوا السباقين إلى تصدير الفواكه قبل أن يتربع برتقال يافا الصادرات الإسرائيلية. أما الزيتون فيعتبر شجرا إنجيليا بامتياز، ويجسد الصلة بالماضي العتيق بحكم عمر الشجرة الطويل، وهي تشكل عصب التمثيلات الفلسطينية من جهة، باعتباره نموذجًا مجسد للثقافة المحلية منذ غابر الأزمان، ومقاومتها الشديدة، باعتبار جذورها الضاربة بعمق في غور الأرض. ولأنها من جهة أخرى الشجرة الأكثر عرضة للاقتلاع من لدن الجرافات الإسرائيلية. وتجسد والحالة هذه مصير الشعب الفلسطيني، الذي يستمر في الصمود والمقاومة والتشبث بالبقاء على الأرض، رغم المحاولات المتعددة لطرده من لدن الاحتلال. تمثل الشجرة إذن وسيلة مفتاح يستعملها الشعبان الفلسطيني واليهودي، لإثبات حقوق أصلية مشروعة. ومن ثم يجري استدعاء الطبيعة لإسباغ الشرعية على مطالب الفلسطينيين واليهود. تحولت الأشجار إذن من رهانات رمزية، إلى رهانات صراع وموضوعا رئيسيا لسياسة اقتلاع وزرع لا هدنة فيها، في سياق المحاولات الحثيثة للحلول محل الآخر داخل الفضاء.
محو الوجود
بدت سياسة محو القرى ابتداء من سنة 1948 غير كافية لشطب الوجود الفلسطيني. أضحى لزامًا والحالة هذه تطهير المجال من آثاره وتاريخه.
وقد اتخذت في هذا السياق إجراءات عاجلة لتدعيم ذلك. ونمثل بذلك بتوصية عام 1948 الخاصة بالأراضي البور، التي توصي بأن تستولي وزارة الزراعة على أراضٍ غير مستصلحة وتفويتها إلى من يريد زراعتها. وقد وظفت هذه التوصية لمصادرة أراضي الفلسطينيين، قبل أن يرخص قانون أملاك الغائبين عام 1950 بتأميم الأملاك الأرضيّة والعقارية، التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات. وقد لبثت هذه الإجراءات غير كافية بسبب ضغط المستوطنات الزراعية وإرادة الاستيلاء على أراضي القرى والبلدات العربية المجاورة. وهكذا جرى منع الفلسطينيين في العديد من المناطق من الوصول إلى أراضيهم التي أصبحت مناطق مغلقة. قبل أن يجري تفويتها إلى اليهود، ولكي يتم تحويلها إلى أراض بور، تم اللجوء إلى التدمير المنهجي لبعض الأراضي المزروعة. وفي هذا السياق جرى جرف واقتلاع الآلاف من أشجار الزيتون. وفي عام 1948 وبغية زرع الورود في الصحراء جرى تفويت نصف مليون دونم إلى مزارعين يهود، وهي ممارسة جرى تقديمها بوصفها ضرورية من أجل تأسيس زراعة حديثة. وقد جعلت من عودة المزارعين الفلسطينيين إلى أراضيهم مستحيلة. والشأن نفسه بالنسبة لأسباب عيشهم. أصبح الفضاء خاليا من الأشجار، التي كانت تدل في الظاهر على أن الأرض لم تكن صحراء، وأنها كانت في ملك ساكنة كانت توليها العناية. بموازاة ذلك جرى زرع وحرث وتشجير العديد من القرى التي دمرت، وفق طريقة يستعصي معها تعريفها وتحديدها. وقد انبعثت بعض الغابات الصغيرة وسط الحقول المزروعة بوصفها دلائل على طبيعة مزهرة. وفي الحقيقة، فإن هذه الغابات كانت تخفي بقايا قرى وبلدات. وكان عليّ أن أسافر صحبة فلسطينيين في سيارة أجرة كي أحيط علمًا بأهمية هذه الخرائط/ الذكريات. وما أن يحيطوا علمًا بموضوع أبحاثي حتى يشرع هذا المسافر أو ذاك بوصف ما يوجد ثاويا خلف المشهد الظاهر من جغرافيا ممحوة. وعلى امتداد الرحلة بسيارة الأجرة بين غزة والقدس، اكتشفت في كلا الاتجاهين مشهدًا اختفى تماما، ولكنه ما يفتأ حيا ومتوهجا في ذاكرة هؤلاء السكان القدامى.
جرى تشجير هذه الغابات بواسطة الصندوق الوطني اليهودي، الذي أنجز عدة حملات منذ بداية القرن العشرين. في البداية وبهدف ترويض بعض الأراضي، أو دعم الجمعيات الزراعية الأولى. كان الأمر يتعلق بأشجار مثمرة، غير أن البعد الرمزي الهادف إلى إحياء الصلة بالأرض وإضفاء الشرعية على المطالب والمزاعم الصهيونية، كان محوريًا في تلك المرحلة. وكانت الحوادث التي اندلعت عام 1906 في خصوص غابة هرتسل صارخة بالدلالات. واستنادا إلى كارول باردنستاين فإن المهندس الزراعي الذي كلف بهذه المهمة عمد إلى توظيف عمال فلسطينيين. وكرد فعل على ذلك قام العمال اليهود بالاحتجاج بشدة وقاموا بمسيرة كي يطالبوا بحقهم في زرع هذه الأشجار. وقد عمدوا في أثناء ذلك إلى اقتلاع الشتلات التي غرستها الأيادي العربية وأعادوا غرسها من جديد. كانت عمليات التشجير هذه منذ عام 1948 تستهدف أساسا محو الآثار المادية للمجال الفلسطيني وتجذير الهوية والذاكرة اليهوديتين.
وتصف أدبيات المؤسسة الوطنية اليهودية الصهاينة، بوصفهم المالكين الشرعيين للأرض، مقابل السكان العرب المقيمين بشكل مؤقت، الذين أهملوا هذه الأرض إلى أن أصيبت بالتصحر: لقد عدنا وقمنا بتخصيبها وتكون المحصلة أنها أصبحت ملكا لنا.
تبقى ثمة مفارقة ينبغي التذكير بها.. فإسرائيل حولت المجال تماما بشبكة طرقها ومستوطناتها ومزروعاتها المكثفة وغاباتها وسورها الفاصل، فلم تعد الطبيعة والحالة هذه ملائمة ومطابقة للتمثيلات اليهودية، التي كان من المفروض بالقياس عليها التعبير عن الاستمرارية بين الماضي الإنجيلي والحاضر.
خديعة الأرض مقابل السلام
جرى تقديم مسلسل أوسلو للسلام بوصفه تبادلا: الأرض مقابل السلام. غير أن هذه الأرض ذاتها تقوم بتكذيب هذه الصيغة. تقوم وسائل الإعلام بتركيز اهتمامها على أي اتفاق محتمل، أو استئناف للمفاوضات وتقدم على الأرض. غير أن الواقع الذي يثبت حضوره كل يوم في الفضاء نادرًا ما يجري وصفه علاوة على المظاهر الرمزية الكامنة خلف هذا الواقع.
فما بين سبتمبر/أيلول 1993 ويوليو/تموز 2000 ارتفع عدد المساكن بالمستوطنات بنسبة 52.5% وبموازاة ذلك جرت مصادرة الأراضي المجاورة القريبة بغاية التوسيع الطبيعي. ومنذ الانتفاضة الثانية تواصل الاستيطان بكثافة، علاوة على ذلك، وفي الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة الانسحاب من جانب واحد من قطاع غزة في فبراير/شباط عام 2005 فإنها دعمت بعد خمسة ايّام وجود 120 مستوطنة غير شرعية، وأعلنت في الآن نفسه عن خطط لإنشاء 6000 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية.
وفي الفترة ما بين 1995 و1997 تمت مصادرة 30000 دونم لبناء ثلاثين طريقًا يصل بين هذه المستوطنات، وباقي الكيان الاسرائيلي. وفي عام 1998 جرت المصادقة على اثني عشر خطا طرقيا. تصل سعتها إلى 50 و100 متر، محاطة بمناطق أمنية يحظر فيها أي نشاط فلسطيني، وتستلزم هذه الشبكة الطرقية بطبيعة الحال تدمير العديد من قطع الأرض المزروعة وتحول بين الفلسطينيين والوصول إلى أراضيهم، وتقوم بتجزئة الفضاء بشكل يجعله عصيا على أي استعمال اجتماعي.
علاوة على الإجراءات الحكومية فإن الكثير من أشكال الشطط والعسف مصدرها المستوطنون. ونمثل لذلك باقتلاع الأشجار وإتلاف المزروعات. وتكون هذه الاعتداءات عنيفة في أحايين عدة، وتستشرف حد الجرح إن لم يكن القتل. ولأن المستوطنين يستفيدون من وضع خارج ترابي، فإنهم يفلتون دائما من العدالة الفلسطينية. أما السلطات الإسرائيلية فتتعمد غض الطرف باستمرار. هكذا وفي تقرير خاص بتطبيق القوانين على مستوطني الأراضي العربية المحتلة نستنتج أن 7% من الإسرائيليين المسؤولين عن موت فلسطينيين، تتم إدانتهم بجرائم قتل، وفي 50% من الحالات يتم حفظ الملف، أو تجنب فتح تحقيق، وفي الإجمال تكون العقوبات رمزية.
الجدار الفاصل
وعلى سبيل الختام وفي يونيو/حزيران 2001 أقيم جدار الفصل الممتد على 600 كلم وتتمثل الغاية منه في منع الفلسطينيين من دخول إسرائيل. وهو إجراء اتخذ من جانب واحد من لدن الحكومة العبرية، وأدين بشدة من لدن محكمة العدل الدولية في لاهاي في يوليو 2004. يصل ارتفاع هذا السور إلى ثمانية أمتار ومحاط بمناطق أمنية يصل عرضها إلى خمسين مترا من هذا الجانب أو ذاك. وقد شيد على 90% من الأراضي الفلسطينية المصادرة، التي اقتلعت أشجارها. لا تكتفي إسرائيل فقط بتغيير جذري للفضاء، وإنما تحول بين الفلسطينيين والوصول إلى أراضيهم، وتقوم بحجزهم داخل قراهم وبلداتهم. لم يقتصر الأمر على ذلك، إذ عمدت حكومة شارون بتاريخ 8 يوليو عام 2004 إلى إعادة الحياة إلى قانون أملاك الغائبين لعام 1950 الذي أدى إلى المصادرة الجماعية، بدون أي تعويض لأراضي وعقارات الفلسطينيين المقطوعين عنها، بسبب جدار الفصل.
سيظلون هنا
تبقى ثمة مفارقة ينبغي التذكير بها.. فإسرائيل حولت المجال تماما بشبكة طرقها ومستوطناتها ومزروعاتها المكثفة وغاباتها وسورها الفاصل، فلم تعد الطبيعة والحالة هذه ملائمة ومطابقة للتمثيلات اليهودية، التي كان من المفروض بالقياس عليها التعبير عن الاستمرارية بين الماضي الإنجيلي والحاضر. وكما استنتج ذلك رافي سيغال وأيال وايزمان: «هذا الذي يضفي على المجال مظهرًا إنجيليا أو رعويًا، أقصد السكن التقليدي والزراعة فوق السطوح وشجر الزيتون والبيوت الحجرية ووجود الماشية والدواب كله من صنع الفلسطينيين، الذين جاء المستوطنون ليحلوا محلهم. على الرغم من ذلك فإن هؤلاء الذين يزرعون أشجار الزيتون الخضراء هم أنفسهم المطرودون والمقصون من المشهد. وسوف يظل الفلسطينيون هنا لتأثيث وصنع المشهد قبل أن يختفوا.