تقارير: في بابا عمرو صنعوا خرابا سموه سلاما… النظام متماسك ولكن سيواجه حرب استنزاف طويلةلندن ـ ‘القدس العربي’: صمتت البنادق في حمص، وخرج جيش سورية الحر من حي بابا عمرو حيث كان يسيطر عليه، ولكن المقاومة لم تنته، وجيش سورية الحر يقول ان انسحابه كان تكتيكيا، خرج المقاتلون لكن المدنيين ظلوا عالقين في المدينة المدمرة وتحت الثلج ورحمة جنود الجيش النظامي، حيث يخشى من عمليات انتقامية ضد السكان. وبين هذه المخاوف سؤال طرح هل اصبح قدر سورية تحت بشار الاسد مثل قدر سراييفو التي عانت من حصار وقتل سكانها وتدمير لمعالمها من الصرب.
فقد طرحت هذا السؤال صحيفة ‘ديلي تلغراف’ التي احالتنا الى مقولة للمؤرخ الروماني تاكتيوس ‘لقد صنعوا ارضا يبابا سموه سلاما’، واضافت الصحيفة انه وبعد اكثر من ثلاثة اسابيع من القصف المستمر دخل الجيش السوري لحي بابا عمرو مشيرة الى ان ‘النصر’ لن يكون الا وهما، لان الثورة مستمرة فما ان ينتهي الجيش من السيطرة على مدينة حتى تندلع النار في مكان اخر، ويذهب الى قمعها فيما يلتف المقاتلون من خلف ظهره.
ومع ذلك فالحقيقة القاسية في سورية تؤشر الى سيناريو على الطريقة البوسنية، وهذا يعني الانزلاق نحو حرب طويلة الامد: حرب عرقية طائفية واهلية حيث يبحث كل طرف في النزاع عن قنوات لتوفير السلاح، وقد بدا هذا واضحا من دعم روسيا وايران العسكري للنظام فيما حصل المقاتلون على وعود بدعم عسكري من قطر والسعودية. وكان قد جرى في السابق الحديث عن اسلحة من قطر لم يتم تأكيدها ولكن في ظل القمع واستمرار القتل فان كلا من قطر والسعودية تحركتا الآن باتجاه هذا الخيار.
وتشير ‘ديلي تلغراف’ ان الموقف الدولي هو عامل في تعقد الموقف في سورية مما يهدد بتكرار المشهد البوسنة، حيث انقسم المجتمع الدولي، وكانت كل دولة مدفوعة بمصالحها الخاصة. فالخلاف نفسه يتكرر حول سورية: سلحوا المقاومة ام لا، افرضوا العقوبات وشددوها. ويبدو الحل العسكري في ظل هذا الانقسام ليس مطروحا على الطاولة ومما يعززهذا الموقف الروسي والصيني، كما ان الاتحاد الاوروبي يمنع تصدير السلاح لسورية، اضافة لعدم وضوح هوية المقاومة السورية.
وفي غياب الخيار العسكري تقول الصحيفة ان هناك ضرورة للبحث عن حل واقعي، فان لم نقرر شن حرب على الاسد فعلينا احتواء الوضع كي نتجنب الكارثة اضافة الى اتخاذ خطوات تسرع نهاية النظام الطاغوتي في سورية. وتعتقد الصحيفة ان المسارين متداخلان، وهما تعزيز الاغاثة الانسانية للمنكوبين، مع الاستمرار بنظام العقوبات القاسية على النظام. ففي المجال الانساني هناك اشارات عن تحول في الموقف الروسي والصيني فيما يتعلق بالسماح للبارونة اموس، مسؤولة شؤون الاغاثة في الامم المتحدة بزيارة سورية للتفاوض حول فتح معابر لدخول المساعدات الانسانية، وعليه فان مشروع قرار بهذا الاتجاه قد يلقى دعما من الصين وروسيا، اما في المسار الثاني فعلينا مواصلة حصار النظام اقتصاديا، وحتى يتحقق هذا فيجب على كل من لبنان والعراق فرض قيود على مرور البضائع من اراضيهما الى سورية، وهو ما تقوم به تركيا الان التي تمارس نظام رقابة صارما. وتختم الصحيفة بالقول ان احتواء الكارثة الانسانية وتشديد الضغط على النظام من الممكن ان يقود الى تغير في الوضع ولكن هذا لا يلغي تكرارا للسيناريو البوسني. الموقف الروسيوفي سياق الحديث عن تغير في الموقف الروسي، فان التقارير عن زيارة سيرغي لافروف للمنطقة ان صحت قد تكون بادرة لتحرك روسي للمضي في التوصل لحل سياسي للازمة، كما ان تصريحات فلاديمير بوتين، رئيس الوزراء الروسي لصحيفة ‘التايمز’ تفسر الموقف الروسي من سورية حيث قال انه ‘ليست لدينا علاقات خاصة مع الاسد، ولكن مصلحتنا هي وقف العنف’، مذكرا ان الاسد عندما وصل للسلطة ‘زار لندن وبقية العواصم الاوروبية اولا’ قبل ان يزور موسكو. وعبر بوتين عن شعوره بالفزع من قتل في حمص وبقية المدن السورية، واضاف ان ‘السوريين هم من يقررون من يريد حكمهم’، واكد على اهمية ان ‘يتوقفوا عن قتل بعضهم البعض’. واضاف بوتين ان ما تحتاجه سورية هو التوصل لوقف اطلاق النار، وناشد الغرب التوقف عن التعامل مع الوضع السوري بعاطفية على الرغم من تزايد اعداد القتلى وقصص انتهاكات حقوق الانسان.
اشكاليات الثوار ومعضلة النظاموحتى يتوقف اطلاق النار ويتم التوصل لحلول سياسية فان طرفي الصراع يعاني من معضلة، فالهزيمة في بابا عمرو ستقود الى حرب استنزاف لن يكون بمقدور الجيش السوري احكام سيطرته على البلاد فهو وان كان قادرا على تطويق والسيطرة على المدنيين فانه لن يكون قادرا على مواجهة المتطوعين من المدنيين والمنشقين عن الجيش. ويتوقع الجيش الحر ان ‘نصر’ الجيش في حمص سيكون مقدمة لتكرار السيناريو في حماة الى الشمال وادلب. ولكن السؤال ان كان الجيش قادرا على مواصلة الدفع خاصة انه كان عاملا مهما في بقاء عائلة الاسد في الحكم خلال الاربعين سنة الماضية، فقد تم تنظيم الجيش كي يواجه اسوأ السيناريوهات.
وتتوقع المعارضة حدوث تصدع في داخل الجيش كمقدمة لانهياره وهذا لم يحدث بعد على الرغم من الاعداد التي انشقت منذ بداية الانتفاضة قبل عام. وسيظل الجيش عماد النظام حتى يتم استنزافه في حرب طويلة تكون المقاومة المسلحة قد تعلمت فيها من اخطائها ونظمت صفوفها، وقضت على الخلافات وشكلت قيادة مركزية حيث ظلت هذه المشاكل معوقات في حصولها على اسلحة ثقيلة، لانها حتى الآن تواجه جيشا قويا معززا بالسلاح والقيادة الامنية التي ترصد كل شيء بمن في ذلك الضباط غير العلويين ويضاف الى مناعة الجيش السوري ان قياداته وضباطه البارزين هم من الطائفة العلوية، حيث تقوم الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الاسد والحرس الجمهوري بالدفاع عن النظام. والميزة الوحيدة التي يملكها الثوار هي انهم يمثلون غالبية السكان وهذا عامل مهم سيؤدي الى ترجيح كفة الميزان لصالحهم. فبعد عام من الانتفاضة وفشل الحلول الدبلوماسية وتردد الدول في تسليح المقاومة وتماسك النظام وعدم ظهور تصدع في المؤسسة السياسية والعسكرية فان بشار الاسد سيواصل تمسكه بالسلطة. ومما يزيد في تماسك المؤسسة العسكرية هي جماعات ‘الشبيحة’ التي نظمها واغرى اعضاءها بالاجور العالية، وهي التي تقوم بمهام حراسة الاحياء، ومداهمة البيوت والاعتقالات. وعلى المدى البعيد فان انهاك الجيش والانهاك الاقتصادي يعني ان النظام لن يكون قادرا على المواصلة خاصة ان الاحتياطي السوري الخارجي تراجع بشكل كبير، فيما زادت نسبة الانفاق على الجيش.
ومن السيناريوهات المدمرة للنظام والبلاد هي الحرب الطائفية التي بدت مظاهرها بشكل واضح في حمص معقل الثورة ورمز التحدي للنظام. وفي الوقت الحالي ورغم الكلمات البلاغية الصادرة من واشنطن ومجموعة اصدقاء سورية التي لم تتوصل الى حل عملي، يتزايد احباط السكان على الارض. مما دعا بعض الدول العربية، خاصة قطر والسعودية لكي تتقدم خطوات في اتجاه الدعم العسكري، فقد نقلت صحيفة ‘واشنطن بوست’ عن دبلوماسي عربي ان الدولتين تستعدان للتحرك خلال ايام او اسابيع.
وقال ان التأخر حتى الآن في وصول المساعدات له علاقة بمشاكل لوجيستية وليست سياسية.
ويقول ان ادارة باراك اوباما وان لا زالت تتمسك بالحل الدبلوماسي الا انها لن تعارض قرارات فردية من دول لدعم المعارضة بالسلاح. ومهما كان من امر فان درس بابا عمرو قد يكون بداية تحول في اداء الجيش الحر، فالنظام السوري وان لم يعلق على ما جرى في سورية الا ان معلقين مقربين من النظام قالوا ان الجيش كسر ظهر الجماعات المسلحة، واعتبر ‘انجاز’ الجيش نصرا على ‘السعوديين والقطريين والفرنسيين والامريكيين والصهاينة’. وقد يكون المقصود بكسر ظهر الجماعات المسلحة عمليات ‘التمشيط’ التي يقوم بها الجيش، فقد قالت صحيفة ‘الغارديان’ ان هناك تقارير لم يتم التثبت من صحتها عن جثث بدون رؤوس وجثث مقطعة الاطراف في الحقول القريبة من بابا عمرو. وبحسب الشهادات التي نقلتها وسائل الاعلام من حمصيين في بابا عمرو قالوا ان الجيش يقوم بعمليات تفتيش من بيت الى بيت مدعوما بالمصفحات والاسلحة الخفيفة.