خليل قانصو
عندما قرر ملك الاردن، في خريف 1970 القضاء علي فصائل المقاومة الفلسطينية، كان جمال عبد الناصر لا يزال حياً، ولكن قبوله في تموز (يوليو) من العام ذاته مبادرة امريكية (مقترحات وليام روجرز وزير خارجية الولايات المتحدة) تشترط وقفاً لاطلاق النار علي الجبهة المصرية (حرب الاستنزاف) والركون الي المساعي الديبلوماسية للخروج من المأزق الذي نجم عن حرب 1967، صب َّ عليه انتقادات كل الذين رفضوا الاعتراف بنتائجها كأمر واقع. و لا غرابة في ذلك، فالموافقة علي الوساطة تعني في المقام الاول الحاجة اليها. اي بكلام آخر، الاعتراف بان الهزيمة كانت نتيجة عجز وضعف ولم تكن بالتالي نتيجة تقاصر واخطاء اذا ما ُعولجت وقُوّمت، تسنّت القدرة علي ردع العدو عن عدوانه. وهذه حقيقة لم يكن الانسان العربي، في وجدانه وفي وعيه، راغبا بتلقيها. بل كان يميل في قرارة نفسه الي الاعتقاد بوجوب العمل والصراع حتي تتبدّل الوساطة بين غالب وبين مغـلوب علي امره، وساطة ً بين متساويين علي الاقل. وهذا شرط لا غني عنه لاستعادة الثقة والامل.
ومن هذا المنظور، فان الانظمة العربية في ما كان ُيعرف بـُدول المواجهة، كانت بحسب المنطق الذي يؤسِسُ للاوطان، امام خيارين: اما استخلاص الدروس والعمل الدؤوب في سبيل تحرير الارض. واما التخلي عن المسؤولية. ولكن هذه الانظمة المثقلة بالخيبة، اندفعت رغم ما هي عليه من وهن، الي التفاوض المباشر او غير المباشر لا فرق، مع المستعمِرين الاسرائيليين. فقبلت بذلك المساومة علي الحقوق وعلي السيادة، تعبيراً عن ديمومة استصغارها لشعوبها.
فالاصطدام بين اصحاب الحقوق من جهة وبين الانظمة التي فرّطت بهذه الحقوق، كان في الحقيقة ُمدرجا ضمنيا، في صلب هذه العلاقة بين المستعمِر المنتصر وبين الانظمة المنكسرة. آنذاك كانت المقاومة الفلسطينية شأنا عربياً، وجذوة امل باستعادة الكرامة والعزة. فالشعوب العربية التي نزلت في 9 حزيران (يونيو)، جماً غفيراً الي شوارع المدن من بغداد الي الرباط، تطالب جمال عبد الناصر بالثبات في موقعه وبمواصلة المعركة، احتضنت هذه المقاومة، وكثيرون من ابنائها انضووا، بشكل او بآخر في صفوفها. وطبيعي انه كلما تهيّأت ظروف المواجهة ضدهم، يستنفر المستعمِرون الاسرائيليون جيوشهم وحلفاءهم استباقاً للخطر. فلم يرُقْ لهم اقتحام الجماهير العربية ساحة النضال الوطني. لما ينطوي عليه ذلك من نذرٍ بهبوب رياح الاصلاح والتغيير، ومن مناعة عن الاستسلام والاذعان. وبناء عليه، كان وقوع الاضطرابات في المنطقة العربية امراً منتظرا. اذ بدا واضحاً ان الجماهير العربية يمكنها، اذا ما تواصلت بحرية مع نخبها، ان تشكل احتياطا كبيراً للمقاومة. مما يجعل احتواء الارض المحتلة في اطار المشروع الاستعماري قضية معقدة وصعبة. ولما بدأ في عام 1970 وميض الانفجارالشعبي بالظهور في الاردن، بادر النظام الي شن حرب ضد المقاومة الفلسطينية، درءا لتطورات قد تطرا علي الوضع فتولد ظروفا تجعل من هذا البلد ساحة مفتوحة لاول مرة، امام الجماهير العربية لتتعلم بالممارسة كيف تعالج ازماتها وكيف تدافع عن نفسها بنفسها في مواجهة المستعمِرين الاسرائيليين. وتقتضي الاشارة هنا الي ان المقاومة الفلسطينية كانت آنذاك تلحظ ادبيات تجارب حركات التحرر في العالم من مسيرة ماو تسي تونغ الكبري، الي حرب التحرير الفيتنامية مروراً بطوباوية غيفارا الثورية، وذلك في منطقة كانت الولايات المتحدة، مصممة علي المحافظة عليها ضمن دائرة نفوذها باي ثمن. ولكن جموح المقاومة الفلسطينية الثوري واليساري لم يطل كثيراً، ولم تتمكن هذه المقاومة من جعل الاردن فيتنام جديدة. وربما يكون مرجع ذلك الي عدم اختمار وعيها للطبيعة الاستعمارية والي بقاء الحبل السُرّي بينها وبين الحكومات العربية.
واستنادا الي العوامل التي تضافرت علي الحاق الهزيمة بالمقاومة الفلسطينية في الاردن وعلي اخراجها منه، ونظراً الي ان اطرافاً عديدة شجعت ودعمت النظام الاردني وتواطأت معه، لم يكن مستبعدا ان تواصل ذات الاطراف مطاردة المقاومة الفلسطينية في لبنان.
فمن الجليّ ان حروب لبنان التي اضطرمت نيرانها عام 1975 جاءت لاستكمال ما ُبدئ به في الاردن. اي القضاء علي المقاومة الفلسطينية او ابعادها الي المنفي. وتحقق ذلك فعلاً في سنة 1982، بعد الاستعانة بقوات المستعمِرين الاسرائيليين، التي قدمت في المراحل الاولي، الخبرات والسلاح لميليشيات القوات اللبنانية، ثم غزت لبنان واحتلت عاصمته، حيث ارتكبت في 15 ايلول (سبتمبر) 1982 جريا علي عادتها في كل حرب ولكن بالتعاون في هذه المناسبة مع الميليشيات المذكورة، مجزرة ضد اللاجئين الفلسطينيين المدنيين في صبرا وشاتيلا. فنكأت هذه المجزرة وعمّقت الجراح التي خلفتها في سنة 1976، جرائم ميليشيات القوات اللبنانية نفسها ضد اللاجئين الفلسطينيين في مخيمي تل الزعتر وجسر الباشا اللذين دمرا بالكامل وصارا اثراً بعد عين. وينبغي التذكير هنا بان لبنان بلد، تتواجد فيه طوائف مرتهنة بمصالح زعمائها. فان توافق هؤلاء امكن العيش بامان، وان تخاصموا ذرت رياح الفتنة الناسَ ودهم خطر الاحتراب. عندئذ يمسك كل زعيم بطائفته بقوة السلاح، فيصادر حرية التعبير ويُسكت كل معارضة في صفوفها. يتأسس عليه ان الجرائم التي تقترفها ميليشيات طائفة ما في لبنان تلقي بظلال الشبهة علي جميع الذين ُينسّبون اليها رغماً عنهم. لذا يمكن القول ان ما حدث في مخيمات تل الزعتر وجسر الباشا ثم في صبرا وشاتيلا، اوقع البغضاء والعداوة بين المسيحيين في لبنان علي وجه العموم من جهة وبين اللاجئين الفلسطينيين من جهة ثانية. هكذا اُخرج، او بالاحري خرج بارادته مارسيل خليفة، وزياد الرحباني وجوزف سماحة والياس خوري وامين معلوف، وجورج قرم وكثيرون غيرهم، من المعادلة الناقصة والبلهاء التي تصم كل شخص مسيحي بوصمة ميليشيات القوات اللبنانية. و بعد ذلك جاء دور الطائفة الشيعية التي اسقطتها ميليشيات حركة امل في خريف 1986 في الوقيعة ذاتها، عندما اشتعلت حرب المخيمات في بيروت، وتحديدا ضد مخيمي صبرا وشاتيلا مجددا، تحت ذرائع ما زال الغموض يكتنفها علي الاقل في نظر الناس العاديين. والنتائج كانت ايضا مماثلة للوقائع التي سبق ذكرها. فحلـّت الريبة والحذر والشقاق بين الشيعة وبين اللاجئين الفلسطينيين. عندما يستبد الجهل بالعقول يصير الناس كممثلي السيرك، يُلقـّنون الادوار ثم ُيدفعون الي حلبة المسرح.
الي أن آن أوان الحلقة الثالثة، وهي من غير شك الاخيرة والاكثر خطورة. اذ لا مفر من التساؤل عن السبب الذي دفع ميليشيات تيار المستقبل الي اطلاق النار علي سكان مخيم اللاجئين الفلسطينيين في نهر البارد، عندما تظاهروا سلميا للمطالبة بوقف الحرب في مخيمهم وبالسما ح لهم بالعودة الي منازلهم قبل ان تزيلها القنابل المهداة من الولايات المتحدة.
ومهما يكن فمن المعلوم ان تيار المستقبل يمسك بزمام السلطة باسم الطائفة السنية. وهذه السلطة هي التي دفعت الجيش الي حرب مخيم نهر البارد. ينجم عن ذلك، ان الطوائف الثلاث الكبري في لبنان، هاجمت بالتتابع مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، فدمرت واحرقت بعضها. اما خطورة ما يجري ضد الفلسطينيين في مخيم نهر البارد، فمرده الي استشفاف رابط بين سياسة الحكومة في لبنان من جهة وبين مَجْمَع المعتدلين من حكام العرب الذي تتوالي جلساته برعاية امريكية. فتيار المستقبل، يحظي بتاييد امريكي بلغ حداً فظاً، بعد اعلان رئيس الولايات المتحدة حالة الطوارئ التي تجيز ملاحقة كل معارض لبناني.. واستناداً علي معطيات تشير الي دور غامض، قام به تيار المستقبل منذ توليه الحكم في لبنان، لا سيما مساهمته في تسليح بعض المجموعات وفي تغطية تنقلاتها، وفي تسهيل دخولها الي المخيمات (1)، فان الخشية كبيرة من ان تكون هذه الحرب في نهر البارد خطوة نحو حلٍّ لقضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، عن طريق تهجيرهم ونفيهم.. ومهمة افشالها تقع بالطبع علي كاهل المناضلين اللبنانيين والفلسطينيين.