مخاوف مواجهة مع إسرائيل وأزمة العراق تجبر «حزب الله» على تجنيد الشباب الصغار في سن 16عاما للقتال في سوريا

حجم الخط
2

لندن ـ «القدس العربي»: في إشارة إلى الأعباء التي يواجهها حزب الله اللبناني في سوريا ، وتوزعه بين متطلبات الدفاع عن النظام السوري والتحضير لمواجهة محتملة مع إسرائيل بدأ الحزب بإرسال مقاتلين أعمارهم لا تتجاوز الـ 16 من العمر للمشاركة في العمليات القتالية في سوريا.
وبحسب نيكولاس بلانفورد، الذي كتب في صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور»، فقادة حزب الله العسكريون كانوا يشترطون بلوغ المقاتل عمر الـ18 عاما ومن هنا فتخفيض عمر المقاتل لعامين قد يشير إلى ان الحزب المدعوم من إيران يشعر بالضغط خاصة ان مقاتليه موزعون على جبهات القتال ضد قوات المعارضة السورية بأطيافها من حلب في شمال سوريا إلى درعا في جنوب، بالإضافة لإرساله مدربين ومستشارين عسكريين للعراق التي تعتبر الساحة الجديدة التي يجد حزب الله مضطرا للمشاركة فيها بعد تقدم قوات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).
ويقول بلانفورد ان قيادة الحزب تحتفظ بالمقاتلين المجربين ومن ذوي التدريب العالي تحضيرا لمعركة قادمة مع إسرائيل، مثل وحدات الصواريخ المضادة للدبابات وفرق الصواريخ ذات المدى البعيد. ولكن المنظمة اللبنانية تجد نفسها اليوم وسط حرب ضد مقاتلين سنة شرسين في الجبال الوعرة في شرق لبنان ومعظم مناطق سوريا بطريقة تقوم بتغيير الدور الذي يلعبه حزب الله في الحرب الأهلية.
وكان حسن نصر الله، الأمين العام للحزب، قد أكد في خطابه الأخير على التهديد الذي تمثله جماعات مثل داعش على منطقة الشرق الأوسط. وأكد ان الخطر وجودي «وليس مزاحا». وكان نصر الله يتحدث يوم الجمعة الماضي في ذكرى حرب تموز/يوليو 2006 مع إسرائيل حيث حدد ملامح الخطر الذي تمثله «من تطلق على نفسها اسم الدولة الإسلامية» والتي ارتكبت مجازر ولم تفرق بين سني وكردي وشيعي وما إلى ذلك من حديث نصر الله.

جبهة جديدة

ولكن تقدم داعش في شمال وغرب العراق وتهديده للعاصمة بغداد أدى لانكشاف ظهر النظام السوري وداعمه حزب الله، حيث رجع المقاتلون العراقيون الشيعة للعراق وهو تطور استفادت منه جماعات المعارضة السورية في منطقة جبال القلمون وحول دمشق.
وكان حزب الله قد قاد عمليات مواجهة الجماعات المقاتلة في السلسلة الجبلية المتاخمة للبنان، واستمرت العملية من تشرين الثاني/نوفمبر 2013 وحتى نيسان/إبريل العام الحالي. لكن اندلاع القتال من جديد أعاد الحزب من جديد للمنطقة بل وانتقل القتال للبنان، حيث يواجه الحزب ألآلاف من المقاتلين السوريين واللبنانين المصممين جاءوا من فصائل متعددة بمن فيها جبهة النصرة التي تمثل تنظيم القاعدة في سوريا.
وصمد المقاتلون السنة في الجبال الشرقية قرب بلدات نحلة ويونين الشيعية ومدينة عرسال السنة التي تعتبر الممر الآمن والمهم لإمداد المقاتلين السوريين، إضافة للبلدة المسيحية راس بلعبك. ودخل الجيش اللبناني في القتال عندما هاجم المقاتلون عرسال في 2 آب/أغسطس وبعد اعتقال قيادي كبير في جبهة النصرة.
ويقول أشخاص مقربون من حزب الله ان مقاتليه أطلقوا قنابل الهاون والقذائف المدفعية على الجبال المحيطة بعرسال ودعموا الجيش اللبناني. وبحسب رجل أعمال اسمه أبو علي من بلدة الهرمل «فقد استخدم حزب الله طائرات الاستطلاع للعثور على مقاتلي الدولة الإسلامية في الجبال ومن ثم قام بإطلاق الصواريخ عليهم».
وتم إطلاق صواريخ «غراد» على عرسال من بلدة حوش السيد علي قرب الهرمل. ورغم كل هذا عانى حزب الله من خسائر كبيرة على يد مقاتلي المعارضة الذين تمرسوا على القتال خلال 3 أعوام من مواجهة النظام السوري. ولم تتوقف جنازات مقاتلي حزب الله، ففي الشهر الماضي دفن مقاتلان في جنازة جماعية في حارة حريك الشيعية في بيروت.
وكان عمر أحدهما وهو محمد عوادة لا يتجاوز الـ16 عاما. وفي الماضي كان حزب الله يسمح للشباب دون سن18عاما الانضمام في برامج شبابية وتلقي تدريبات عسكرية بسيطة ولكنه لم يكن يرسلهم للجبهات قبل بلوغهم سن الـ 18 عاما. وبالنسبة لعوادة فقد قتل في معركة قرب نحلة، حيث تم نشر وحدة حارة حريك المكونة من 40 مقاتلا قرب بلد نحلة بعد سيطرة فرقة أخرى تابعة لحزب الله عليها.
واستفاد المقاتلون السوريون من الطبيعة الوعرة للمنطقة وشنوا هجوما مضادا من منطقة قريبة، واكتشفت وحدة حارة حريك انها ليست مجهزة بالقدر الكافي، فلا ذخيرة كافية ولا أجهزة اتصالات ولا حتى مناظير لتحديد القناصة.
واستمرت المعركة لخمس ساعات ضد 250 مقاتلا سوريا.
واعترف أحد مقاتلي حزب الله شارك في الحرب الأهلية 1975- 1990 بانها كانت المعركة الاشد التي شارك فيها. وانتهت المعركة عندما وصلت وحدة انتشار سريع سمعت إطلاق النار، وتم إجبار المقاتلين السنة على الانسحاب من المنطقة ولكن بعد تكبيد وحدة «حارة حريك» عشرة من عناصرها وجرح عشرين بمن فيهم المحارب القديم الذي جرح في رجله.

«داعش» و«حزب الله»

وما دام حزب الله يواجه عدوا شرسا ممثلا بالجهاديين خاصة، داعش أو الدولة الإسلامية فلا بد من التنويه إلى تحليل للمخابرات الأمريكية حول طريقة إدارة الدولة الإسلامية كما صارت تعرف المناطق التي تسيطر عليها.
ويشير يوتشي دريزن في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية إلى ان الدولة الإسلامية على ما يبدو تبنت وسائل عمل بها أولا حزب الله في لبنان والتي تقوم على تخصيص مصادر بشرية ومالية كبيرة من أجل الحفاظ على الخدمات الرئيسية في المناطق التي تديرها مثل الماء والكهرباء وشبكة المياه الصحية، بل وتقوم الدولة في بعض المناطق بتشغيل مكاتب البريد. وقامت الجماعة الجهادية بإنشاء نظام محاكم كي تقوم من خلاله بتطبيق وتنفيذ أحكام تصدرها بناء على الشريعة الإسلامية، التي تنفذ من خلالها الحدود.
و في الوقت نفسه سمحت الدولة الإسلامية بشكل عام للبيروقراطية المحلية الاستمرار بعملها من مثل تلك العاملة في القطاع الصحي والمستشفيات ودوائر الشرطة وعمال البلدية حسب تقارير المسؤولين الأمنيين.
واختارت الدولة في بعض المناطق رؤوساء بلديات لإدارة الشؤون المحلية للمدن وأبقت على الآخرين في مراكزهم.
وفي حالة النظر لكل هذه النشاطات فانها تعطي فكرة عن استعداد الدولة التي تقوم على قوات مسلحة تسليحا جيدا ولديها خزينة قادرة على تمويل نشاطاتها اليومية ودفع رواتب المقاتلين وكذا الانفاق على عملياتها العسكرية.
ويرى الكاتب ان الدولة الإسلامية تظهر تكيفا مع واقع الحكم . ويقلل هذا الوضع من إمكانيات تعرض الدولة لمعارضة داخلية طالما تقوم بتوفير الخدمات اليومية للسكان الذي يعيش في ظل حكمها.
ويقلل من أهمية النظرية التي تؤمن بها بعض الدوائر ومنها حكومة نوري المالكي الذي سقط بسبب الانهيار السريع لقواته في الموصل، حيث حاول المؤيدون لهذه الحكومة المسؤولة عن الأزمة في العراق وصعود داعش تصوير هذا الأخير بانه مجموعات من المقاتلين الغزاة الذين يغيرون على مناطق ويهربون كعادة القبائل البدوية في الماضي.
ويتناسى هذا التحليل تأييد القاعدة السنية للتطورات الأخيرة لانها رأت فيها بديلا وان كان سيئا عن حكم المالكي الجائر.
وينقل التقرير هنا عن الخبير في مجال مكافحة الإرهاب ديفيد كيلكولين الذي عمل مع قائد القوات الأمريكية ديفيد بترايوس أثناء احتلال العراق 2003- 2011 «يعتبر داعش من أخطر الجماعات الإرهابية في العالم لانه يجمع بين القدرات القتالية للقاعدة والقدرات الإدارية لحزب الله». وأضاف «من الواضح ان لديهم ـ داعش- أجندة لبناء الدولة وفهما لأهمية الحكم الفاعل».
ولاحظ التقرير ان الدولة الإسلامية قامت في بعض المناطق بفتح المستشفيات وتعبيد طرق جديدة وبدأت خدمات نقل وفتحت مدارس للتأهيل ـ على الاقل للأولاد- وأعلنت عن برامج للأعمال التجارية الصغيرة التي قصد منها دعم الاقتصاد المحلي.
وفي سوريا حيث يعتبر الخبز مادة الطعام الرئيسية، ركز المتشددون على إدارة مطاحن القمح والمخازن للتأكد من توفر الخبز وبكميات كافية لإطعام السكان. كما وتركز الجماعة على أهمية الإدارة الفاعلة على الأقل حسبما يرونه مناسبا. ويشير الكاتب هنا لدعوة أبو بكر البغدادي- الخليفة إبراهيم- في أول خطاب له بعد «فتح» الموصل العلماء والوعاظ والقضاة والأطباء والمهندسين ومن لديهم خبرات عسكرية وإدارية المساعدة في إدارة المناطق الواقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية.
ويقول دريزن ان هذه ليست مجرد خطب فقط، فبعد السيطرة على الموصل قام البغدادي بنقل مدير مستشفى الرقة في سوريا لتولي منصب مدير مستشفى الموصل حسبما يقول كيلكولين.

أتعامل مع دولة

وفي الرقة التي تسيطر عليها الدولة منذ عدة شهور لا تزال شرطة المرور في الشوارع ويدفع السكان الضريبة للدولة الإسلامية التي تعطيهم إيصالات تحمل شعارها.
وقال صاحب محل مجوهرات لمراسل صحيفة «نيويورك تايمز» ان الضرائب تظل أقل من الرشاوى التي كانت تدفع لمسؤولي نظام بشار الأسد حيث قال «أشعر بانني أتعامل مع دولة محترمة وليس بلطجية».
كما قامت الدولة الإسلامية بمعركة لكسب القلوب والعقول، حيث قامت بتنظيم احتفال عام ويوم للألعاب في الموصل حيث نظم أفراد التنظيم مباريات كرة قدم ومسابقات حفظ القران الكريم. ويقول كيلكولين ان الدولة الإسلامية «تفكر كأنها دولة».
ولا يخفى ان محاولات مثل هذه كافية لتوسيع قاعدة الدعم الشعبي للدولة الإسلامية التي أظهرت أيضا تفوقا في مجال إعلام التواصل الإجتماعي ففي الوقت الذي كان فيه تلفزيون» العراقية» الرسمي يبث الأغاني الوطنية كانت الدولة تقوم بحملة على الانترنت والتويتر وأصدرت مجلة ناطقة بالانكليزية بل وعندما ظهر أبو بكر البغدادي في المسجد النوري حرصت الدولة على ترجمة خطبته لأكثر من لغة حية، مثل الألمانية، الفرنسية والانكليزية .
ويبدو ان شعبية وقدرة التنظيم هي التي دفعت دولا مثل السعودية لتغيير سياستها تجاه الإرهاب. وكما تشير لوري بلوتكين بوغارت في دراسة حول سياسة السعودية في مكافحة الإرهاب نشرها معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدني والتي جاء فيها ان قلق الرياض من الدعم الشعبي السعودي لها ظهر من خلال استطلاع غير رسمي على شبكات التواصل الإجتماعي والذي أظهر اعتقاد الغالبية باتباع داعش لقيم وقوانين الإسلام.
ومن أجل هذا تخطط السعودية إجراء دراسة مسحية حول موقف السعوديين من الخلافة التي أعلنت في حزيران/يونيو، وهذه الدراسات المسحية تعتبر نادرة في المملكة مشيرة لاستطلاع أجري في عام 2009 وأظهر ان نسبة 20٪ من السعوديين عبروا عن مواقف مؤيدة أو محبذة للقاعدة.
وأدى خوف السعودية من شعبية داعش لاتخاذ سلسلة من الإجراءات منها تجفيف منابع داعش في السعودية ووقف تبرع مواطنين لها ووصم كل من تثبت علاقة له معها بالإرهاب والتحقيق معه، فقد حققت مع خطباء ودعاة لم يشجبوا القاعدة بما فيه الكفاية ووسعت من حملتها ضد جمع التبرعات وأصدرت تشريعات تجرم كل من يشارك في القتال مع جماعات إرهابية، وحشدت الآلاف من قواتها قريبا من الحدود مع العراق، فداعش لم تعد بعيدة عن الحدود السعودية.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية