مخاوف من رواج عربي للبولونيوم وحرية دونكيشوت المصري 100%!

حجم الخط
0

توفيق رباحي

لو سألنا صبيا يرعي الغنم، في بادية اليمن او صحراء موريتانيا، عن مدي استقلالية وحرية القنوات الفضائية العربية، لقال ان المسألة فيها اكثر من قول.

هذا الموضوع يتردد في اكثر من صيغة، اكثر من مرة في اليوم، منذ هيمنت القنوات التلفزية علي حياة الناس في العقد الاخير. ولكثرة ما طُرح الموضوع للنقاش، اصبح مثل تلك الاسئلة المزمنة التي لا جواب شافيا لها، ومهما اُجيب عنها، كان هناك من يفتي او يجادل.

غير ان مذيعا تلفزيونيا مصريا حسم الامر بعبقرية نادرة قائلا ان سقف حريته في ام بي سي السعودية هو مئة في المئة.

اسمه محمود سعد لا فض فوه. وادلي بتصريحه الفتّاك الفريد من نوعه في قناة الجزيرة القطرية الاثنين الماضي ضمن حلقة مسجلة من برنامج من واشنطن اُذيعت ـ لا اعرف لماذا ـ من القاهرة (ليلتها استضاف صاحب الحلقة، حافظ الميرازي، ثلاثة مذيعين مصريين، وفي اليوم الموالي كان هو ضيفا علي برنامج مماثل في التلفزيون المصري. يعني، بالعربي الفصيح، احنا في احنا وزيتنا في دقيقنا. في العادة لا يقع الميرازي في مثل هذه الهفوات، ربما اجازته بالقاهرة اغرته بان يجرّب قليلا من اعلام الشللية). لو سئل وليد الابراهيم ذاته لمَ ادلي بالكلام الفتّاك الذي ادلي به صاحبنا. لكن كل اناء بما فيه ينضح.

قال صاحبنا حريتي في ام بي سي متاحة مئة في المئة. ما حدّش قال لي اعمل كده وما تعملش كده. يهمس حافظ الميرازي في اذنه بما يشبه التنبيه: حتي عن السعودية؟ فيمضي مفتخرا: نعم، انا رحت السعودية وعملت حلقات عملت مشاكل وما حدّش قال لي ليه.

لن اقترح علي المذيع اياه موضوعات وقضايا واتحداه بان يناقشها في ام بي سي. انا اعرف وهو يعرف وكل العاملين في الاعلام العربي، اينما كان، يعرفون ان المحظورات موجودة ووُجدت وستكون موجودة غصبا عنا جميعا، ولا احد بحاجة الي دونكيشوت يثبت له العكس.

لو سئل احمد منصور او فيصل القاسم لقال، ايضا، ان لا احد اتصل به في يوم من الايام وامره بان يفعل كذا في برنامجه او لا يفعل كذا. قس علي ذلك كل مذيعي ومذيعات برامج الجزيرة، لكن هذا لا يمنع ان القناة لم تتعرض بشجاعة كافية لاي من مشاكل قطر الداخلية. اذا كان هذا حال الجزيرة، فاتوقع، ومعي القراء، ان حال ام بي سي ليس افضل لأن سقف الحرية في الاولي اكبر من الثانية.

لن اجرؤ علي اتهام المذيع الفطحل بالكذب. اتمني ان يفهم انه لم يعد عيبا الاعتراف بأن الحرية في التلفزيونات العربية ليست مطلقة، وانها تحتاج الي نقاش، وان التواضع فضيلة ترفع صاحبها.

لم يعد عيبا القول ان هذه القناة او تلك تابعة لهاته الجهة او تلك. وبات واضحا ان المشرفين علي كبريات القنوات العربية يعترفون، سرا وعلنا، بصعوبة العمل التلفزيوني، وبأن المنطقة العربية لا تتوفر الا علي حد ادني من الحرية يقال عنها انها مهداة وغير منتزعة، وبأن الازمات المتنوعة والعميقة التي تمر بها انظمة الحكم والمجتمعات، بقدر ما اتاحت من هوامش نقاش وكلام، فرضت محظورات تعيق الابداع عموما والعمل التلفزيوني خصوصا.

سنكون اغبياء اذا تصورنا ان امير قطر او ولي عهد السعودية او حاكم دبي مسترخ ببيته مستمتعا بنارجيلة وشريط ام كلثوم متابعا قناته، وعندما يشاهد ما لا يعجبه او يزعج مصالحه، يأخذ تلفونه ويتصل بالادارة او قاعة التحرير ينهر هذا ويوبخ ذاك.

حرية عرجاء احسن من عدم وجودها. ام بي سي ليست الاسوأ والرقيب غير مقتصر علي القنوات التي تحت هيمنة السعودية، وان كان فيها اكثر وضوحا.

واتوقع ان هذا الوضع الشاذ، المتمثل في حرية عرجاء، محسوبة وغريبة، لا يزعج المشاهدين كثيرا. فهم يبحثون عن اخبار قطر في ام بي سي و العربية، وعن اخبار السعودية في الجزيرة وقس علي ذلك ما يريدون من اخبار وبرامج. ربما الاشكال الوحيد ان المشاهد سيتعب متنقلا من قناة الي اخري في نشرة اخبار واحدة. لذا وضعتُ في ترتيب القنوات في جهازي الجزيرة و العربية متتابعتين.

كنت اتمني لو ان المذيع الفطحل حط رجليه في الارض مثل زميلته الهادئة مني الشاذلي. فهي اعترفت ان البوصلة ضايعة مني وقالت انها لا تعرف بوضوح هل هي حرية ام شيء اخر. قد تكون عبارة البوصلة ضايعة مني كبيرة او خطيرة. لكن اي مذيع او صحافي، غير صاحبنا الفطحل، كان سيسأل نفسه، بين الفينة والاخري، هل ما يفعل هو عين الصواب ام عكس ذلك، علما ان الحقيقة في حقل الاعلام العربي، الملغم مثل السياسة، نسبية ورمادية ولزجة، فلم نعد نعرف هل الشهيد هو الذي تقتله قوات الامن السعودية ام الذي تقتله الفئة الضالة، هل حسن نصر الله بطل قومي ام مجنون سياسي.. الخ من الاسئلة المحيّرة في هذا الزمن الغريب. ما قد يجهله المشاهد او القارئ البسيط ان الرقابة ليست، او لم تعد، كاريكاتورا مثلما يتصورها العقل الباطن: رقيب بقبعة عسكرية، بطنه تسبقه مترين، في يده مقص يقطع ويمنع ما لا يعجبه. هناك وضع معيّن يجري ترتيبه داخل وحول بيت هذه القناة التلفزيونية او تلك، بحيث يصنع مقدسات وخطوطا حمراء مسكوت عنها، فتصبح السعودية مقدسة في ام بي سي و العربية، وقطر مقدسة في الجزيرة وهلم جرا.

اي ادعاء اخر عن حرية مطلقة و ما حدّش قال لي اعمل كده وما تعملش كده يجب ان يقال لاصحابه انه طالما انكم تناقشون لماذا يتزوج الرجل الخليجي اكثر من واحدة، والطلاق وهمس المراهقات في مدارس الامارات، فستنتظرون حتي التقاعد ولن يتصل احد لمساءلتكم لماذا فعلتم او لم تفعلوا كذا. وفي انتظار الاتصال الذي لن يأتي، فكّوا عنا غروركم، يكفي اننا نتحمل مشاهدة اشكالكم في التلفزيون.

من الارهابي؟ لاول مرة تمنيت لو تجاهلت القنوات الفضائية العربية قضية، برغم ما فيها من بُعد انساني وسياسي. هي قضية الجاسوس الروسي السابق ألكسندر ليتفيننكو الذي سمّمته مافيا بوتين، ومعه عشرات الابرياء، بمواد مشعة ابتلعها في مأكل او مشرب.

تمنيت ان تهمل القنوات الفضائية هذه القضية حتي لا يستلهم الحكام العرب العباقرة من طريقة القتل، او يستعيروا مادة بولونيوم 210 التي انهت حياة الرجل وتوشك ان تدمّر اخرين.

ما نحن فيه اليوم هو ثمرة قانون جديد مستوحي من روح Patriot Act الامريكي، سنّه بوتين يسمح بملاحقة الارهابيين اينما كانوا. وثمرة عمل مافيا تسمي نفسها الكرامة والشرف تقول ان هدفها معاقبة من يسيئون الي روسيا.

سؤالان طرحهما اخرون قبلي: مَن الارهابي الحقيقي؟ واي قيمة بقيت لقرار الاتحاد الاوروبي بمنع المسافر البريء من اصطحاب قنينة ماء معه الي الطائرة وقد اصطحب العملاء الروس بولونيوم 210 من موسكو الي لندن علي متن رحلة طيران عادية بها ما يزيد عن 200 مسافر؟ رغم فروض الطاعة ابو جرة سلطاني. هل يعرفه غير الجزائريين؟ ربما بعض الملتحين هنا او هناك. علي كل، اعرّفه بالقول انه قائد حركة اسلامية قوية شكلا، هي فرع الاخوان المسلمين بالجزائر. يترشح قائدها لكل انتخابات رئاسية، لكن بقدرة قادر ينتهي الامر بان تجمع الحركة اصوات اتباعها وتقدمها لمرشح الجيش. ورغم كل فروض الطاعة، مرمد الرئيس بوتفليقة قائدها في خطاب متلفز دام اكثر من ساعة بسبب نبوّة جديدة ادّعاها عن الفساد في الحكم الجزائري. اقترح علي الفضائيات ان تهتم بهذا السلطان(ي) وتسأله عن الفساد والمفسدين، وتسأله ايضا لمن سيمنح اصوات حزبه في الانتخابات المقبلة بعد ان مسح به بوتفليقة الارض. كاتب من اسرة “القدس العربي” [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية