يقع مخيم البرج الشمالي للاجئين الفلسطينيين على مسافة 3 كم شرقي مدينة صور جنوب لبنان، ويبعد عن العاصمة بيروت بيروت حوالي 80 كلم وعن الحدود الفلسطينية اللبنانية حوالي 24 كلم. تم تأسيس المخيم بهدف توفير مساكن عام 1948 للاجئين من القرى والبلدات التابعة لقضاء مدينة صفد شمالي فلسطين. وبدأت «الأونروا» بتقديم خدماتها في المخيم عام 1955.
وقد تم بناء معظم المساكن باستعمال طوب أسمنتي، بالرغم من أن العديد منها لا تزال مساكن مؤقتة بأسقف من الزنك، ويتم تزويد سكان المخيم بالمياه من خلال الآبار التي تديرها الوكالة. ومول الاتحاد الأوروبي شبكة تزويد المياه وشبكة الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار.
خضع المخيم مؤخرا لعملية تحسينات في البنية التحتية، بما في ذلك تركيب شبكة تزويد جديدة للمياه ونظام صرف صحي.
وتبلغ مساحة مخيم البرج الشمالي 12600 متر مربع وتعود ملكية أرضه إلى القطاع الخاص اللبناني، وهي مستأجرة من قبل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» لمدة 99 عاما، وقد أطلق على المخيم اسم البرج الشمالي لأنه يقع على تلة مرتفعة تشرف على ساحل منطقة صور، قرب بلدة البرج الشمالي اللبنانية.
وحسب إحصاءات «الأونروا» يبلغ عدد السكان المسجلين في المخيم 19.500 نسمة، بينما ورد في التعداد العام للسكان والمساكن في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان، الصادر عن لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني، أن عدد سكان المخيم المقيمين هو 8142 فلسطينياً، بالإضافة إلى النازحين من سوريا (1444 نازحاً من أصل فلسطيني) و76 لبنانياً، و522 سورياً، و34 غير ذلك.
ويعاني مخيم البرج الشمالي اكتظاظاً سكانياً لا يتناسب مع رقعته الجغرافية، وتشير مصادر الهيئات الأهلية إلى أن متوسط عدد أفراد الأسرة يختلف بين عائلة وأُخرى، وهو قد يصل إلى سبعة أفراد بين سكان العشائر التي يغلب عليها طابع البداوة ويطلق عليهم اسم الغوارنة نسبة إلى منطقة الحولة شمال شرق فلسطين المحتلة.
تقول الكاتبة والباحثة روز ماري صايغ، أن بيت المخيم ليس وطناً، بل هو مأوى. وعلى الرغم من أن بناء هذا المأوى الموقت استنزف كثيراً من عمل اللاجئ ومدخراته، فإنه لم ولن يكون بديلاً لبيته الفلسطيني.
البيت في المخيم، هو ضرورة اجتماعية وحضارية وإنسانية، ولا يمحي بأي شكل حزن الفلسطيني على خسارة منزله الأصلي، وتوقه إلى العودة. إن هذا المأوى الموقت، سواء أكان خيمة، أم كوخاً أم بناء أسمنتياً أم غيره لا يشكل إلاّ المساحة المتاحة بين أمنية العودة وواقع اللجوء في لبنان.
ويعتبر مخيم برج الشمالي من الأكثر فقرا بين مخيمات لبنان الاثني عشر ويعمل معظم سكانه في الأشغال الزراعية في الحقول والبساتين القريبة، حيث يعمل فيها حتى أطفال من الذين تسربوا من المدارس نتيجة الفقر الشديد غالبا، ويعتاش قسم آخر من سكانه من المهن الحرفية ومردودات المحال التجارية الصغيرة والأفران ودكاكين السمانة والسكاكر والخضار وصالونات الحلاقة وقيادة سيارات الأجرة.
كما يعاني أهالي المخيم من أزمات عديدة حيث تتفاقم حالات البطالة والفقر والعوز مثل بقية المخيمات، لكن الجانب الصحي يبقى هو الهاجس الأول، حيث يعاني السكان من أزمات صحية كثيرة يأتي في مقدمها أمراض الدم الوراثية «الثلاسيميا» التي تنتشر بين الكبار والصغار بصورة مقلقة، مع الارتفاع المستمر بأعداد المصابين والمقدر عددهم اليوم، بالمئات.
حيث يتفرد برج الشمالي عن غيره من المخيمات الأخرى في لبنان، بوجود أكثر من 100 حالة «ثلاسيميا» تشكل نسبة 11في المئة من عدد المرضى الإجمالي في لبنان (632 حالة حسب مركز الرعاية الصحية الدائمة) ويطلق البعض على المخيم اسم «مخيم الثلاسيميا».
ما هي الثلاسيميا؟
في التعريف العلمي للمرض تفيد المعاجم الطبية بأنه مرض وراثي ينتقل من الأبوين ويسمى «ثلاسيميا» أو فقر «دم البحر الأبيض المتوسط» وتكمن مشكلة المرض في عدم قدرة الجسم تكوين كريات الدم الحمراء – التي تنقل الغذاء والأكسجين إلى مختلف أنحاء الجسم – بشكل سليم نتيجة لخلل في تكوين الهيموغلوبين «خضاب الدم» لذا فإن المريض يحتاج إلى نقل دم بشكل دوري كل 3-4 أسابيع حسب عمره ودرجه نقص الهيموغلوبين وإلا يموت في السنوات الأولى من العمر. كما أن إعطاء الدم بشكل دوري يؤدي إلى تراكم الحديد في جميع أعضاء الجسم وخاصة القلب، والكبد، والبنكرياس، والغدد الصماء والجلد، وبالتالي يسبب الكثير من المضاعفات والوفاة عند عمر يتراوح بين (15-20) سنة» .
تتفاوت أعداد المصابين بمرض «الثلاسيميا» بين مصدر وآخر؛ حيث تؤكد تقارير «الأونروا» أن العدد بين 60 و 100 مصاب كعدد اجمالي. أما مسؤولة ملف «الثلاسيميا» في المخيم سوسن رحيل فتؤكد أن العدد الاجمالي يناهز 230 مصابا، وتبرر تفاوت أعداد المصابين بأن «منهم من لا يعلن عن مرضه ولا يخضع للعلاج في المراكز الطبية داخل المخيم».
ومهما كان عدد المصابين فإن النسبة تبقى في كل الحالات من الأعلى في لبنان والمحيط.
تتوزع أعداد المصابين بمرض «الثلاسيميا» على مختلف أحياء المخيم، خصوصا المكتظة بالسكان، لا سيما الأحياء الشرقية للمخيم.
وعن سبب انتشار مرض «الثلاسيميا» بكثافة خطيرة داخل البرج الشمالي يقول الطبيب المتخصص خالد محمد معجل، مدير مركز الجليل الطبي التابع للهلال الأحمر الفلسطيني، إنه يعود إلى حالة التزاوج والمصاهرة بين الأقرباء، إذ أن أحد العوامل الهامة لتفاقم المرض هو الوراثة الناتج عن الزواج من ذوي القربى. ويقوم عدد من الأهالي على الإقدام على هذه الخطوة الخطيرة بالرغم من صدور نتائج فحص الدم قبل الزواج والتي تمنع الاقتران بين الشاب والفتاة، ولكن للأسف تحكم سكان المخيم كغيرهم بعض العادات والتقاليد. والجهل لدى البعض يدفع في إتباع تلك التقاليد ولو كانت سببا في تعاسة أقرب الناس. وعن تاريخ المرض وانتشاره في المخيم، يضيف الدكتور خالد بأنه وقبل 14 سنة أي في عام 1995 زار مستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني في مخيم البرج الشمالي طبيب هندي يدعى روني زكريا وقد أرسلته مؤسسة العون الطبي للفلسطينيين البريطانية بهدف إجراء دراسة عن تفشي المرض، وكان للطبيب ان تابع التسلسل التاريخي للمرض ليجد أن جذوره بدأت في فلسطين وتحديدا في القرى التي ينتمي إليها اللاجئون المصابون، أي قرى قضاء مدينة صفد، وبشكل أدق فإن المرض يعود إلى حيث كان الفلسطينيون يسكنون في سهل حولا حيث يعاني أبناء القرى هذه من نسبة عالية لانتشار المرض بينهم. ويعتبر الدكتور خالد أنه وبالرغم مما يقوم به الهلال الأحمر الفلسطيني أو المؤسسات الأهلية أو «الأونروا» أو خطباء المساجد من محاضرات تثقيفية وتوعية للأهالي والمصابين والمجتمع المحلي، إلا أنه لا تزال هناك حالات من الجهل لا تعي النتائج الوخيمة المترتبة على الزواج من الأقارب المصابين.
وتحاول مؤسسات طبية أن تساعد في معالجة المرضى أو توجيه الارشادات حول مخاطر المرض وأسبابه وسبل الوقاية منه، وأبرز هذه المؤسسات، «الأونروا» والهلال الأحمر الفلسطيني والمستوصفات الطبية العاملة داخل المخيم. إلا أن مساعدات»الأونروا» للمرضى تقتصر على تقديم خدمات الرعاية الأولية وبعض خدمات الاستشفاء، والتحاليل والصور في المراكز التشخيصية.
علما بأن «الأونروا» كانت خلال السنوات الماضية تقدم تحويلات استشارات طبية إلى مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت، خاصة للحالات الحرجة، لكنها أوقفت هذه التحويلات منذ العام 2006 لأسباب لم تصرح عنها سوى أن الوكالة تتعرض لأزمة مالية.
وكانت «الأونروا» أقامت مشروعا بتمويل من جمهورية ألمانيا الاتحادية وبالتنسيق مع وزارة الخارجية اللبنانية لمعالجة مرضى «الثلاسيميا» في المخيم بنهاية عام 2012 واستمر المشروع لمدة عامين ونصف العام تقريبا.
أما الهلال الأحمر الفلسطيني فيقدم خدمات عديدة لمرضى «الثلاسيميا» حيث يراقب حالاتهم عند الضرورة ويؤمن لهم بعض الأمصال، ويقدم كميات من الدم إذا احتاج المريض، كما كان مستوصف الكرامة التابع للهلال في محلة المعشوق القريبة من البرج الشمالي يستقبل من 60 إلى 65 حالة من المصابين، يعاينهم طبيب أخصائي دم كل شهر أو شهرين، لكن كل هذا توقف الآن للأسف.
من جهتها، ناشدت مسؤولة ملف «الثلاسيميا» في المخيم سوسن رحيل، المؤسسات والجمعيات مساعدة مرضى الدم، وبينت أن «عدد الذين يعانون من مشاكل نقل الدم يصل إلى مئتي حالة، 150 منهم من فلسطينيي لبنان و50 حالة من النازحين الفلسطينيين من سوريا».
وأضافت: «معظم هؤلاء يعانون من مرض الثلاسيميا وهم العدد الأكبر من مرضى الدم ويصل عددهم إلى 120 حالة إضافة إلى 30 آخرين يعانون من الثلاسيميا والسكلسل معا. فالآلام التي يعاني منها المريض تترافق بالتعب النفسي نتيجة ارتفاع تكلفة العلاج التي تعد باهظة جدا مقارنة بالوضع المعيشي ما أدى إلى وفاة 10 أشخاص نتيجة الإهمال الطبي فالأونروا لا تغطي سوى تكلفة السرير ليومين فقط والمريض يحتاج إلى 5 أيام على الأقل». وأوضحت رحيل أن «هذه الأرقام تزداد خطورة والكثير من العائلات فيها أكثر من حالة مرضية. ويزداد الطين بلة عند الأشخاص الذين يحتاجون إلى دواء بكلفة كبيرة جدا نتيجة ارتفاع تخزين الحديد في أجسادهم».
نتيجة ارتفاع الأضرار الجسدية على المرضى يشدد الأطباء على ضرورة إجراء فحص «الثلاسيميا» قبل الزواج فبمجرد أن يكون أحد الطرفين معافى ولا يحمل المرض في جيناته يتوقف انتقال المرض إلى الجيل الجديد. أما حول سبب انتشار هذا المرض، فذكرت رحيّل أن للعامل الوراثي الدور الأساسي في انتقاله، هذا إلى جانب زواج الأقارب، إلا أنه ليس دائماً السبب، موضحة أن فحص الزواج بات يظهر من يحمل المرض، وهو ما لم يكن متوفرا سابقاً.