انطلاقا من تعاملنا مع سيرة الشاعر بوصفها سيرة بحث معرفي وجمالي عن كتابة شعريه مغايرة، فإننا سنكون مدعوين ضمن هذا الأفق، لتكثيف ضوء القراءة، وتوسيع دائرتها، بما يتيح لنا فرص الاقتراب من التحولات الجزئية وأحيانا الكلية، التي تمارسها هذه السيرة، خلال ترحال بحثها عن أثرها المنشود. مع الأخذ بعين الاعتبار، أن هذه التحولات تكون منسجمة مع التحولات الطارئة على صيغ الأسئلة والإشكاليات المزامنة لها، إذ دون توافر شرط تجديد السؤال، تظل التجربة الشعرية حبيسة إيقاع سكوني، مراوحة مكانها، وغير مؤهلة لتجاوزه إلى إيقاعات دلالية أكثر تقدما.
ثم إن ما نعنيه بالتحولات هنا، هو تتالي المسارات التي يتنامى على امتدادها الوعي بتجربة القول الشعري، المؤثر في إثراء ينابيعها وتخصيب حقولها الفكرية والفنية، الكفيلة بتطوير آليات اشتغالها. وبوسع أي مهتم خبير بمقاربة أبعاد تنامي الوعي، لدى الرموز الشعرية المكرسة عربيا أو عالميا، أن يرصد حجم تلك الانتقالات الجمالية، التي تتخلل مسيرتهم، وهي تنزاح بتجاربهم تدريجيا من فضاءات الكتابة المشتركة، إلى فضاءات الكتابة المتفردة بخصوصياتها. ما يدعونا للإقرار بأن سيرة الشعراء الاستثنائيين، هي جماع تجارب، وجماع مسارات، فضلا عن كونها جماع شعريات، منذورة للإنصات إلى نداءات أزمنة الكتابة، سواء كانت مقبلة من داخل الذات أو من خارجها. مع التأكيد على أنها، وبقوة إنصاتها اليقظ والعميق، تكون لحظة اندماجها في طقس الكتابة، معنية بالإنصات إلى خصوصية موسيقى الصريف الصادر عن ريشتها.
وحتى في حالة اقتناعنا، بحتمية اشتغال آلة التناص في خلفية الطقس الموحية بحضور مرجعيات شعرية بين تضاعيفها، إلا أن القول الفصل يعود أولا وأخيرا إلى سلطتها الذاتية، باعتبارها سيدة الكتابة والمتحكمة في تأثيث ما يتقاطر على بياض صفحتها من مكوناتها. ذلك أن صفحات كتاب الكون – إن صح القول – لا تتقبل مطلقا الاشتغال على تجارب الآخرين، بقدر ما تستلزم وجوب اختلافها عنها. والجدير بالذكر، أن مقولة الامتداد المعتمدة في تأطير سيرورة التجربة، تستمد شرعيتها أساسا من تتالي الانعطافات الشعرية التي تتخللها، خاصة حينما تأخذ شكل قطائع جمالية وفكرية، تتعطل معها آلية مقولة الامتداد، القائمة على فعل التكرار والتشابه النصي. فصفحات كتاب الكون بالنسبة للشعريات المغايرة، لا تنكتب انطلاقا من حاجة مشتركة، لقول الشيء ذاته، كما لو أن الشعراء في مختلف انتماءاتهم المكانية والزمانية، مدعوون قاطبة للمساهمة في صياغة نص أحادي ومشترك، حيث تتحول الكتابة في ظل هذه الممارسة الرتيبة، إلى نوع من الاستدراكات المتتالية، على ما هو بصدد الانكتاب، دون أن تتجرأ على اقتراح بدائل جديدة، تقع خارج ما ترسمه المعايير السائدة. إنها بهذا المعنى، كتابة مسكونة بأوهام استعادة أطياف نصوص غائبة، يتحقق عبر تحيينها مشروع كتاب الكون.
في قلب هذا المركز المضاد إذن، توجد أرض الشعر، أي الأرض التي تكشف فيها العناصر عن عوراتها، دون أن تكون بالضرورة بحاجة إلى غابات كاملة من أشجار التوت.
وهو المشروع الذي تعتقد بوجوده على مستوى حدس كاذب، دون أن تتمكن من رؤيته مجسدا في نص مستكمل لشروط كتابته وقراءته. وبالتالي، فإن كل نص شعري، لا يحيل – من وجهة نظرها – على هذا النص «الغائب» جسدا وروحا، هو غير جدير بالقراءة، لأنها تعتبر صفحاته غير قابلة للاندراج في كتاب الكون. وبالنظر إلى رهبة هذا المسعى، فإنها ومن منطلق حرصها على مهادنة محيطها الشعري والثقافي، تحتاج إلى من تستأنس به في مهمة إنجازها لما نسميه بالعملية الاستدراكية، التي هي بامتياز، عملية ملء تلك الفراغات الرمادية، التي تعتقد أن الكتابات السابقة، قد سهت عن ملئها ليس إلا. وبتعبير آخر، إنها تكون في حاجة ماسة إلى الوجود داخل محفل كتابات متماهية مع سكونية رؤيتها، ما دامت وبفضل « نعمة «هذا الوجود، تكون متأكدة أنها في مأمن من كل تيه، واغتراب، وأنها داخل ذلك الطقس المشترك، الذي تتشكل فيه ما تتوهم أنها حروف كتاب الكون، فيما هي في الواقع، كتابة تتهيب من فكرة المس بهيبة وحرمة الشعريات المسكوكة، قدر تهيبها من مخاطر اغترابها في أحراش قول، لا صدى يسمع له في محيط قراباتها.
إنها تستأنس بإيقاعات الخطوات المصاحبة لها، إبداعيا ونظريا، فلا تسير وفق تصورها الخاص لمنهجية السير وأفقه، خشية أن ينحفر تحت أقدامها أثر مسار، قد يوحي باحتمال انزياحها عن جادة الصواب، وانحرافها عن وجهة الأعراف. إنها وتبعا لذلك، تمارس حضورها على ضوء التقاطعات والتماسات المتبادلة بينها وبين باقي التجارب المقيمة والعابرة في فضاءات القول المشترك، لذلك، كما أنها تحرص باستمرار على أن تكون مادة نموذجية ومثالية للمقاربات المختصة بضبط قوانين تعالقاتها المباشرة وغير المباشرة، بغيرها من التجارب المشتغلة معها بالرؤية نفسها والمنهجية نفسها. كما أن استجابتها لهذا الضرب من المقاربات، يعتبر بالنسبة لها حظوة وامتيازا، وشهادة اعتراف على اشتغالها بوتيرة التجارب نفسها المتماهية معها. لأن هذه الاستجابة، هي التي تتيح لها إمكانية الانتماء الشرفي للموجة، بما هي تجسيد حي لبلاغة العام، ولأعرافه وثوابته. الشيء الذي تتبرأ منه الكتابة «المختلفة» جملة وتفصيلا، مقترحة على القراءة تصورا مضادا، ومغايرا لهوية هذا الكتاب/الأفق. هو مقترح كتاب نوعي، وجماع اجتهادات، تمكنت بفعل تواطؤات معرفية حاسمة، وجذرية المنحى، على وضع مسارات مستحدثة باتجاه مسكن القول. ذلك أن استشراف أسرار الحجر، وأسرار النبض، والضوء، فضلا عن أسرار الصرخة والنقطة، وكذا السير الهوينى على أديم الوقت، لا يمكن أن يتحقق إلا عبر المسارات الشعرية المضادة والاستثنائية، أي تلك التي تجد ضالتها في المنسي واللامفكر فيه، داخل أرض القول، التي لم يتردد عليها بعد فضول الساكنة.
في قلب هذا المركز المضاد إذن، توجد أرض الشعر، أي الأرض التي تكشف فيها العناصر عن عوراتها، دون أن تكون بالضرورة بحاجة إلى غابات كاملة من أشجار التوت. الأرض التي تحترق فيها الأقنعة من تلقاء ذاتها، دون أن يكون لها أي أمل في الانبعاث. وفيها تحديدا، يمكن أن تتملى القراءة في وجه الحروف، في وجه اللغة، في وجه الصرخة، وفي وجه الموال. فيها أيضا، تستطيع أن ترى مزق الأشياء، شظاياها وشذراتها، وهي تتطاير في الجهات السبع، وقد مدت أيديها عبثا، بغية الإمساك ببعضها. ولأن هذه الأرض أكثر واقعية من أي واقع آخر ممكن أو محتمل، تبدو للمنتمين إلى الأرض المقابلة موغلة في «غرائبيتها»، وفي «لاعقلانيتها» وفي جدة، وحدة اجتراحاتها لما يقال وما لا يقال. والحال، أنها تتحدث لغة هي من صلب هذا المركز المضاد، من حيث امتدادها خارج مشيئة الرتابة وبؤس التكرار، وأيضا من حيث احتفاظها بقسوة وتوحش طبيعتها، وما يتخبطها من مس أشكال وأصوات، ودلالات، يتهيب المعنى من التحديق في ملامحها.
شاعر وكاتب من المغرب