مخلوقات فلسطينيّة من النوع الثالث
فــاروق واديمخلوقات فلسطينيّة من النوع الثالثلم تكفّ الأسود التي تزأر في الفضائيات، هنا وهناك، عن زئيرها، من غزّة إلي جنين، مُحرّضة الدم علي الدم، وحجارة الصوان علي مزيدٍ من الاحتكاك، والريح علي إذكاء النيران الجهنميّة التي لا تُبقي ولا تذر. الأصوات المفتونة بزئيرها، لم تلتفت في معظمها، للأسف، إلي أدني أصول الخطاب المخالف، أو ما يمكن أن نُطلق عليه “أخلاقيات الاختلاف”، حتّي أن أحدها لم يتردد في وصف الرئيس محمود عبّاس، بـ “رئيس سُلطة أوسلو”، وكأن القائل ينتمي إلي قوّة جذريّة صعدت إلي سدّة الحُكم فعملت فوراً علي إلغاء اتفاقيات أوسلو (سيئة السمعة والصيت)!أمّا نحن، الذين لا ننتمي إلي جماعة من تلك الأسُود التي هنا، أو هناك، فلا أدري إن كان سوء الطالع، أو حُسنه، هو الذي قاد أمثالنا إلي ما يُعرف في الساحة الفلسطينيّة بـ “المستقلين”، الذين لا ينتمون إلي أحد الفصائل، ويمارسون قناعاتهم السياسيّة بمعزل عنها، والذين أصبحنا، في هذا الزمن الصّعب، مخلوقات من النوع الثالث! ربما يكون من حُسن طالعنا، نحن هذه المخلوقات البعيدة عن طينة الأسود، أننا نستطيع الادعاء بقدرتنا علي أن ننأي بأنفسنا، في هذا الليل الذي تشتد حُلكته، عن زجّ أرواحنا في حروب الأخوة الأعداء، أو حتّي معاركهم الكلاميّة التي تؤجج الدم ونيران الكراهية في العروق (وإن كان رصاصهم الطائش لا يستثني أحداً من موت محتّم)، وأننا رغم العمي، نبقي قادرين علي رؤية المستويات المتدرّجة بين الأبيض والأسود، أو ما حولهما من ألوان. أمّا سوء طالعنا، فيكمن في أن خطابنا النقدي لأي طرف من الأطراف يبقي قابلاً للتأويل، ولن نكون في منأي عن وضعنا عنوة في إحدي زوايا الانحياز، في زمنٍ أصبح فيه الفرز واضحاً، علي قاعدة جورج بوش التي تحتمل صياغة أكثر دقّة: إن لم تكن معي في حروبي الظالمة بالكامل، فإنك ضدي بالكامل! بناء علي ذلك، فقد أصبح أي نقد لحركة فتح يُعتبر تقرباً من حركة وحكومة حماس، أما نقد الحكومة، أو الخط السياسي لحماس، فأضحي انحيازاً فاضحاً إلي حركة فتح (إن لم يكن دفاعاً عن الفساد وسلطة أوسلو “سيئة السمعة والصيت”.. ورئيسها محمود عبّاس!).في هذا الوضع الدقيق، لم يعد الخطاب المُستقل مستقلاً تماماً، أو إن أحداً لا يقتنع به كخطاب مُستقل، مهما حاول التجرُّد والموضوعيّة. فهو لا يستطيع التحرُّر من الرؤية النقديّة لجهات تريده أن يسم الآخر بالشر المُطلق مقابل وسمها بالخير المُطلق.ومما لا شك فيه، أن خطابنا، نحن المخلوقات من النوع الثالث، يشهد انزياحاتٍ ظاهرة أو خفيّة، قد تميل به إلي هنا أو هناك. وربما لا يستطيع المرء رؤية درجة هذا الانزياح في خطابه، لكنه يستطيع رؤية ذلك في خطابٍ آخر، لمخلوقٍ آخر ينتمي إلي النوع نفسه. ہہہمثل هذه التداعيات راودتني وأنا أقرأ رسالة الصديق المناضل عبد الجواد صالح، الصريحة والشجاعة، التي وجهها إلي الرئيس محمود عبّاس، وزودني بنسخة منها عبر البريد الإلكتروني. وهي تنتمي إلي ذلك النوع من الخطاب العقلاني الحريص، الذي يتيح لك مساحة من الاتفاق أو الاختلاف في الرؤية والتفاصيل، ويُحرِّض علي الحوار والتفكير والعمل من أجل تطوير الأفكار التي جاءت بها في سبيل الخروج، معاً وسوياً، من المأزق الذي يلف الجميع. ومع الاحترام الشديد للنوايا والتوجهات الوطنيّة الصادقة التي عبّرت عنها الرسالة، فلا أخفي أنني كنت ألمس، في تفاصيلها، ذلك الانزياح المتفلِّت من الموضوعيّة، وإن كان لا يرتقي إلي درجة الإنحياز المُطلق لطرفٍ من الأطراف علي حساب الطرف الآخر، مع عدم نفي إمكانية أن يكون قد أصابني الأمر نفسه، في كتاباتي الأخيرة حول الموضوع الوطني وتحولات السنة الأخيرة.وإذا كنت سأبتعد قليلاً الآن عن مناقشة الأفكار والقضايا التي جاءت في الرسالة، فإنني آمل من الصديق “أبو صالح”، أن يُبادر إلي توجيه رسالة أخري للسيد رئيس الوزراء، تقرأ بموضوعيّة أداء حماس في السلطة، وإنجازاتها، وإخفاقاتها، خلال نحو عام من الحُكم، وتقديم الرأي والمشورة السياسيّة والقانونيّة والإداريّة من رجل يحظي بالاحترام، عجنته التجربة السياسيّة الفلسطينيّة وعجنها. ہہہالأمر لا يحتاج إلي ثلاث سنواتٍ أخري من الحصار والجوع وانعدام الأمن، لنعمل علي تقويم هذه التجربة بأيدٍ بيضاء من غير سوء، وبألسنتنا، وأقلامنا. مع الانتباه إلي أن الفساد يُمكن أن يتجلّي بشكلٍ آخر جديد، وغير معهود، أقلّه شيوع ظاهرة إطعام كلّ نوعٍ لنوعه، مع إبقاء أطفال النوع الثالث جوعي، وعراة من الفرح.. وملابس العيد!أخشي أن أشرح وأستفيض، فأجد من يتهمني بالانحياز. فالمثقف ورجل السياسة، ليسا دائماً في منأي عن ذلك.كاتب من فلسطين[email protected]