مخاضات قرن من العزلة

غابرييل غارسيا ماركيز، مراسل، كاتب سيناريو، روائي مؤلف احد اعظم الاعمال الروائية فارقنا عن عمر 87 عاما في مدينة مكسيكو وبقي يمثل حالة نادرا ما سنحت ظروفها المتردية بإنجاب عمل ادبي كبير لم يساهم فقط في تحويل كاتبه خلال فترة وجيزة من ظهوره الى رجل غني، بل اعتبر ايضا مجدد الأدب العالمي بقوة الخيال، الشاعرية، النكتة والحس الإيقاعي. لقد انشأ غابرييل غارسيا ماركيز رؤية مذهلة واقعية وسحرية، تجاوز بها ايضا اعجاب النقاد الى افتتان ملايين من الجمهور الواسع.

تجربة العزلة – موضوع الحياة

لقد جاء هو نفسه من خط التماس، ولد الابن البكر من بين احد عشر طفلا في عائلة تلغرافي سنة 1927 في أراكاتكا، واحدة من مزارع الموز المحيطة ببلدة فقيرة قرب الساحل الكولومبي الشمالي . فقد تشكلت حياته من تجربة العزلة، الفردية والأسرية، ولكن أيضا الثقافية والتاريخية، التي ستصبح لاحقا موضوعا مركزيا للحياة. غادر مرتع طفولته منذ سن الثامنة من العمر، موطن ولادته، الذي سيخلق منه لاحقا ماكوندو، المركز الخيالي لكونه الأدبي، هذا المكان، الذي رغم انه متخلى عنه من الله والتاريخ، فهو عالم طافح بذكريات الاعجاب الطفولي، بالخدع الرائعة من حكايات الكاريبي، الاعتقاد في المعجزات والأحداث المثيرة، التي ازدهرت بشكل رائع في المناخ الاستوائي وركود يمكن جعله مطيعا في جو قائظ من الانتظار .
حين بلغ السابعة والثامنة والثلاثين من العمر استيقظ ذات يوم وهو يحمل في داخله قرار التخلي عن كل شيء سبق ان مارسه في حياته من اجل كسب قوته اليومي : العمل في الصحافة ومجال الاعلان . لم يكن يملك غير خياله وخمسة الاف دولار، التي كان قد ادخر جزءا منها عن طريق عمله والجزء الاخر حصل عليه بكيفية او بأخرى. ولاجل خلق اجواء كتابة ممكنة وضع مدخره المالي هذا في يد زوجته مرسيدس كنفقة مقدمة لستة اشهر، فترة اتمام كتابة رواية.
مثل ممسوس بالجنون بدأ يكتب روايته الكبيرة، ‘مئة عام من العزلة’، قمة اعماله الادبية، التي منحته لاحقا لقب غابو، الذي كان ربما أجمل تقدير لهذا المؤلف الحائز على الجوائز واجمل الألقاب الفخرية المتميزة. انه صوت الأدب العالمي في أمريكا اللاتينية، رمز الواقعية السحرية، كما يصفه البعض، الكاتب الأكثر شعبية منذ سرفانتس في عالم اللغة الإسبانية، بينما البعض الاخر يراه: ‘أعظم منهم جميعا’. ويتمدد الموعد المضروب ليصبح بدل الستة اشهر اربعة عشر شهرا دون ان تسعفه الكلمات حتى يضع النقطة الاخيرة خلف الحرف الاخير من عالم قرن من العزلة .

كتاب مثل الانعناق

ظهور رواية ‘مائة عام من العزلة’ سنة 1967، زامنت السنة التي فشل فيها إرنستو تشي غيفارا في بوليفيا فشلا ذريعا، وامكن قراءتها على أنها رفض لاي ثوري اجتماعي أوتوبي . لان غارسيا ماركيز، اليساري وصديق فيدل كاسترو، يروي قصة صعود وانهيار ماكوندو كمهزلة تاريخية اسطورية، التي تٌكرر فيها قبيلة بوينديا في عزلة الغاب وبلا كلل كافة الأخطاء، التي يتحدث عنها الكتاب المقدس وكتب التاريخ، هروبا من قدرهم، الذي سطرت خطوطه أنفا. ومع ذلك ليس هناك من طريق مخرج من ‘المدينة المرآة أو (الانعكاسات )’. تدور القصة في شكل دائري، ترمز الى ذيل خنزير مجعد، الذي ولد به كنتيجة لأنشطة علاقات زنى المحارم المتواصلة دون انقطاع آخر بويندي .
ان ما كان يشد الانتباه في حياة غارسيا ماركيز هو ذلك الثراء في العلاقات وربطه جملة من الصداقات مع اهم كتاب امريكا اللاتينية مثل كاريوس فوينتيس وماريا فارغاس يوسا وخوان رولفو، الذين اكتشف جميعهم وباحساس جد مبكر مواهبه الجبارة المتدفقة والمتنامية في شخصه، الذي كثيرا ما كان يوصف بالخجول. غير ان لقب غابو لاحقا كان أكثر من تعبيرعن المحبة والتقدير للروائي اسطوري مبجل، استطاع نيل اعجاب الجمهور العريض، حيث سحرغابرييل غارسيا ماركيز بموهبته الثرة المحتالة، كل الاحتمالات والصعاب، لجعل اللعبة تبدو سهلة ويصبح التحرر من أصعب الحالات حيلة أنيقة.
لقد كان الانتظار ملازما لمخاضات رواية مئة عام من العزلة حيث لم تصمد الخمسة الاف دولار في وجه زحف الايام وتراكم الشهور، وحين نفد المال لم ينفد صبر الكاتب ولا انتظار مرسيدس، التي عبأت كل طاقاتها لمقاومة هذا الزحف اليومي المتنافخ . تارة بالاستغناء عن اللوازم الحياتية واخرى برهن الممتلكات المنزلية حتى يبقى زورق الاسرة بمن فيه الكاتب الزوج وولداها، طافيا فوق سطح بحر تتفاقم فيه امواج مشاكل ابحار متأخر بما يزيد عن ستة اشهر وحيث ديون الجزار، البقال وبائع الخضر تملأ الدفاتر والكل ينتظر.

الانتظار العاجز

عند غارسيا ماركيز هناك دائما شخص ما في انتظار، وكيف يمكن أن تهمل الحياة، فقد سرده في كثير من الطرق المختلفة: في ‘ليس للعقيد من يكاتبه’ (1961 ) يأمل جندي قديم عبثا لمدة 56 سنة في الحصول على تقاعده. انه منسي مثل عدد كبير من شخصيات غارسيا ماركيز ، وحتى المشهورين ‘ 51 سنة، تسعة أشهر وأربعة أيام’، يربط بذلك فلورنتينو أريزا الحفاظ على عشق امرأة حياته في تدفق نهاية سعيدة. هكذا فقط، من اجل المضي في عزلة الحب الرومانسي، الذي يجعل الزوجين المسنين مجذومين ‘الحب في زمن الكوليرا’، (1985). عجز الانتظار يرافق مختالا عبث المعاملة كما جاء في مئة عام من العزلة : ‘السيد العقيد أوريليانو بوينديا يحرض اثنين وثلاثين من مسلحي الانتفاضة ويخسرهم جميعا. كان لديه من سبع عشرة امرأة مختلفة، سبعة عشر من الابناء المختلفين، الذين أبيدوا واحدا تلو الآخر في ليلة واحدة … ‘، في هذه الموازنة الشحيحة لحياة فيما يبدو جد نشيطة يتقلص الوضع الكئيب لأمريكا اللاتينية في جملة، يسمع وقعها وكأنها مزحة.
حين وضع غارسيا ماركيز النقطة الاخيرة وراء الحرف الاخير من الرواية واراد ارسالها الى الناشر في بيونس آيرس لم يكن لديه كفاية من المال لبعث الرواية بكاملها . فقد اكتفى اضطرارا الى ارسال عشرة اجزاء منها فقط . وحتى يمكن توفير المبلغ المتبقي لارسال الاجزاء الفاضلة، جمعت مرسيدس اخر ما بقي لديها من الممتلكات بما فيها مجفف شعرها وراحت تبحث عن راهن جديد.
كان للكتاب وقع مثل التحرر. فيما لا يبدو انه حقق سياسيا نجاحا، فقد فتن بشكل مذهل الملايين من خلال بساطة واقعية سحرية الطالعة من قمة خيال: لتحويل كآبة الخمول بعد قرون من الاستغلال والاضطهاد في جزء من العالم المنهك الى حيوية من الشاعرية الحسية المشحونة . فحتى وان كان غارسيا ماركيز قد استعمل على حافة الكاريكاتور وصف البوينديا على انهم ضيقا الافق كفحولة محدودة، غير انه منحهم في نفس الوقت قوة اعادة كرامة التعامل من اجل تقرير المصير، واعار احتجاجهم ضد الفشل
تراجيديا كوميدية كبيرة .

يبقى الراوي واقعيا

كان مركيز مشدودا قبل كل شيء وبشكل جلي الى الحضور القوي لجده نيكولاس ريكاردو ماركيز ميخا، الذي كان يأخذه في صحبته وهو طفل الى السيرك والكنيسة واهم من ذلك الى السينما. فقد عين نيكولاس ماركيز قائدا عاما لقوات حرب الالف يوم (1899-1902) كما خلف عددا كبيرا من الابناء غير الشرعيين، الذين عمل غابرييل غارسيا مركيز فيما بعد على ربط علاقاته بهم باحثا علنا عن نماذج عامة لرواية كبيرة تخدم اسطورة القائد بوينديا. إن تعلق غارسيا ماركيز بهذه الشخصيات الواقعية حقق للرواية نجاحا في جميع أنحاء العالم . حتى وان كان البعض يفضل الصور الفنية الغنية للتيارات اللغوية في ‘خريف البطريرك’ 1975، فإن ‘مائة عام من العزلة’ تشكل قمة قائمة اعماله الرائعة، وقد بدا مؤلفها ولا سيما بالنسبة للنقاد الاوروبيين، كمجدد للادب: كاتب كولومبي من زاوية مجهولة من منطقة الكاريبي، الذي ينفجر بسرد حيوي، أقنع المتعبين من مديري الحداثة، حيث يعثر عليه في أماثيل بداية الروائع. وقدم نفسه خلال ذلك على أنه ليس من السذاجة الغرائبية، وإنما كواحد، قد قرأ من الجانب الآخر من العالم، تاريخ الأدب مرة أخرى، ليشكل من منظور معاكس سرده الكبير .
لم يكن الاعجاب بغارسيا ماركيز خاليا من الانعكاسات الرومانسية الغرائبية، الأوهام والنكتة الجنونية المطلقة لقوة الخيال، وحين اعلن، بعد جائزة نوبل 1982 في ذروة شهرته، عن رواية عن المناضل الامريكي الجنوبي من اجل الحرية سيمون بوليفار، اعتبر كأقوى صوت من شبه القارة. لكن غارسيا ماركيز قام باحياء مقاومة أي إغراء، عبر شخصية تاريخية، التي تمثل رؤية قديمة لتحرر موحد لامريكا اللاتينية جديد، فحتى بلفار ايضا، ‘الجنرال في متاهته’ 1989 لم يجد أي مخرج. مع كل اللطافة وحتى الاعجاب بالأحلام، التي يقاسمها غابرييل غارسيا ماركيز مع شخصياته، يبقى مع ذلك كراو ودائما واقعيا، الذي تعلم من مهنته كمراسل صحافي والذي كتب ذات مرة، إن الحياة هي ‘ما نتذكر وكيف نتذكر، لنحكي عنه’، قد عرف، أنه مهما كانت الرؤية جميلة يمكنها أن تتنافس مع سحر الذاكرة: ‘في يوم من ايام اكتوبر الممطرة قصد اورليانو بوينيديا الكستناء وتذكر السيرك. وبينما هو يتبول حاول ان يجهد ذهنه بالتذكر لكنه لم يعد يجد اي أثر لهذه الذكرى عالقا بذاكرته. مثل فرخ خبأ رأسه بين كتفيه، الصق جبهته بجذع الشجرة وبقي واقفا دون حراك’.
بعد ان كتب غارسيا ماركيز هذه السطور على الورق، صعد الى غرفة نومه حيث كانت زوجته مرسيدس تقيل فأخبرها بموت القائد بعدها استلقى بجانبها وبكى ساعتين من الزمن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية