فيما يتحدث رئيس حكومة إسرائيل عن الخطر الخارجي وتوعد حزب الله برد مر، اختار رفلين التحذير من التهديدات الداخلية المتمثلة بالانقسامات.
الناصرة-“القدس العربي”:أحيت دولة الاحتلال الذكرى الخامسة والعشرين لاغتيال رئيس حكومتها اسحق رابين بيد مستوطن متشدد بعد توقيع اتفاق أوسلو بعام واحد ويبدو أنها لم تتعلم الدرس، فشبح الاغتيال السياسي يخيم عليها وفق تحذيرات رئيسها رؤوفين رفلين. خلال إحياء ذكرى اغتيال رابين أحد أبرز الرموز الأمنية الصهيونية عبر رفلين عن قلقه من عمق الانقسامات بين يمين ويسار وشرقيين وغربيين واصفا إياها بانشطار البحر الأحمر يوم عبره النبي موسا فارا من مصر الفرعونية بينما تفيض الكراهية الداخلية بين الإسرائيليين. ولذا وفيما يتحدث رئيس حكومة إسرائيل عن الخطر الخارجي وتوعد حزب الله برد مر، اختار رفلين التحذير من التهديدات الداخلية المتمثلة بالانقسامات المذكورة. وسبقه بذلك رئيس سابق للجناح الأمني السياسي في وزارة الأمن الإسرائيلية الجنرال في الاحتياط عاموس غلعاد الذي قال خلال حديث لموقع “واينت” إن إسرائيل تواجه خطر انهيار استراتيجي لأن شبابها يفقدون الأمل. في سياق ذكرى ربع قرن على اغتيال رابين طلب قاتله المستوطن اليميني يغئال عمير من المحكمة الإسرائيلية العليا أمس الأول رفع القيود المفروضة عليه، بإجراء المكالمات الهاتفية من السجن.
ويأتي هذا الطلب، مع اقتراب الذكرى السنوية الـ 25 للاغتيال ويُمنع على السجناء الأمنيين في إسرائيل ومن ضمنهم عمير، الكثير من الأمور. لكن مقارنة ظروف اعتقاله على مر السنين، بظروف اعتقال السجناء الجنائيين، منحته بعض الاستثناءات: كزيارات مفتوحة ومكالمات هاتفية مع من يشاء. وسُحب منه استثناء المكالمات لمدة شهرين، بعد أن تحدث هاتفيا من السجن في آب/أغسطس 2019 مع ناشط يميني. وبعد ذلك بعام، أي هذا الشهر، مُنع عمير من إجراء مكالمات هاتفية مُطلقا بشكل مفاجئ. وسُمح له لاحقًا بمهاتفة أفراد أسرته من الدرجة الأولى فقط، لذلك، قدم التماسًا إلى المحكمة، ليتسنى له التحدث بالهاتف مع من يشاء، وليس فقط مع أقربائه. ويوصي جهاز المخابرات الإسرائيلي “الشاباك” بتقليص تواصل عمير بالعالم الخارجي، خصوصا وأنه يصر حتى الآن، على عدم الإعراب عن ندمه. ويرى جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي أن يغئال عمير لا يزال يشكل تهديدا لاستقرار إسرائيل وكشف في أحدث تقديراته أن من قام باغتيال رابين قبل 25 عاما لا يزال يشكل تهديدا للاستقرار في إسرائيل. وقال الشاباك في بيان تزامنا مع احياء الذكرى الـ25 للاغتيال والتي اختتمت مساء الجمعة بإيقاد 25 ألف شمعة في الساحة التي اغتيل فيها وتحمل اسمه وسط مدينة تل أبيب: يشار أنه في هذه الأيام، انضم شبان ينتمون إلى اليمين لمجموعة تدعم عمير وأفعاله ومستعدون للعمل معه، كل هذا يشير إلى الخطر الذي يمثله ارتباط القاتل بعناصر خارج السجن. ويعتبر الشاباك يغئال عمير أنه عقائدي متطرف وحازم، كما أنه لم يندم قط على ما فعله وهو مقتنع حتى يومنا هذا أن ما قام به هو الطريقة الأمثل ويبرر فعلته، لذلك هناك خشية من أن يقوم قاتل رابين بتنشيط نفس المجموعة من داخل جدران السجن. في الوقت نفسه، تراود عمير في الآونة الأخيرة فكرة تنظيم حركة عامة، وربما حتى تشكيل قائمة انتخابية تخوض انتخابات الكنيست من أجل العمل على إطلاق سراحه من السجن، في الوقت الذي استأنف على قرار المحكمة العليا للسماح له بالتحدث إلى زملائه الذين ليسوا من أفراد الأسرة من الدرجة الأولى، ومع ذلك، فإن الشاباك يعارض ذلك ويوصي بالإبقاء على شروطه كما هي، باتباع نفس التقييم الأمني.
جوهر رابين
وفي هذه الذكرى تعددت المقالات التي تتحدث عن حقيقة مواقف رابين، من الصراع والتسوية مع الفلسطينيين ومن بينهم المحلل ورئيس تحرير صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية ألوف بن، الذي يتحدث عن حادثة وقعت في خريف العام 1993 بعد أسابيع قليلة من أول توقيع على مبادئ اتفاق أوسلو، حينما التقى رابين قيادة جيش الاحتلال في قطاع غزة، إذ كان قد كتب على قصاصة ورق، في إحدى الغرف، وحصل عليها أحد الضباط ما يلي: “لقد قلت لآفي ديختر بأنه منذ مصافحتي لعرفات أنا لا أتجرأ على حك مؤخرتي”. والقصد بآفي ديختر الذي كان يومها مسؤول جهاز الشاباك في جنوب البلاد، ولاحقا صار رئيسا للشاباك، وفي العام 2006 أصبح عضو كنيست. ونقل الضابط المذكور القصاصة لديختر، الذي طلب من الضابط “ابادتها” لأنها ستنسف أي “اتفاق سلام لاحق” حسب ألوف بن، الذي قال إن ديختر فهم قصد رابين، ومن يومها انتقل ديختر إلى اليمين برئاسة بنيامين نتنياهو.
بطل اليسار واليمين
وقال بن في مقاله، إن “رابين يعد الآن يساريا وكان متحمسا للتنازل عن الضفة الغربية وإقامة دولة فلسطينية على أنقاض المستوطنات وحلم أرض إسرائيل الكاملة”. ويقول إن هذه الصورة تخدم الطرفين السياسيين: اليسار الذي يحتاج إلى بطل واليمين الذي يحتاج إلى خائن. ولكن برأي ألوف بن “هذا هراء” وتابع “سعى رابين إلى تعزيز مكانة إسرائيل الدولية بمساعدة صديقه رئيس الولايات المتحدة بيل كلينتون وطور تحالفا مع الأنظمة “المعتدلة” في المنطقة، مصر والأردن والمغرب وتونس وعُمان وقطر وتركيا قبل اردوغان، كقوة موازنة لزيادة قوة إيران. ولكنه كان بخيلا في إعادة الضفة الغربية وخشي من الاتفاق مع سوريا الذي كان سيضع جنود الأسد على شاطئ بحيرة طبرية. مع الفلسطينيين تقدم ببطء وفضل إعطاء عرفات بادرة حسن نية رمزية مثل صفة “الرئيس” وشرطي على جسر الملك حسين مقابل أريحا بدلا من مساحة جغرافية كبيرة أو تجميد واخلاء المستوطنات – التي فقط كبرت في عهده.
رؤية رابين الحقيقية
من جهتها تتفق معه المحللة عميرة هاس التي عددت في مقال لها في صحيفة “هآرتس” مواقف رابين وهي كالتالي: كيان فلسطيني يكون أقل من دولة، عدم العودة إلى خطوط الرابع من حزيران، بقاء القدس موحدة وتشمل معاليه ادوميم وجفعات زئيف كعاصمة لإسرائيل، الحدود الأمنية ستكون في غور الأردن، سيتم ضم غوش عصيون وافرات وبيتار ومستوطنات أخرى توجد شرق الخط الأخضر، إقامة كتل استيطانية في الضفة الغربية، وليتها تكون مثل “غوش قطيف” في غزة. كما تشير هاس إلى ان الحل الدائم رآه في إطار “أراضي دولة إسرائيل” الذي يشمل معظم فلسطين التاريخية وإلى جانبها كيان فلسطيني يشكل وطنًا لمعظم السكان الفلسطينيين الذين يعيشون في قطاع غزة وفي أراضي مناطق الضفة الغربية. وتابعت هاس “نحن نفضل دولة يهودية حتى لو لم تكن على كل أجزاء إسرائيل بدلا من دولة ثنائية القومية ستخلق إذا تم ضم 2.2 مليون فلسطيني الذين هم سكان غزة والضفة الغربية”.
عدم تفكيك المستوطنات
واستذكرت هاس أن “رابين قال في جلسة للكنيست: “لم نتعهد بحجم إعادة الانتشار في كل مرحلة” أي أن “إسرائيل ستهتم بأن تكون الأراضي التي سيتم نقلها للسلطة التخطيطية الفلسطينية مع سيطرة على الأرض، صغيرة بقدر الامكان”. وهذا ما حدث. واستذكرت ان رابين قال أيضا: “لقد تعهدنا أمام الكنيست بعدم ازالة أي مستوطنة في إطار الاتفاق المرحلي. وكذلك عدم تجميد البناء والتكاثر الطبيعي”. ومن يستثمر الآن عشرات ملايين الدولارات في بناء الكتل الاستيطانية والبنى التحتية والشوارع ومبان ومؤسسات عامة، لا يفعل ذلك بهدف تفكيكها في الغد. إلا اذا قامت قوة سياسية – اقتصادية قوية تجبره على التوقف عن الاستهزاء بالقانون الدولي وخرقه.