مخيم البرج الشمالي: وباء «كورونا» يضاعف قسوة حياة اللاجئين الفلسطينيين

عبد معروف
حجم الخط
0

يعتبر مخيم البرج الشمالي قرب مدينة صور جنوب لبنان ، واحدا من أكثر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين فقرا وبؤسا، لأسباب تتعلق بطبيعة المعاناة التي يتعرض لها اللاجئ الفلسطيني في لبنان عامة، وتزايد هذه المعاناة بسبب انتشار فيروس كورونا كوفيد -19 ومرض التلاسيميا، وهو اضطراب دم وراثي يؤدي إلى انخفاض نسبة الهيموغلوبين في الجسم عن المعدل الطبيعي بشكل واسع في المخيم.
مخيم البرج الشمالي، هو أحد المخيمات الفلسطينية الـ12 في لبنان، تم تأسيسه عام 1955 لتوفير المساكن للاجئين من شمال فلسطين، خاصة من مناطق الحولة وطبريا وعكا وحيفا
وبعد أن أعلنت الحكومة اللبنانية الإغلاق الشامل للمرة الثالثة في البلاد، تفاقمت إلى درجة كبيرة الحالة المالية والاقتصادية في المخيم، واضيفت للحالة الصحية المتدهورة في ظل جائحة كورونا.
يقع المخيم شرق مدينة صور جنوب لبنان، ويبعد عن العاصمة بيروت حوالي 80 كلم، ويبلغ عدد سكانه حوالي 19500 لاجئ (استنادا لإحصائيات «الأونروا») يعيشون حالة بؤس وحرمان وعوز، داخل منازل متلاصقة بعضها من «الزينكو» تتوزع بشكل فوضوي ومتشابك تفصلها أزقة ضيقة ومجارير مكشوفة. أما مساحته فتبلغ 13600 متر مربع، وأطلق على المخيم اسم البرج الشمالي لوقوعه على تلة مرتفعة قرب بلدة البرج الشمالي اللبنانية.
وقد بلغت البطالة معدلات عالية جداً، فوصلت إلى نحو 80 في المئة ويعود ذلك في قسم منه إلى القوانين اللبنانية التي تمنع اللاجئين من العمل في المهن الرئيسية، من الطب وصولاً إلى الهندسة، لذلك يحلم شباب المخيم في الهجرة، ويبدو أن الحديث الأكثر مداولة بين الشباب يدور حول طرق الهجرة وتكلفتها، ويتشارك الناس في المخيم قصص أولئك الذين نجحوا في الوصول إلى أوروبا، كأن هذا الحلم هو أقصى ما يطمح إليه شباب المخيم.

مشاريع صغيرة

وبمبادرة فردية، ينتشر في المخيم عدد من المشاريع الصغيرة: دكاكين، وأفران، ومقاهٍ، ومطاعم صغيرة، وصالونات تزيين نسائي ورجالي، ومحال لتصليح السيارات وغيرها.
وتشير تقارير وكالة الأمم المتحدة «الأونروا» إلى أن الإجراءات الوقائية التي اتخذتها السلطات اللبنانية للحد من انتشار فيروس كورونا خلال الأشهر القليلة الماضية، ضاعفت بشكل خطير أعداد العاطلين عن العمل داخل مخيم البرج الشمالي، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الأدوية والسلع الغذائية والاستهلاكية بشكل يصعب على اللاجئ الفلسطيني تأمين ما يحتاجه لعائلته وأطفاله.
يمتاز المخيم بوجود أكثر من مغارة، ويعود ذلك إلى طبيعة الأرض الصخرية. وكثيراً ما استُخدمت تلك المُغر ملاجئ عندما كان المخيم يتعرض للقصف الإسرائيلي. أمّا شبان المخيم وأطفاله فكانوا يسارعون، عند اشتداد البرق والرعد، إلى قطف ثمار الفطر المتنوعة والتي تنبت عادة بين الصخور خلال فصل الشتاء. تتفشى في مخيم البرج الشمالي أمراض مزمنة، أبرزها أمراض الكلى والتلاسيميا وأخيرا فيروس كورونا كوفيد -19 وأغلب أعمال اللاجئين الفلسطينين في المخيم عمال زراعيين لذلك أثرت الإجراءات الوقائية وإقفال مجالات العمل للوقاية من كورونا على اللاجئين ما ضاعف حالات الفقر والبطالة والاحباط. «القدس العربي» تجولت بين الأزقة الضيقة في مخيم البرج الشمالي ودخلت بيوت اللاجئين الفلسطينيين الذين عبروا عن معاناتهم.

«حياتنا قاسية»

أبو محمد الخطيب، لاجئ فلسطيني، تجاوز السبعين من عمره، يرتدي الكوفية والعقال، يجلس أمام منزله وبيده عكازه، قال وقد برزت على وجهه عذابات السنين: حياتنا قاسية وعذاباتنا تفوق التصور، فقر وأمراض وحرمان، ولا مساعدات كافية من أحد. أضاف، أستطيع القول، إنها أصعب سنوات العمر. لقد تعرض الشعب الفلسطيني منذ أجبر على الخروج من دياره عام 1948 إلى أنواع مختلفة من التنكيل والقهر والنكبات والمجازر، لكننا لم نشهد حالة كالتي نعيشها اليوم. الفقر في أعلى مستوياته، عائلات تتسول لقمة العيش وتحتاج لغطاء يحميها من برد الشتاء، وكذلك الحرمان والبطالة وتفشي الأمراض المزمنة ووباء كورونا.
البرد ينخر عظام الأطفال، وحقا أقول، الجوع دخل البيوت البائسة في المخيم، وطلبوا منا البقاء من المنازل بسبب تفشي وباء كورونا.
من جهته، أكد الناشط الإعلامي الفلسطيني فريد جمال، أن الأوضاع الإنسانية داخل مخيم البرج الشمالي تختلف كثيرا عن باقي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فالمعاناة داخل المخيم مركبة وتزداد خطورة، وتتفاقم المأساة الإنسانية بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الشعب الفلسطيني .
وأشار جمال لـ»القدس العربي» إلى أن سوء الأوضاع الصحية داخل مخيم البرج، بسبب تفشي الأمراض المزمنة وخاصة «التلاسيميا» و»كورونا» جعلت حياة اللاجئين في المخيم أشبه بجحيم لا يطاق، لذلك كثرت موجات الهجرة بطرق شرعية وغير شرعية إلى الخارج.
وأضاف، سعت الجهات المعنية على كافة المستويات لنشر التوعية للوقاية من «كورونا» باعتبارها الظاهرة الأخطر على حياة الناس اليوم، حيث خفت التجمعات وأغلقت المدارس وتوقفت صلاة الجماعة في الجوامع إضافة للعديد من مظاهر الالتزام الوقائي.
واستمر تفاقم الوضع الصحي في ظل تلاصق المنازل وعدم صحية البنى التحتية ونقص الالتزام بالحجر ونقص الأخذ بأساليب الوقاية. وفي ظل تناقص تقديمات المنظمات الأهلية للمساعدات بعد استنزاف مواردها مع طول مدة الأزمة، فكادت تتوقف عن تقديم المواد الغذائية والتنظيفية كما كانت تفعل في بداية تأزم الحال.

اللجان الشعبية

سكان المخيم أيضا يقولون أنهم لا يستطيعون الالتزام بالحجر والتوقف عن العمل أو إغلاق المحال، من أجل تأمين لقمة العيش وقوتهم وقوت عيالهم في ظل أزمة اقتصادية طاحنة وغلاء معيشة مخيف مع حجر المصارف لأموال المودعين،
وهناك من الأهالي أيضا من يشكون من ضعف الالتزام بالحجر المنزلي، ويقولون أن بعض المرضى من ذوي الأعراض الخفيفة يتجولون في المخيم وينقلون المرض لغيرهم دون رادع. متسائلين عن دور اللجان والفصائل في هذه الأوضاع. لكن أمين سر اللجان الشعبية يوضح أن اللجان ليست سلطات حاكمة في المخيمات، وإنما هي مجرد هيئات عملها توعوي وتوفيقي وتوجيهي وإرشادي.
أبناء المخيم في بلاد الاغتراب يبذلون ما بوسعهم لمساعدة ذويهم وأهلهم من أبناء المخيم. وإحدى الجمعيات قامت بتقديم أدوية ومستلزمات طبية عدة مرات لمستوصف الجليل التابع للهلال.

«ترحل أم تبقى
تعيش حياة قاسية»

محمود الحاج، مدير مؤسسة أطفال الصمود في مخيم البرج الشمالي، قال لـ»القدس العربي» بعبارات ممزوجة بالحزن: يضعون اللاجئ الفلسطيني أمام خيارين، ترحل أم تبقى تعيش حياة قاسية بين مجموعة من الأزقة الضيقة والمنازل البائسة، تزداد يوما بعد يوم، تحلم بالعودة إلى تراب الوطن، لكنهم منعوك وحاصروك قيدوك بكل سلاسل العذاب، أبدعوا وتفننوا باساليبهم حصارا، جعلوا الحياة تصعب على أي مخلوق أن يتحملها، كل ذلك من أجل ان تهجر مرة أخرى بعيدا بعيد، لكي تترك حلم الأمانة التي تركت بعهدك، لكي تنكسر وتلقي خلفك حب عميق متجذر بشرايين لا يدركون معانيها ومعارفها، يجهلون من انت ومن تكون وماذا يكمن بداخلك.
وتابع الحاج قائلا، أقفلوا كل أبواب الحياة، مجتمع دولي لا يهتز لصرخات الفقراء، يدعون الإنسانية لكنهم يراوغون، يراقبون صرخات الجوع فيك، ولا تهتز لهم رمش العيون، يدركون ماذا يفعلون بدقة متناهية، جمعوا لكم كل فنون الإبداع بالتعذيب، لا منقذ ولا مغيث في زمن تراكمت هموم بعضها فوق بعض، يتشدقون بخطابات تعيد معزوفة ألحان وتر أدخلت عموم الأهالي في عالم بعيد عنهم.
لافتا إلى أن وكالة «الأونروا» المعنية بأن تكون حاضرة لإغاثة مجتمع لاجئي فلسطين في مخيم البرج الشمالي كما في باقي المخيمات الفلسطينية، تراجع دورها وخفضت من إعاناتها ومساعداتها للاجئين.
مضيفا، أن القوى السياسية الفلسطينية لا تستجيب إلا لمحازبيها ومن هم في فلكها، بطالة لا توصف في مجتمع يغلب عليه طابع العمالة في القطاع الزراعي وقطاع البناء، في الوقت الذي تعطلت فيه كل هذه المجالات بسبب تفشي «كورونا» وإلزام اللاجئين للبقاء في منازلهم للوقاية من الوباء، هناك هيئات ومؤسسات دولية ومحلية إنسانية وخيرية، تقدم بعض المساعدات البسيطة إلا أنها ورغم أهميتها، لا تعالج المشكلة بحجمها الكبير. لذلك، فالواقع الحالي داخل مخيم البرج الشمالي ينذر بكارثة اجتماعية وصحية خطيرة، والغريب في الأمر أن هناك ظواهر اجتماعية غير مقبولة وليست من شيم المجتمع الفلسطيني بدأت تتفشى داخل المخيم، وأخطرها هي ظاهرة تفشي وترويج المخدرات والممنوعات والسرقات، والنزاعات التي تتحول إلى انفعالات غضب، كل ذلك بدأت ملامحه تظهر وخاصة على طابع الأسر ووصلت بعضها للتخلي عن المسوولية الأسرية، وتفشي الحالات المرضية وخاصة المزمنة منها أمراض الدم «التلاسيميا»والقلب والسكري وأخيرا انتشار وباء «كورونا» بشكل بدأ ينذر بالخطر إذا ما تم احتواء ذلك ببرامج مدروسة وخطط بمستوى المسؤولية.
لا غرابة أن يحتضن مخيم البرج الشمالي للاجئين الفلسطينيين في لبنان، العديد من المشكلات الاجتماعية والبيئية والصحية والاقتصادية، بعد أن أسهمت كل هذه المشكلات بالوصول إلى الواقع المأساوي في المخيم إضافة إلى تدني مستوى المساعدات الدولية، خاصة على المستوى الصحي والاجتماعي، ما سبب بانتشار الأمراض المزمنة، فانعدام الظروف الاجتماعية والبيئية والصحية السليمة في مخيم البرج الشمالي، وارتفاع نسبة الفقر والجوع والبطالة أدى إلى أمراض صحية ونفسية واجتماعية متنوعة تضاعف قسوة حياة اللاجئين الفلسطينيين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية