مخاطر انفلات الدول العظمي من ربقة الأمم المتحدة: سيناريو التدخل الأمريكي شاهدا
عادل الحامديمخاطر انفلات الدول العظمي من ربقة الأمم المتحدة: سيناريو التدخل الأمريكي شاهداارتطمت نظرية اليمين المتشدد المحيط بعضه بالرئيس الأمريكي في أول اختبار لواقعية تفكيره بالصخرة العراقية الصلبة. ولسوء طالع اليمين المتشدد مطلقا فإن عراق الستة آلاف سنة حضارة قد انتحرت علي بابله حضارات أشد قوة وأكثر بأسا، ذلك ما ينبئنا به التاريخ وإن شئت فاسأل بذلك خبيرا..ووفقا لنظرية الهجوم خير وسيلة للدفاع فإن التحالف أقدم علي شن حرب علي العراق علي عجل غير مبال بصرخات جماهير كل من البلدين الرئيسيين في التحالف، غير عابئين بتحذيرات العقلاء من ذوي العقول الذين تبين أنهم يحسنون قراءة الواقع والتاريخ والجغرافيا أكثر من هؤلاء الذين ننتخبهم ونثق في قدراتهم العقلية خصوصا، ولكن مأزق العراق أكد لنا مثلما كان الشأن في الحرب العالمية الثانية أن الحروب يتورط فيها السياسيون وجيوشهم علي كراهة من شعوبهم ذاتها وفي أحيان كثيرة تتعارض مع مصالحهم كما بينت الأحداث.وما خفف عنا وطأة هذه الحرب التي نعتبرها من مخلفات الحرب الباردة هي وعود رجلين من أكبر قادة العالم ليس بدمقرطة العراق فحسب وطي صفحة ثلاثين سنة من الحكم الفردي الغاشم، لا بل وعد كل من بوش وحليفه الوزير الأول البريطاني بأن منطقة الشرق الأوسط قادمة لا محالة علي حياة سياسية ترقي إلي مستوي ما عليه جل البلدان الأروبية دون حاجة لتعداد معسول تلك الوعود التي دغدغت عواطف بعضنا يومها. إن فيتنام المصغرة التي تكتوي بنارها شعوب منطقة الشرق الأوسط اليوم والتي مكنت حكومات المنطقة من تبريرات علي حساب صك البياض الذي يدفعه المشروع الديمقراطي الفاشل، قلت أعطت الحجة لتلك الحكومات لإعادة تضييق الخناق الحديدية علي رقبة المواطن العربي. وأحسب أن المشروع الديمقراطي قد دخل غرفة الإنعاش في كل من لبنان وسورية والعراق بل ومصر التي شهدت آخر الحلقات الإنتخابية التي لم تفض إلي شيء يذكر وما تفجيرات منتجع دهب وشبه جزيرة سيناء المحررة إلا خير دليل علي ذلك.لا شك أن سهولة المغنم في أفغانستان قد أغرت الإدارة الأمريكية التي لم تمعن النظر في هذه المغامرة غير المحسوبة بالمضي قدما في الإطاحة بأنظمة سياسية متحجرة ومتسلطة، إلا أن الطامة الكبري هي أن هذا الاغراء أصبح يشكل ورطة لعدة أسباب: أولها هو هذا الحلم الزائف والفكر الماضوي الخاوي الذي يستحضر الأرواح من عقلية القرون الوسطي لإنزاله علي واقع يختلف بكل دقائقه وحيثياته والذي يصر استكبارا علي أن الدينونة في هذا الكون يجب أن تصير حتما إلي ثقافة واحدة، وهي تمامية شهد التاريخ مثيلا لها لعل أحدثها الفكر النازي وما جذب علي العالم من كوارث يعرفها الجميع.إن القوة العظمي وأعني بها الولايات المتحدة الأمريكية ليست في منأي عما يمنجق به أهل الأرض من تحديات ليس أشدها هولا ثقب الأوزون ولا ذوبان ثلوج الأرض ولا ارتفاع أسعار البترول الذي بلغ برميله قبل أيام 75 دولارا مهددا بذلك استقرار اقتصاد العالم بالكاد، وهو أمر ليس هينا، فالكل يعلم أن أمريكا هي الأقوي ليس عسكريا فقط ولكن باقتصادها الذي يبلغ ثماني مرات حجم اقتصاد الصين فاضطرابها اضطراب لنا جميعا، إذ المصير مصير واحد وهذا ما تجاهله الفكر النيوكنزي النكوصي.إن التحالف أضعف من أن ينوء بمثل هذه المهمات الجليلة التي لم تعد تتعلق باقتصاد بلد ما أو بمدي قدرته علي المنافسة والصمود في عالم مضطرب وإنما تتعلق المسألة بمصير الإنسان ذاته علي هذا الكوكب، فأي خطأ في الحساب قد يكلف أعظم دولة أن تتحول إلي مجرد رقم دولي كبقية الأرقام. وإنه لمن السذاجة والتهميش أن نتحدث عن صراع حضارات ولم نعد نحن وعلماؤنا وجميع أجهزتنا نعلم علي وجه الدقة متي يطوينا طوفان نوح إن استمر معدل درجات الحرارة في الارتفاع واستمر تجاهلنا لهذه الحقائق وتهميشنا لأكبر التحديات وتهرب الأقوياء من الإذعان إلي ما تتطلبه المصلحة لبني الإنسان.فبدلا من الإجهاز علي الفقر والأمراض المستعصية وجعلها تاريخا كما نادي بذلك الوزير الأول البريطاني فإن مجهودات التحالف بدت وكأنها تهدف وهي في تسلل من التاريخ إلي تكريس إعادة عقلية الشرطي العالمي الواحد.قي هذه الأجواء ولهذه الأسباب تحول المشروع الواعد إلي مجرد كابوس عربي بالدرجة الأولي يطارد ربع بليون من ساكني المنطقة لم يعد بينهم وبين حكامهم من وجاء إلا العصا الأمنية. وهكذا تحولت الأشعار المتغنية بالديمقراطية إلي عصي وهراوات في كثير من الأقطار وخصوصا في المناسبات الانتخابية التي كان يمكن أن تخلص المنطقة من كوابيس الحكم الفردي للعصور الحجرية.إن الدفاع عن الأنظمة العربية الحاكمة هو أشد وطأة من شهادة الزور عند المسلمين وعند غيرهم، ولكن مع ذلك يبقي خلع الرئيس صدام حسين سابقة خطيرة علي المستوي الدولي لا لأن صدام حسين كان يجب أن يستمر في الحكم ولكن أقول ذلك لأن تدخل التحالف في العراق أصبح بحكم الواقع وبحكم ما آلت إليه التجربة بعد ما يناهز الأربع سنوات من إسالة الدماء أصبحت أقرب إلي عملية ثأرية من التاريخ. وإنه لمن المحير أن يستمر بعض السياسيين في الغرب النفخ في النار والعزف علي أوتار الأديان وتنافي القيم الإنسانية وتبعيضها بين غرب وشرق، أصبح كل ذلك في حس المواطن العربي والمسلم بشكل عام كما لو أن حضارة غالبة تنتقم من حضارة مغايرة مغلوبة علي أمرها. وإنه لما يبعث علي الحيرة والارتباك أن يقف زعيم غربي خطيبا لا يفرق بين الاسلام والقتل باسمه بل ويعمد بعد أن فشل في تمرير مشروع مشكوك في نواياه إلي الخلط بين الاسلام ذلك الدين الحنيف الذي نهلت من ينابيعه الصافية كل الحضارات وبين المصالح السياسية الآنية التي لا تبالي بكل القيم بل وتتنافي مع الحروب الحضارية ومع الصدام الحضاري أصلا: إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم وليس أقواكم!فإيران هذا الذي لم تخرج جيوشه خارج حدود هذا البلد الآسيوي الكبير منذ حوالي قرنين من الزمن يحاول الكثير من الغربيين حشرها في الزاوية وحملها علي التهور والدفاع عن الذات حتي بالتي هي أسوأ. وفي هذا يفهم ذلك التهديد السياسوي لاسرائيل. إلا أن الغرب وهو يحكم قبضته علي هذا البلد إنما يخسر صداقة إحدي أكبر دول المنطقة التي يبلغ تعداد سكانها 80 مليونا تقريبا وتتمتع بثروة بترولية مهمة واستقرار سياسي غير مغشوش وموقع جغرافي يجعل منها بلدا متميزا في ضمان استمرار مد السوق النفطية بما تحتاجه، بل إن هذا البلد إبان حكم الشاه الذي حكم إيران بقبضة من حديد كانت إيران تمثل إحدي أهم الدول الآسيوية التي تساهم في التوازن الدولي.وعلي الرغم من اختلافنا الجوهري مع بعض الخيارات السياسية والفكرية للحكومة الإيرانية فإن ذلك لا يمنع من التنويه بأنها البلد الوحيد في الشرق الأوسط بعد لبنان الذي تداول سلميا علي حكمه خمسة رؤساء منذ 1979 وبرلمان يمارس سلطة الرقابة علي الحكومة بكل ما تقتضيه من معني، وهو برلمان منتخب أقرب ما يكون إلي ما يبشر به الغرب من حياة سياسية متطورة. فدفع إيران إلي الأقصي وفشل الولايات المتحدة في مد يد الصداقة إلي هذا البلد هو ما قد يجعلنا نواجه سيناريو عراقياً دامياً آخر لا قدر الله لا يخدم أحدا غير المتشددين من أهل اليمين المتطرف.أظن أن الوقت قد حان لأن يعيد الغرب النظر في رسم سياساته المتعلقة ليس بالشرق الأوسط وحده ولكن تلك التي تعني الآخر بصفة عامة. فتعديل اليمين المتمكن ساعته علي دقات ساعة العصر يجعلنا جميعا في مأمن من المغامرات غير المحسوبة كما ينأي بدول عظمي عن أن يضطرها بعض الحالمين من العصور الخوالي إلي سحبها ذليلة من ميدان المعركة دون أن تستطيع بسط النفوذ علي الشعوب الأخري ومحو ثقافاتها وتذويب عنصرها في مدرسة فكرية أحادية رسومها هلامــــية عند أصحابها قبل غيرهم. فقد مضت تلك العصور المظلمة التي يمكن فيها استعباد الإنسان لأخيه الإنسان فقـــــدرنا التعارف والتعاون وليس الحيلة والاحتلال، وقدرنا جميــــعا هو التفاهم بين الحضارات وليس الصدام بينها وعلي الذين يزعمون غير ذلك أن يتأملوا في كل أحداث التاريخ منذ أقدم أحقابه حيث تكــــون الكلمة الأخيرة دائما لإرادة الشعوب علي حساب القوة وعلي حساب الفكر الانتصاري الحالم الزائف، وإذا الشعب يوما أراد الحياة فمن الممكن أن يستجيب له رب العالمين.ہ كاتب واعلامي تونسي يقيم في بريطانيا8