مختار العطار: أربعون عاما في خدمة التشكيل المصري
واحد ممن نبشوا جذور الحداثة الغربية، وممن أسسوا تربتها في التشكيل المصريمختار العطار: أربعون عاما في خدمة التشكيل المصريالقاهرة ـ القدس العربي من محمود قرني: كمثل حياته الهادئة، رحل عن عالمنا الناقد مختار العطار عن عمر يناهز الخامسة والسبعين، بعد رحلة طويلة من المتابعة الدؤوبة للفن التشكيلي في مدارسه الغربية والعربية، وعدد ضخم من الكتب النقدية والأفلام التسجيلية عن حياة وأعمال كبار الفنانين التشكيليين.اهتم العطار بالروافد التحديثية التي أثرت الفن المصري الحديث وكان يعتبر قضية التحديث قديمة قدم الزمان، ويري الحضارة كوجه من وجوه مقوماتها المادية والمعنوية، لذلك كان داعية للتكيف مع أساليب تحديث الحياة والوعي بضرورة مواجهة المتطلبات الجديدة، ويقول ان العصر هو جماع الافكار والمباديء السائدة، وليس مجرد وجود زمني يقاس بأعوامه وشهوره ودقائقه وثوانيه، وعلي الخلفية الفكرية التي هي العصر، تجيء مطالبة الناس بأن يكونوا مبدعين، أي معاصرين، والحداثة ترتبط بالابداع، أي ابتكار سلوك يتكيف مع البيئة الجديدة، والفن جزء من أنماط السلوك الانساني الذي تتغير أشكاله بتغير العصور.ويري العطار أن تطور الأسلوب كأساس ومقياس للحداثة يناهض فكرة الالتزام بالواقع وما يجري فيه من أحداث خشية أن يسقط الفن في مصيدة الدعاية. ويؤكد العطار في مقال بعنوان الالتزام والحداثة أن الرؤية الحضارية تشمل الشكل والمضمون معا، من حيث انهما وجهان لعملة واحدة، يري أن قصر الحداثة علي تطور الاسلوب ينشط المناقشة حول قضية الفن للفن التي بدأت في القرن التاسع عشر ولم تنته حتي الآن.وينقل العطار عن جان بريتلمي مقولة أعاد انتاجها عن جوستاف فلوبير يصف فيها رواية البؤساء لهوجو بانحطاط متعمد في الأسلوب وذلك بسبب توجهها الي من سماهم حشرات الكاثوليكية الاشتراكية .ويقول فلوبير حول ذلك: ان أخلاقية الفن تنحصر في الجمال ذاته، فهو ليست له موضوعات جميلة وأخري قبيحة، ما دام الاسلوب وحده طريقة مطلقة لرؤية الأشياء ، ويري العطار أن اغفال الموضوع وعدم الالتزام بقضايا الحياة، والاقتصار علي الابتكارات الشكلية والأسلوبية، ومهارة الصنعة بلا هدف، هذا الاغفال فتح الباب لغير الفنانين وتعذر التفريق بين الصادق والمدعي، وينقل في المقال ذاته عن الناقد فرانسوا مولينار قوله: اذا كان كل شخص هو بطرس، فان بطرس لا وجود له، أي أننا اذا اعتبرنا أي نشاط ابداعي بلا موضوع فنا، فلا وجود للفن اذاً، ويعقب العطار علي ذلك بقوله: الحداثة من حيث الاسلوب لا تستهدف ذاتها انما تستهدف التعبير عن مضمون، سواء كان ذاتيا كما لدي التأثيريين أو موضوعيا كما في لوحات سيزان .وحول الفن والمنفعة كتب العطار واحدة من أهم دراساته حيث يرصد فيها تطور النسيج الروحي البشري وانتقالاته بين الحياة المادية والروحية ويبدأ من الانسان الأول الذي كشط الزيادات من فروع الشجر وقطع الزلط، ليستخدمها كسلاح يضرب به الأعداء ويصطاد الفرائس، فاكتشف العلاقة بين الشك والوظيفة، ويقول مختار العطار ان علاقة الانسان بالفن التطبيقي لتيسير سبل الحياة المادية، وبالفن الجميل للسمو بالحياة الروحية والنفسية، وينقل عن كولنجوود أن الصفة السحرية لصيقة بالعمل الفني الأصيل، الا أن هناك نظرة ثالثة يرصدها العطار ويراها بعيدة عن النفع المادي والهدف السحري، هي الادراك الاستطيقي للموضوعات، أي التأمل لمجرد التمتع ومصطلح استطيقا يعني الانسجام. ويضيف أن الادراك الاستطيقي أو الادراك الفني لا يقتصر علي الأعمال الفنية وحدها بل ينسحب علي الطبيعة ايضا.وظل العطار يؤمن بفكرة القيمة الأخلاقية في الفن في ظل التجليات المختلفة للحداثة، وكان يري أن بعض الحركات الفنية التي تبنت افكارا فردية متطرفة، ولاقت استجابة واسعة في ظروف عالمية مهيأة للتمرد، الا أن عجز الفن عن تزويد البشر بالقيم الأخلاقية التي تكبح جماح المشاعر العدوانية والدموية صعد بجماعات الشباب الي العديد من الانتفاضات التي ثارت علي الادراك المستحدث منذ طليعة القرن، يشمل ذلك سيزان وبيكاسو وبراك وبوتشيون وكاندينسكي، الذين ثاروا علي المسلمات السابقة التي تقولب التفكير وتحرمه من ايجاد علاقات جديدة.ويدلل العطار علي ذلك بعدد ممن تبنوا ثورة الحداثة في القرن العشرين عبر حركة الدادا التي يصفها بأنها هبت كالعاصفة ما بين عامي 1916 و1923 لتؤجج الروح الخلاقة وتطرح العديد من الأشكال الفنية الجديدة، حيث بدأت في مدينة زيورخ بسويسرا في منتصف شباط (فبراير) وما لبثت أن ذاعت في معظم العواصم الكبري مثل نيويورك، برلين، برشلونة، هانوفر، باريس، روما، كولونيا وغيرها.ويركز العطار علي هذه المدرسة لأنه يري تأثيرها الجذري المستمر الي يومنا هذا في كل الأشكال المستحدثة للتشكيل في العالم، رغم أنه يصف الحركة بأنها لم تكن حركة بالمعني التقليدي فهي ليس لها شخصية موحدة محددة المعالم لكنها ـ حسب العطار ـ ذات شكل أخلاقي مبادر وخلاق، أسفر عن أساليب تعبيرية غير متوقعة، اختلفت باختلاف البلدان والشعوب، ايجابية تارة وسلبية أخري.وبشكل آخر فان مختار العطار كان يؤمن بأن الحداثة ليست صفة دائمة للشيء، فالحديث اليوم قديم غدا ـ حسب تعبيره ـ ويضيف ايضا: ليس كل جديد في الفن يعني الحداثة، لأنه لا يلبي بالضرورة احتياجا فكريا أو روحيا أو ماديا، كما أنه ليس مفاضلة بين مدرسة فنية وأخري كأن نقول: التجريدية حديثة والواقعية قديمة، ما دمنا نستهدف الانسان وليس السلعة، ويضيف العطار أن الهدف دائما هو الارتقاء الثقافي الي مستوي مدركات العصر، وهو ما ينبغي للحداثة أن تفعله، أي تبتكر من الأساليب ما يساعد الانسان علي التكيف مع الظروف المستحدثة، وهو ما يراه انجازا لمعظم المدارس الفنية الحديثة مثل التكعيبية، والمستقبلية والتجريدية، حيث جاءت ملبية للاحتياج الفكري والوجداني للانسان حين تغير تذوقه للحياة وادراكه لها.ومع ذلك يرصد العطار مفارقات مختلفة علي صعيد آخر حيث يتساءل تحت عنوان متي تكون الحداثة مرمرة؟ ويجيب قائلا: قد يتسم الاسلوب الفني بالحداثة في مجتمع معين ويكون هو نفسه بدعة بلا جدوي في مجتمع آخر مختلف الثقافة بما تتضمنه من عادات وتقاليد ومعتقدات ولغة وتراث، يعلل العطار ذلك بالقول: ان هذه الأبعاد تفرض ضوابط ومعايير لما يتطلبه المجتمع من حداثة، تساعد علي نموه وتطوره حتي يتكيف مع البيئة الحضارية الجديدة، لذلك يرتبط الابداع الفني بالتراث المحلي والا أصبح عقيما، ويتساءل علي هذا الصعيد: ما جدوي أن ينشغل واحد من قبائل الايبو أو اليوروبا في أواسط غرب افريقيا بالبحوث الرياضية البحتة، بينما لا يأمن قومه علي أنفسهم من الضواري والأفاعي والحشرات، فضلا عن افتقارهم الي لغة مكتوبة، وينقل العطار عن ريجنالد فولدي قوله: توجد علي أرضنا مجتمعات في مستوي العصر الاسفيني، تعيش تكنولوجيا زراعة العصر الحجري، بينما مجتمعات اخري تستخدم الحاسبات الاليكترونية لهبوط سفن الفضاء علي الأجرام السماوية، وهو الأمر الذي يخلق تناقضا فكريا يزداد سرعة ومأساوية.ويعقب العطار علي ذلك بتأكيد فكرته من أن ما يعتبر حداثة في فنون مجتمع صناعي متقدم، لا يعتبر كذلك في فنون المجتمعات النامية نظرا لاختلاف نوعية الثقافة، ويقول مردفا: ما نراه من نزعة بعض فناني العالم الثالث الي تقليد فنون الغرب بدعوي الحداثة، قد يلعب دورا عكسيا لأنه لا يلبي الاحتياجات المحلية والفكرية، بل يشيع الاكتئاب الاجتماعي الذي تحدث عنه ريجنالد فولدي .وحول حدود الحداثة ظل مختار العطار علي قناعته بأن كل العالم المتقدم والمتخلف يمر بمرحلة انتقال كبري لم يسبق لها مثيل فحشد المعارف الجديدة يفوق كثيرا درجة التغير الثقافي الذي يواكبه ـ حسب العطار ـ ولم تتحول ـ بعد ـ المدركات الجديدة الي سلوك عام وتصبح من تقاليد الحياة اليومية، وينوه إلي أن الطابع الانتقالي هو سمة الجنس البشري منذ دب علي هذا الكوكب فهو في حركة تقدم مستمرة لا تتوقف، تبطيء أحيانا فتتخذ طابع الاستقرار، وينقل عن شارل بودلير قوله ان جميع أشكال الجمال تتضمن عنصرا دائما وعنصرا انتقاليا، عنصرا مطلقا وآخر خاصا، ويعقب علي ذلك قائلا: انه اذا كانت الحداثة في الفن أسلوبا وشكلا ونوعا جديدا من الجمال، فهي ليست مطلقة، انما تختلف باختلاف الأمم، وباختلاف الزمان والمكان والثقافة والتراث .وقد ولد مختار العطار في الثالث من ايلول (سبتمبر) عام 1922 في مدينة طهطا بمحافظة سوهاج بصعيد مصر، وظل حتي رحيله يشغل موقع نائب رئيس الجمعية المصرية لنقاد الفن التشكيلي، وكان قد التحق عام 1939 بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول جامعة القاهرة حاليا ، بقسم اللغة الانكليزية، وفي العام التالي انتقل الي مدرسة الفنون الجميلة العليا، ليتخصص في فن التصوير الزيتي، حيث تتلمذ علي يدي الفنان الرائد يوسف كامل، وتخرج عام 1947، كما شارك خلال دراسته في نشاط اتحاد الطلبة محررا في أول مجلة للفنون الجميلة، ثم التحق عقب تخرجه بمعهد التربية للمعلمين، وحصل علي الدبلوم عام 1949، حيث عمل مدرسا بالتعليم العام، كما عمل في نفس الوقت محررا ورساما وسكرتيرا للتحرير بمجلة القصة نصف الشهرية، حيث بدأ نشر قصصه القصيرة، والتحق عام 1960 بالدراسات العليا في علم النفس بكلية التربية وحصل علي شهادة الدبلوم الخاصة.كما عمل مختار العطار بالتليفزيون منذ عام 1961، حيث أعد برامج فنون عالمية وحياة فنان، ثم البرنامج الأسبوعي الفن والحياة طوال سبع سنوات متواصلة.كذلك أعد وأخرج سبعة وعشرين فيلما تسجيليا للتليفزيون، عن حياة وأعمال أهم الفنانين المصريين ومن بينهم الراحلون: راغب عياد، جمال السجيني، سعيد الصدر، سيف وانلي، محمد حسن، عبدالعزيز دروش، أحمد عثمان، شعبان زكي، سعد الخادم، عبدالفتاح عيد، حسني البناني، فؤاد كامل، حامد ندا، وهي ـ تقريبا ـ الأفلام الوحيدة التي تصورهم أحياء بين عامي 1963، حتي 1966. وقد أعد مختار العطار لاذاعة الشرق الأوسط خلال عامي 1970ـ 1971 برنامجا يوميا بعنوان فنون تشكيلية وكان قد بدأ منذ نفس الفترة نشر مقالاته ودراساته النقدية في المجلات والصحف المصرية.كما عمل في الفترة من 1976 حتي 1980 بدولة الكويت حيث واصل الكتابة للتليفزيون والاذاعة ومجلة الكويت عن الفنون الجميلة.وقد أصدرت له مؤسسة روزاليوسف كتاب ساحر الأدائي سعيد الصدر عام 1979 ضمن سلسلة الكتاب الذهبي، وقد ظل العطار يعمل ناقدا فنيا بمجلة المصور الأسبوعية التي تصدر عن دار الهلال، وقد ألقي منذ 1984 العديد من المحاضرات حول تاريخ وفلسفة الفنون الجميلة، في الكليات والمحافل الفنية، وأسهم بالعديد من البحوث والدراسات في اللقاءات والمؤتمرات الدولية، كما أصدر عام 1988 كتابه ليالي القاهرة عن حياة وأعمال الرسام رشدي اسكندر بالاضافة الي كتابه المهم الفن والحداثة بين الأمس واليوم الذي صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1992، وهو الكتاب الذي اعتمدنا عليه في قراءة التوجهات النظرية لمختار العطار، حيث يتضمن عددا من الموضوعات المهمة والمثيرة مثل: الالتزام والحداثة، اللا محاكاة، التلفيقية، والفن والمنفعة، الدادية واللا فن، الباوهاوس، تغير الواقع المرئي، حدود الحداثة، التقدم العلمي والحداثة، تجريدية كاندينسكي الي آخر هذه الموضوعات التي أثرت في توجهات وتشكيل الناقد الراحل مختار العطار.QTS0