توفيق رباحي
ابدأ من حيث توقفت الاسبوع الماضي بهذه الزاوية. ديفيد بلانكيت نصح بضرب اجهزة ارسال قناة الجزيرة ليرتاح منها هو وعصابة العرّابين هناك في البيت الاسود.
قلت انني لن استغرب لو في يوم من الايام اكتشف العالم ان قادة في وزارة الدفاع الامريكية وافقوا علي اغتيال الصحافية اطوار بهجت، او ان في اجهزة المخابرات الامريكية او البريطانية، او الاثنين معا، كانت هناك خلايا مهمتها التفكير والاقتراح (للحكومة والجيش) في كيفية اسكات الصحافيين الذين يختلفون مع الاحتلال الامريكي للعراق وافغانستان، وان هذه الخلايا وضعت قوائم باسماء صحافيين يُنصح بـ التعامل معهم، اي قتلهم.
سأتذكر دائما ما سمعته قبل سنين من صديق اثق في ذكائه واحكامه: نحن في بلدان لا يجب الوثوق فيها حتي بالحجر. هبْ انك تستظل تحت شجرة وسقطت فوق كتفك ورقة يتيمة. من حقك ان تشك في انه ليس سقوطا بريئا وان تفترض ان وراءه شيئا ما.
قلت هذه فوبيا.. وانت تبالغ يا رجل! . ہہہقبل سنتين بثت قناة ارتي الالمانية ـ الفرنسية تحقيقا بارعا من عدة حلقات عن تعاطي البيت الابيض الامريكي مع الازمات الخارجية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية الي سقوط الاتحاد السوفييتي في 1990. جاء ذلك علي لسان مَن ما زالوا علي قيد الحياة من وزراء دفاع ومدراء سي آي اي ومستشاري الامن القومي وغيرهم من الضالعين مباشرة في افتعال الازمات في القارات الخمس ثم ادارتها وانهائها. بدون ان اغرق في التفاصيل اقول ان ما تخرج به من مشاهدة الحلقات، هو ان فرضية الورقة فوق الكتف تحت شجرة ليست جنونا او فوبيا! ذلك ان كثيرا من الاحداث التي كانت في حينها تبدو طبيعية ومقبولة ويجتهد المحللون في تحليلها، ليست سوي مكائد ومؤامرات يتلقي موظفون كبار مرتبات ويصرفون اموالا طائلة في حبك ادق تفاصيلها والسهر علي تنفيذها. النتيجة الاخري هي ان لا شيء يقف في وجه ما يسميه الفرنسيون Raison d’Etat (منطق الدولة)، لا حياة انسان لانها تتحول الي مجرد رقم في قائمة تافهة، ولا مال ولا مبادئ ولا هم يحزنون. هذه الايام يدور في بريطانيا نقاش مماثل تسببت فيه هيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) من خلال تحقيق تلفزيوني عن طائرة بريطانية كانت متجهة الي الهند فجر الخميس 2 اب (اغسطس) 1990 وتوقفت بالكويت.
قبيل اقلاع الطائرة من لندن في ذلك اليوم قفز علي متنها، في اخر لحظة، تسعة اشخاص بطريقة غير طبيعية، حسب الكابتن الذي اوضح ان الشبان التسعة لم تكن بحوزتهم تأشيرات دخول وقالوا انهم مهندسون وفنيون.
في الجو بين لندن والخليج اُذيع خبر دخول الجيش العراقي للكويت واحتلاله العاصمة كويت سيتي. رغم ذلك سمحت السلطات البريطانية لطائرتها بالنزول.. برغم الغموض الذي كان يحيط بالكويت العاصمة وما يسببه من مخاطر علي الركاب، وهم مواطنون بريطانيون نعتقد جميعا انهم عزيزون علي حكوماتهم. نزلت الطائرة فاحتجزها الجيش العراقي المسيطر علي المطار وبدأت رحلة معاناة لا قبل للمسافرين المساكين بها. من بين ما ذُكر ان العراق استعمل بعض المسافرين دروعا بشرية في مواقع حساسة اعتقد ان التحالف الدولي بقيادة امريكا سيقصفها لاحقا.
اما الهدف من نزول الطائرة في الكويت فكان انزال الشبان التسعة الذين لم يكونوا سوي ضباط مخابرات قررت الحكومة البريطانية، برئاسة البارونة مارغرت ثاتشر آنذاك، زرعهم في الكويت لجمع المعلومات عن حالة البلد تحت الاحتلال.
ما كان مجرد رحلة عادية كمئات الرحلات التي تنطلق يوميا من مطارات بريطانيا، تحوّلت الي كابوس لا زال ركاب تلك الرحلة المشؤومة يدفعون ثمنه اليوم. وما كان يبدو توقفا عاديا لرحلة اكثر من عادية في يوم صيفي هادئ، يتضح اليوم انه مغامرة بحياة 389 راكبا بينهم اطفال ونساء. وما اعتقد المسافرون وعائلاتهم ومن ورائهم البريطانيين طيلة 16 سنة انه خطأ او سوء تقدير قاد الي مأساة، يتضح اليوم انه عبث في ازمة لا تعني بريطانيا مباشرة في منطقة ملتهبة لم يكن باستطاعة احد توقع ما كانت تخبئ لها الايام.
والنقاش المحرج الذي تسببت فيه بي بي سي هو ان الحكومة البريطانية كانت علي علم بتحرك الجيش العراقي نحو الكويت وباحتلالها. ورغم ذلك اذنت للطائرة بالنزول بدل ابعادها عن جغرافيا الخطر.
نحن، اذاً، امام اكثر من خيانة لعل اخرها ان الخبير الذي طلبت بريتش ايرويز استشارته بشأن الوضع في الكويت وامكانية توقف الطائرة بها، لم يكن سوي احد منتسبي المخابرات الخارجية البريطانية (ام آي 6)، اي حاميها حراميها. وانسجاما مع المؤامرة قال الخبير ان الامن مستتب وان الطائرة تستطيع التوقف دون خطر علي حياة الركاب.
في مثل هذه الحالات من السهل ان يتنصل السياسيون من المسؤولية: ضباط المخابرات ملزمون بواجب الصمت. البارونة ثاتشر امتنعت عن التعليق وجون ميجر الذي خلفها في الحكومة وفي ادارة الازمة قال انه تكلم وتصرف في الموضوع علي ضوء ما مُنح من معلومات وبدون نية للكذب او التغليط. اما الجواسيس التسعة (اعتقل الجيش العراقي منهم اثنين) فقال بعضهم لـ بي بي سي، مع اشتراط عدم كشف هويتهم، انهم كانوا تحت تصرف الدولة والحكومة. وقالوا ان الغاية تبرر الوسيلة لان ما قاموا به افاد كثيرا وانقذ حياة اناس اخرين. لم يقولوا كم حياة اُنقذت بتلك المغامرة. ولم يقولوا هل هي حياة مدنيين او عسكريين. ولم يقل احد ان كان الامر يستحق المغامرة بطائرة علي متنها ركاب ابرياء استُعملوا دروعا مرتين: الاولي من حكومة بلادهم التي انزلتهم في الكويت. والثانية من جيش العراق الذي احتجزهم وابتز بهم الحكومات الغربية.
اليوم يطالب الضحايا الذين بينهم طفلة اصبحت امرأة فوق العشرين، ورضيع هو اليوم مراهق، بتعويضات مادية مستعينين بما انجزته بي بي سي. احدهم قال نستحق علي الاقل تفسيرا لما حدث.
ہہہجري هذا في الغرب الذي يعتقد الاخرون ان اغلي ما لديه هو الانسان. وهو فعلا كذلك ونتأكد جميعا عندما يُسجن مواطن امريكي او بريطاني في دولة عالمثالثية (او حتي متقدمة). لكن منطق الدولة اقوي من حسابات المبادئ والسيادة وحقوق الانسان وغيرها من الشعارات التي نتلذذ بسماعها وقراءتها يوميا هنا وهناك. هذا المنطق قوي ايضا في البلدان الاخري. في البلدان العربية التي شبّت بها اجيال تعتقد ان المخابرات تحول بين المرء وزوجه. الفرق ان لديهم مؤسسات اعلامية قوية ومستقلة الي حد بعيد تكشف ما امكن من الفضائح. ولهم رأي عام يثق بهذه المؤسسات الاعلامية ويستفيد منها في المساءلة والمطالبة بحقوقه. ولهم حكومات عندما تُزنق في خانة اليَك تعترف وتحاول اصلاح ما يمكن اصلاحه. نحن ليس لدينا شيء من هذا القبيل، وفوق ذلك حكومات عندما تُحشر في الزاوية، تسحب سفراءها من الدوحة برغم ان ما تبثه الجزيرة لا شيء قياسا بما توصلت اليه تحقيقات وتحريات محطات تلفزية غربية.
ہ كاتب من اسرة “القدس العربي” [email protected]