مخطوطات صحراء الأطلس الافريقي في خطر: هل من مشاريع لإنقاذها؟

نهاية أي دولةٍ في التاريخ تكون بحرق مخطوطاتها، وترسيخ أقدام هذه الدولة عند قيامها، كان بجمع المخطوطات وتشييد المكتبات لها.
ابدأ بهذه الجملة التي سيتيح لي مناقشة موضوع احتراق المخطوطات في صحراء الأطلس الافريقي الكبرى، إثر الفاجعة التي ألمت بي وأنا أرى في حزنٍ عميقٍ ما أسفر عنه احتراق خزانة المخطوطات والوثائق التاريخية التابعة لعائلة إبراهيم لولاية عين صالح في جنوب الجزائر في صورٍ انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي يتمزق القلب حسرة عليها، ويندى لها بالأسف الجبين.
وإذا كان توقيت الرابعة صباحا مشبوها من فجر 13 يناير/كانون الثاني من هذا العام؛ لحظة تفطن الجيران بوجود النار، قبل تلقي صاحب الخزانة مكالمة هاتفية تخبره بتصاعد ألسنة اللهب من مقر خزانته التاريخية، فإنه من المؤسف أن يذكر بيان خزانة إبراهيم أن ثلثي المخطوطات، ذهب أدراج الرياح لما يعادل 1232 مخطوطا، فيما تم الاحتفاظ بثلثٍ آخر في صيغته المرقمنة. ويذكر البيان نفسه أن الخزانة كانت تضم في الأصل 1832 مخطوطا، منها 400 مخطوط رقمنه المركز الوطني للمخطوطات بأدرار و200 مخطوط رقمنته جامعة أدرار، لكنه احترق كلية. ولعله من المفيد التذكير بأنه قبل سنتين؛ احترقت في ولاية أدرار نفسها يوم 22 أغسطس/آب 2021 مخطوطات مولاي العباس بن مولاي عبدالله الرگاني في بودة التي ترقى إلى 1963 مخطوط.
لقد ظلت المخطوطات لقرونٍ جزءا أساسيا من هوية الدول الأطلسية الافريقية وصحرائها الكبرى، وقد عرفت هذه المنطقة تجارب في جمع الوثائق، ولعل أحد أهمها بيت الحكمة في القيروان، الذي تأسس بتأسيس الدولة الأغلبية زمن الأمير الأغلبي إبراهيم الأول (757 – 812) هذا الذي يقول عنه بن عذارى المراكشي: «كان فقيها، عالما، شاعرا، خطيبا، وذا رأي وبأس وشجاعة». وكان إبراهيم الأول كلما أوفد إلى العباسيين رسولا لتجديد البيعة لهم، يستقطب من عاصمتهم نفائس الكتب، حتى عدت القيروان بعد تطورها وكثرة علومها نديدة بغداد.
وقد استتب بالأطلس الافريقي أول خط سمي بالخط القيرواني ذي الأصل الكوفي، يرْسم بقلم عريض يسمح بالحفاظ على هندسةٍ واسعةٍ لأجزاء الحرف الواقعة فوق السطر وعلى هندسةٍ أدق تحته في تناسبٍ قل له نظير، وهو نفسه الذي فصل به أحمد بن علي الوراق القيرواني (1020 ميلادي) مصحف الحاضنة التي تولت رعاية المخطوط وتمويل صناعته وتذهيبه وتجليده. وفاطمة الحاضنة سيدة أشرفت على تربية الأمير الأمازيغي أبي مناد باديس بن المنصور في بلاط عائلته الصنهاجية.
وضعت هذه المكتبة الحجر الأساس للحركة الطبية، في ما بات يعرف بـ»المدرسة القيروانية» التي حافظت على وهجها لمدة ثلاثة قرون متوالية، وتذكر كتب التاريخ أن النتائج التي كان يصل إليها الأطباء القيروانيون سرعان ما كانت تنتقل إلى جنوب إيطاليا، حيث أنشأ الملوك النرمنديون دير منتي كاسينو (Mont Cassino) حيث تكفّل قسطنطين الافريقي (Constantino Africano) بترجمة كتبهم إلى اللاتينية، ما سهل من انتشارها في أوروبا وتدريسها في جامعات نابولي (Napoli) وبولونيا (Bologna) وبادوفا (Padova) حتى صارت حقا سببا من أسباب انطلاق النهضة العلمية في أوروبا بكاملها. ذكر حسن الوزان (Léon l›Africain) في رحلته الافريقية المعروفة، أنه رأى في تونس ترجمة عربية لكتاب بلينوس (Plinus) الروماني المشهور في علم النبات، وهو كتابٌ اعتمده الأطباء العشابون، سواء في الأندلس عن طريق ابن البيطار، أو في منطقة الأطلس الافريقي تحديدا.

عند دخول العثمانيين الجزائر وتونس واحتلال الفرنسيين لكل دول الأطلس الافريقي، وبعد سقوط عصر الأمراء والسلاطين، تشتت المخطوطات وانتشرت في فضاء الصحراء، واتخذت لها مراكز من نوعٍ آخر، وهي الكتاتيب والزوايا الدينية، التي أعطت قبل ذلك البيعة للسلاطين، من خلال الطرقية الصوفية، ثم ما لبثت أن استقر الحكم القبلي بها، لاسيما بعد سقوط شرعية الخليفة.

مكتبةٌ أخرى تعتبر نموذجا مدهشا في منطقة الأطلس الافريقي وهي الخزانة المنصورية التي عمرها أحمد المنصور الذهبي، سابع سلاطين الدولة السعدية وأعظمهم، ومشيد القصر البديع في مراكش (ولد عام 1549 في فاس- وتوفي عام 1603 في ضواحيها) ولم يكن حاكما حسب، بل شاعرا ومتصوفا وكاتبا حكيما في علم السياسة والملك، وعارفا بعلوم الدين، ومهتما بالرياضيات وراعيا للفنون والعلوم والآداب. وقد جمع هذا السلطان آلاف المخطوطات التي عرفت بالسلطانية، فأرسل العارفين بها إلى مصر والشام لجلبها، كما أمر خطاطيه بإعادة نسخ العناوين وتصنيفها في هذه المكتبة. للأسف، نقلت هذه المخطوطات إلى مكتبة الأسكوريال في إسبانيا بعدما تم السطو عليها وهي على باخرة في المحيط، وهي مخطوطات ذهبت أوراق كثيرٍ منها أدراج النار التي اشتعلت في هذه المكتبة الإسبانية في ما بعد. وقد عرف العثمانيون منذ تأسيس دولتهم هذا التقليد أيضا، وكان يحرص كل سلطان أو وزير على بناء مسجد ومدرسة ومكتبة للمخطوطات، فجلبوا من جميع الأقاليم التي سيطروا عليها المخطوطات النفيسة، لاسيما من الشام ومصر والعراق ومن شمال افريقيا، بعدما وفدوا على جزءٍ كبير منها. وقد عمر السلطان سليم الأول مكتبة زاخرة، وهي المكتبة السليمية في أدرنة، وكذلك الشأن نفسه بخصوص مكتبة السليمانية نسبة إلى السلطان سليمان القانوني في إسطنبول، ومكتبات من قبله من السلاطين كمحمد الفاتح وبايزيد وأحمد الثالث. ولا ننسى أن للوزراء منهم حظا من هذا التقليد، كراغب باشا، وشهيد علي باشا وكوبريلي باشا، ثم لمشايخ الإسلام في دفاترهم كدفتر أسعد أفندي، ودفتر عاشر أفندي، وولي الدين أفندي، وغيرهم.

عند دخول العثمانيين الجزائر وتونس واحتلال الفرنسيين لكل دول الأطلس الافريقي، وبعد سقوط عصر الأمراء والسلاطين، تشتت المخطوطات وانتشرت في فضاء الصحراء، واتخذت لها مراكز من نوعٍ آخر، وهي الكتاتيب والزوايا الدينية، التي أعطت قبل ذلك البيعة للسلاطين، من خلال الطرقية الصوفية، ثم ما لبثت أن استقر الحكم القبلي بها، لاسيما بعد سقوط شرعية الخليفة. لقد صارت المخطوطات شكلا من أشكال الحصول على السيادة الروحية والسياسية، إزاء القبيلة وعلى الجاه الاجتماعي. إلى غاية وقتنا الحاضر، لا يزال منطق القبيلة مسيطرا لاسيما في جنوب الجزائر وشمال مالي، وهو ما يفسر رفض القبيلة تسليم المخطوطات للدولة، فمركزيتها الروحية أعلى بكثير وأجل وأعظم. وخلاف تونس والمغرب اللتين باشرتا في توفير مؤسسات لحماية المخطوطات، فإن واقع حماية المخطوطات في الجزائر في خطر.
هذه الظاهرة القبلية نجدها متجلية أيضا في المكتبات التي تحتضن مخطوطاتٍ أمازيغية كخزانة محمد بن مبارك الأگاوي الموجودة في أگادير، والتي تضم معجمين في العربية والأمازيغية. وينبغي أن لا ننكر أن المخطوطات الأمازيغية تعاني التهميش منذ القدم لقلة المهتمين بها، حتى تحولت في الأخير إلى مجرد مجموعات تحتفظ بها عائلاتٌ في جبال الأطلس وجنوبها، خلاف المخطوطات العربية التي اعتمدتها الدول كخطاب سياسي يوطد من علاقة الحاكم بالشرعية السماوية. وفي الواقع، فإن تجربة جمعة الماجد، تعد معيارا أساسيا في جمع المخطوطات في شكلٍ سريع ضمن مشروع الصحراء الكبرى لدول الأطلس الافريقي، تحقيقا لهدف رقمنتها وتوفيرها للباحثين على شكل قاعدة بيانات إلكترونية. وقد اقتنى جمعة الماجد من خلال أسفاره الكثيرة العديد من المخطوطات فاجتمعت لديه خزانة سرعان ما ضمها إلى مركزٍ قام بتأسيسه لهذا الغرض في دبي.
تتناسب رؤية مركز جمعة الماجد مع السياق الذي توجد عليه مراكز مخطوطات الأطلس الافريقي، وهي مراكز مهترئة وهشة وغير متناسبة مع المحيط، لاسيما بسبب إهمال الدولة من خلال غياب دعمها المادي لهذه الخزانات الفردية، بسبب الاختلال الاجتماعي الناتج عن التحولات الطبقية، بسبب انتقال مراكز المعرفة من الصحراء إلى الشمال، بسبب التغير المناخي الذي بدأت علاماته تظهر بادية للعيان، أو سبب الحروب التي شاهدنا آثارها في مركز تمبكتو للمخطوطات في مالي. وينبغي أن لا نغفل تصريح بيان خزانة إبراهيم في عين صالح، الذي يقول إن هذا الحريق كان بسبب طبيعة الغرفة المبنية بالطريقة التراثية ويقصد (الترابية) وبأسقف من خشب النخيل، ففي هذا دليل واضح على الإهمال الكبير الذي يعاني منه هذا النوع من الخزانات الصحراوية جنوب دول الأطلس الافريقي، لاسيما الجزائر.
وإنه لمن المستحسن التفكير في التنسيق افريقياً بخطة لا تعمل على الاحتفاظ بالمخطوط العربي وحسب، وإنما أيضا بالمخطوط الأمازيغي أيضا، الذي يعد مهما لإنجاز بحوث تاريخية وثقافية وعلمية في رصد تفاعل الثقافتين وانسجامهما معا في شكلهما المخطوط. وبهذا، يكون تشييد مؤسسات للمخطوط الأمازيغي من الألزم الأوثق والأوجب المطلق.

أكاديمي وكاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية