مدارس العرب في إسرائيل.. معركة مفتوحة على وعي الأجيال الفلسطينية

تحقيق: وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة ـ “القدس العربي”: منذ نكبة 1948 رأت إسرائيل وما تزال بقاء نحو 150 ألف فلسطيني داخلها فوق أراضيهم “غلطة” تاريخية وتعاملت معهم كخطر أمني، كررها بصوته وصورته وزير المالية في حكومة الاحتلال المستوطن بتسلئيل سموتريتش في الكنيست وهو يخاطب النواب العرب قبل شهور.

منذ عقود تحاول السلطات الإسرائيلية التغلب على هذا الخطر، تارة بالاستعداء وتارة بالاحتواء، وحتى اليوم تستمر المعركة على وعي أجيالهم، من خلال محاولات ضبطهم وتدجينهم ثقافيا والسيطرة عليهم سياسيا وفتح باب الهجرة أمامهم، بل تحفيزها بتضييق الخناق عليهم وإطلاق عصابات الإجرام في شوارعهم.

هذه هي الغاية المركزية غير المعلنة، ومن أجلها استخدمت منذ 1948 عدة أدوات منها، جهاز المخابرات وفرض الحكم العسكري (حتى 1966) وجهاز التربية والتعليم بالتزامن مع قطع صلات الغصن بالشجرة، ومنع تواصلهم الطبيعي مع بيئتهم العربية ومع ثقافتهم الأم وامتدادهم القومي الحضاري مع أمتهم. إلى جانب الحكم العسكري سارعت الدولة المحتلة الجديدة إلى تطبيق مشروع غسيل دماغ ثقافي للتلاميذ العرب (85% منهم يدرسون في مدارس رسمية والبقية في مدارس أهلية) واحتلال وعيهم تمهيدا لجعلهم فريسة وتحييدهم بالكامل عن قضية شعبهم الوطنية.

تعاون بين جهازي التعليم والمخابرات في تحديد معايير اختيار المعلمين والمديرين والمفتشين، والمناهج التعليمية

الموجود والمفقود

كل ذلك تم ويتم وسط تعاون وثيق بين جهازي التعليم والمخابرات نحو الهدف المراد، خاصة في ما يتعلق بمعايير اختيار المعلمين والمديرين والمفتشين، وتحديد المناهج التعليمية والرقابة الصارمة على المدرسة العربية وصيرورة التعلم فيها.

بداية صممت المناهج بيد يهود شرقيين لم يختفوا بعد حتى اليوم، رغم ازدياد عدد الكتّاب العرب المحليين وبعضهم من الموالين لسياسات الوزارة، مثلما لا تزال مضامين كثيرة مترجمة عن العبرية معدة في الأصل لتلاميذ يهود. ورغم مرور سبعة عقود ونيف على النكبة، ما زالت السلطات الإسرائيلية تستخدم المدرسة العربية داخل أراضي 48 وسيلة ضبط وتحكم وبتر الأجيال عن جذورها وتجفيف المنابع الثقافية بشكل يخلو من مضامين تسهم في تنشئة وطنية وقومية. من عوارض السياسات الرسمية المنافية للفطرة الإنسانية وللمواثيق الدولية إغفال  المناسبات والشخصيات الوطنية والقومية كافة، بهدف الحيلولة دون تشكل أو استمرار الذاكرة الجماعية واستبدالها بالعدمية، أو بناء هوية مشوهة “عربية ـ إسرائيلية”.

من هذه النواحي ورغم تحسن طفيف، فإن جهاز التعليم العربي في إسرائيل قد تجمد وتسوده أجواء قلق وملاحقة، وهو يخلو من المضامين التي من شأنها تعزيز هوية وانتماء التلميذ. وتبقى على سبيل المثال ذكرى مذبحة كفر قاسم، أو يوم الأرض، أو ذكرى النكبة، أو ذكرى هبة القدس والأقصى خارج جدران المدرسة، وإن كانت بعض المدارس الثانوية تحييها كونها مدارس تابعة للسلطة المحلية، حينما تكون إدارتها معنية بالتربية على الهوية. وهذا ينسحب على مناسبات ورموز ثقافية فلسطينية وعربية، إذ تطال عملية تجفيف المنابع الثقافية الأدب والثقافة العامة والسياسة والجغرافيا والتاريخ والمدنيات واللغة ومجمل الرواية التاريخية الفلسطينية.

يغيب عن المدرسة العربية محمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زياد، وإميل حبيبي، وسميرة عزام، وغسان كنفاني

في الأدب والتاريخ

كما هو معروف، لا يرمي الأدب لتحقيق غاية جمالية ومتعة مطالعة وتوسيع المعارف والمدارك وإثراء التجربة الإنسانية فحسب، بل يسهم في بناء ذاكرة وطنية، وهوية وطنية. ولذا يغيب عن المدرسة العربية في إسرائيل محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، إميل حبيبي، سميرة عزام، غسان كنفاني وسواهم، ممن يُدرّس نتاجهم الأدبي في المدارس الفلسطينية في بقية الوطن الفلسطيني وفي الشتات، بل في العالم العربي، ويحرم منه التلميذ في أراضي 48. بدل الشعر الوطني، يرد شعر إنساني عام، وفي الماضي اعتمدت قصائد مشوهة للهوية بشكل مباشر كقصيدة أعدت للاحتفاء بـ”يوم الاستقلال” بدلا من إحياء ذكرى النكبة، وجاء في مطلعها: “في عيد استقلال بلادي غرد الطير الشادي”. في أحيان نادرة يستحضر الشاعر الفلسطيني الراحل إبراهيم طوقان في قصائد، أو مقاطع من قصائد كتبها في مطلع مسيرته تتسم بطابع إنساني محايد يخلو من أي بعد وطني مثل قصيدة “ملائكة الرحمة” عن الممرضات: “بيض الحمائم حسبهنه.. إني أردد سجعهنه… رمز السلامة والوداعة… منذ بدء الخلق هنه”.

وهكذا مع الكاتبة ابنة عكا المهجرة من وطنها سميرة عزام، التي اختيرت قصتها القصيرة “سجادتنا الصغيرة” من بين عشرات القصص التي تروي قصة التهجير واللجوء والحنين للوطن، فقصة “سجادتنا الصغيرة” من مجموعتها القصصية “الساعة والإنسان”، تتحدث ببساطة عن سرقة سجادة أعادها اللص لأصحابها بعدما عاد لحضن التوبة وبدأ يصلي، أما قصة سرقة الوطن فلا حرف واحد. فتغيب مثلا قصص مجموعات سميرة عزام “أشياء صغيرة” و”الظل الكبير” وغيرها. في مقدمة القصة تم التعريف بالكاتبة بالقول: “ولدت في عكا، لم يتيسر لها دراسة كاملة فرأت أن تزيد من ثقافتها.. التحقت بمحطة الشرق الأدنى ثم في مكتب المحطة نفسها في بيروت وبغداد وكأنها تركت عكا لغرض السياحة!”

بخلاف المدارس الإسرائيلية التي ينهل منها التلميذ الرواية الصهيونية التاريخية، تستبعد الرواية الفلسطينية إلا ما ندر، وهكذا تبقى خارج المنهاج قضايا ومواضيع وطنية مثل “هبة البراق” عام 1929، والثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، والمجلس الإسلامي الأعلى، كما تغيب كل المواد الخاصة بالمجتمع الفلسطيني داخل المدن والأرياف قبل النكبة، وكأن الطالب يتم إعداده ثقافيا وسياسيا بلا ماض ولا جذور.

تاريخ مغيّب

وهنا يؤكد أستاذ التاريخ في المرحلة الثانوية غانم لـ”القدس العربي”، أنه في الجانب الكمي أيضا يفوق حجم المواد المخصصة لتاريخ اليهود، ضمن المراحل التعليمية من الابتدائية حتى الثانوية، بأضعاف تلك المخصصة للتاريخ العربي والفلسطيني. ويضيف: أكثر من ذلك، إذ يلزم التلميذ العربي ضمن المنهاج الرسمي على تعلم تاريخ اليهود والصهيونية، وتعلم أدب عبري صهيوني لأدباء أمثال بيالك، شاي عغنون، تشارنحوفسكي.

فيما لا ترد النكبة ومجمل الرواية التاريخية الفلسطينية من مناهج التعليم. هناك وحدة دراسية كاملة حول “اللاسامية وحركة الأمنسيباتسيا” والمحرقة النازية وتاريخ اليهود في أوروبا، فيما خصصت أيضا وحدة كاملة للصهيونية ضمن “الوحدة الخامسة” في موضوع التاريخ لصفوف الثواني عشر”. ويقول غانم، إن الرسائل التربوية المرغوبة من قبل الوزارة الإسرائيلية في المدرسة العربية تواظب على محاولة إقناع الطالب العربي بأن تاريخه بدأ في 1948 مع قيام إسرائيل، ضمن مشروع واسع لتحويل الإنسان من فلسطيني إلى إسرائيلي، عبر كبت وتهميش الهوية الوطنية وفرض هوية بديلة هجينة، وسبق أن تم إسقاط مشاريع قوانين قدمها نواب عرب في الكنيست للتعامل مع فلسطينيي الداخل، كأقلية قومية لهم الحق في إدارة حكم ذاتي ثقافي يشمل جهازا تعليميا يلبي حاجاتهم ويحمي حقوقهم.

الجغرافيا والرحلات المدرسية

بعكس الرحلات الميدانية في المدرسة الإسرائيلية، الهادفة لتعريف التلميذ على المكان بعد عبرنته وتهويده، وخلق علاقة وجدانية معه، تبقى الرحلات في المدارس العربية للترفيه ودون رسالة تربوية بشكل عام، وأحيانا لتذويت الأسماء المهودة للمكان، كما تؤكد لـ”القدس العربي” المربية سعاد معلمة علم الاجتماع في مدرسة ثانوية في منطقة الناصرة. تستبطن مواد الجغرافيا مساعٍ خفية لمحو التسميات العربية من ذهنية التلميذ العربي، واستبدالها بتسميات عبرية تفضي إلى حالة اغتراب بينه وبين بلاده وأوطانه وبيئته.

أسماء الأماكن تُستبدل

وتضيف منبهة إلى خطورة طمس الأسماء والمصطلحات الأصلية واستبدالها بأخرى عبرية، داخل مناهج الجغرافيا والرحلات المدرسية: “هكذا يصبح نهر العوجا (ينبع من رأس العين بجوار كفر قاسم ويصب في بحر يافا) نهر اليركون، نهر المقطع في حيفا يصبح نهر “الكيشون”، جبل فقوعة جبل “الجلبوع”، وجبل طرعان “بيت ريمون”، وجبل الطور “جبل طابور”، ومفرق مسكنة في الطريق إلى طبرية يصبح مفرق “غولاني”، ومفرق السعادة في الطريق إلى حيفا “مفرق التشيكبوست”. وترد بيسان في المناهج “بيت شان”، وصفد ترد “تسفات”، وعكا “عكو”، وهذا مجرد غيض من فيض الأمثلة”. وهكذا تتسع كتب الجغرافيا للشروحات حول المستوطنات على حساب البلدات الفلسطينية الموجودة والمهجرة. سعاد التي تفضل عدم ذكر اسمها تحاشيا للملاحقة، تشير إلى أن قسما من المعلمات والمعلمين العرب، يعوضون المفقود في المنهاج ويساهمون في تصحيح المشوه بالإشارة للرواية الفلسطينية، بشكل غير رسمي، وأحيانا يتعرضون للمساءلة.

في الماضي اعتمدت قصائد فلسطينية للاحتفاء بـ”يوم الاستقلال” بدلا ذكرى النكبة

الموطن والمدنيات والثقافة العامة

وضمن موضوع الموطن والمدنيات، توظف مضامين كثيرة متنوعة تعرض المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل، كمجموعة أقليات وحمائل وتنفي بشكل استباقي وماكر كونهم أقلية وطن قومية أصلية.

 

في واحد من كتب المدنيات في المرحلة الثانوية “مسيرة نحو الديمقراطية في إسرائيل”، جاء ما يلي: “في أيامنا لا توجد دولة ثنائية القومية، في الدول المسماة دولا ثنائية القومية مثل كندا وبلجيكا، لا يوجد هناك شعبان، بل مجموعتان عرقيتان تشارك كل مجموعة في السلطة حسب نتائج الانتخابات العامة في البلاد”. في الكتاب نفسه هناك درس خاص في النشيد القومي الإسرائيلي “هتكفا” تتبعه أسئلة خبيثة منها: ما هو التصرف المقبول عند سماع النشيد الوطني؟ وتتردد في الدرس كلمة “الاستقلال” عشرات المرات، فيما لا ترد كلمة “نكبة” ولو مرة واحدة. بشكل عام يلاحظ أن موضوع المدنيات يُعلّم بشكل موسع في المدرسة العربية بخلاف المدرسة الإسرائيلية، التي تركز على المواد القومية والدينية، علما أن إدخال الدين الإسلامي للمدارس العربية تم قبل ثلاثة عقود بعد ضغوط أهلية متتالية. ينسحب مبدأ الطمس والأسرلة على مواد الثقافة العامة بشكل أفقي وعمودي، من جيل الحضانة إلى الصف الثاني عشر، وبخلاف التربية على القيم والتنشئة الوطنية، التي تعرّف في المكان وفي الرموز وتعتمد الأسطرة (من أسطورة) وتبجيل الرواد والمؤسسين، تواظب وزارة التعليم الإسرائيلية في المدارس العربية (بما في ذلك مدارس القدس أيضا بشكل متصاعد في السنوات الأخيرة) على خلق شخصية ثقافية مشوهة وعدمية. هذا الأسبوع أقدم وزير التعليم في حكومة الاحتلال يوآف كيش على منع المضامين الليبرالية والديمقراطية وسمح بإدخال مواد حركة “إم ترتسو” العنصرية، وهي مواد قومجية ودينية متشددة جدا.

جاء في “أهداف التعليم الرسمي في إسرائيل وفقا لتعديلات من عام 2000 لقانون التعليم من 1953، أن تربية الناشئة على حب الإنسان وحب شعبه وبلاده، وأن يكون مواطنا مخلصا لدولة إسرائيل يحترم والديه، عائلته، تراثه، لغته، وهويته الثقافية، وغرس المبادئ والقيم الواردة في “إعلان استقلال إسرائيل” كدولة يهودية ديمقراطية، مع مراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية والتربية على التسامح”. هذا بالطبع لا ينسحب عمليا على التنشئة الوطنية في المدرسة العربية، بل إن مصممي السياسات التربوية تجاهلوا وجود نسبة كبيرة من التلاميذ العرب (600 ألف تلميذ عربي اليوم). تستمر هذه الأحوال في المدارس العربية (1200 مدرسة عربية فيها 700 مدير و500 مديرة) وإن كان أقل حدة، رغم كل الاحتجاجات، ورغم محاولات بعض وزراء التعليم ممن كانت لديهم توجهات ليبرالية، أمثال الوزيرين الراحلين يوسي ساريد وشولميت ألوني، في إطلاق سراح المدرسة العربية من قبضة المخابرات والهيمنة السياسية.

سماح خطيب: ملاحقة المعلمين

المديرة العامة للجنة متابعة التعليم العربي الدكتورة سماح خطيب لـ”القدس العربي” توضح أن المدارس العربية ما زالت تواجه تحديات كبيرة خاصة في ظل الانزياح المتصاعد نحو اليمين في إسرائيل في السنوات الأخيرة. وتقول إن لجنة متابعة التعليم العربي أنجزت قبل عشر سنوات دراسة نقدية حول واقع مناهج التعليم في كل المجالات، وإنها تواصل منذ سنوات كثيرة جدا مطالبة وزارة التعليم الإسرائيلية بتغيير هذه المناهج، خاصة ما يتعلق بالتربية على القيم والتربية على الهوية. وتوضح أن هناك مشروعا للتربية للقيم والهوية في المدارس الإسرائيلية (مشروع “جذر”) لا يجد مشروعا موازيا في المدارس العربية، غير أن لجنة متابعة التعليم العربي طرحت قبل ثلاث سنوات مشروعا نموذجيا بعنوان “جذور”، لكنه لم يُعمم على كل المدارس. وتضيف: “ننشغل في السنوات الأخيرة بقانون إسرائيلي، اعتمد قبل نحو العامين، يقضي بقوننة الملاحقة السياسية للمحاضرين والمعلمين والطلاب، علاوة على قوانين أخرى تهدف لتقليص مساحات الديمقراطية والفكر المستقل والنقدي داخل المدرسة، من خلال تغريم كل مدرسة “تشجع على الإرهاب”، وقد قدمنا التماسا للمحكمة العليا لإبطال هذا القانون غير الدستوري، من خلال مركز “عدالة”. ويخول القانون الجديد مدير عام وزارة التعليم في إقالة طواقم تربية “تتماهى مع الإرهاب” وحرمان مدارس من ميزانيات بالتهمة التي تحددها جهة سياسية متمثلة في المدير العام للوزارة والمعين من قبل الوزير”.

وتتابع: “نحن لا نعوّل على الوزارة فقط، بل نشجع الفعاليات الأهلية، سلطات محلية ولجان أولياء أمور ولجان طلاب وغيرها، للتعاون من أجل التربية على القيم والهوية والتعاون معنا كلجنة متابعة التعليم العربي، وتعميم روح المبادرة وسد النواقص وعدم التسليم بالموجود داخل المدارس. وقسم من المدارس يطبق الفكرة رغم الترهيب، ويحاول تنظيم الأهالي طلبا للتعاون والمساعدة والشراكات، لكن من دون تنظيم مؤسساتي جامع حتى الآن، والنجاحات جزئية فحسب. إلى اليوم المناهج التعليمية الرسمية المعدة للعرب في إسرائيل على حالها، وفي ظل تضييق عمليات الخناق على المعلمين العرب وحتى على اليهود الليبراليين التي يقودها وزير المعارف يوآف كيش بنفسه، بل تتراجع وتمس بهويتنا الجماعية وتشرعن الفكر الاستيطاني حتى كتب الرياضيات لا تخلو من مضامين تؤيد الاستيطان”.

مؤتمر عكا

يشار إلى أنه في الذكرى الستين للنكبة أوصى مؤتمر أهلي استضافته مدينة عكا تحت عنوان “ستون عاما على النكبة.. التحدي والانتماء، الواقع والرؤية”، بعدد من التوصيات، من بينها إقامة مكتبة وطنية فلسطينية وتشجيع الإبداعات الثقافية المحلية وترجمتها للغات أجنبية والعمل على توثيق الأدب الفلسطيني.

كما أوصى المؤتمر الذي نظمته مؤسسة “الأسوار” للتنمية الثقافية والاجتماعية، بتوثيق الرواية التاريخية الفلسطينية الشفوية وتوفير البنية التحتية التي توفر منتديات للأدب والثقافة والانفتاح على منجزات الثقافة العربية والعالمية.

وأوصى مؤتمر الثقافة الفلسطينية في الداخل أيضا بوضع خطة مستقبلية للثقافة الوطنية، تنطلق من مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان باعتبار حق الأفراد في الحصول على حياة ثقافية والمشاركة بها من أهم الحقوق. وأشار المؤتمرون إلى ضرورة أن تجسد الخطة الانتماء للأمة العربية والعمل الثقافي العربي المشترك وحماية الموروث الثقافي والحضاري ودعم التحديث لمختلف مجالات المعرفة الأدبية، والفنية، والتراثية والفكرية.

كما شهد المؤتمر سلسلة محاضرات من بينها، “الهوية الثقافية للفلسطينيين في الداخل قبل النكبة وبعدها”، و”اللغة العربية في ظل هيمنة العبرية”، و”مشروع تشويه هوية الفلسطينيين عن طريق جهاز التعليم الإسرائيلي الخاص بالمواطنين العرب”. وتطرق بحث في المؤتمر للهوية الثقافية الوطنية “ضمن واقع التهميش المضاعف”، إضافة إلى محاضرات عن الجوانب الثقافية لنصوص صدرت مؤخرا عن فلسطينيي 48، تهدف للتعريف بهم وبأهدافهم. وأكد الكاتب سلمان ناطور في مداخلته، أن الثقافة السائدة في أراضي 48 امتداد للثقافة الفلسطينية العامة وللثقافة العربية العريقة ماضيا ومستقبلا، داعيا لضرورة تحديد الموقف من ثقافة الآخر بمفهومها الواسع. وتابع أنه ولخدمة تعزيز الثقافة العربية ينبغي عدم الخوف من محاورة الثقافة الإسرائيلية “لنعرف كيف نستهلكها ونصون ثقافتنا”.

في مواجهة العبرية

وقتها تناول البروفيسور محمد أمارة، موضوع اللغة العربية في ظل مخاطر هيمنة العبرية وزحفها على حساب لغة الضاد، داعيا لرعاية مشروع ثقافي شامل يرفد المشروع السياسي وأهدافه الوطنية. وفي منحى آخر قدمت الدكتورة نادرة شلهوب كيفوركيان محاضرة بعنوان “تحديات نسوية في تحليل المفاهيم الثقافية” تطرقت فيها إلى دور وصورة السيدة الفلسطينية المناضلة في الثقافة. من جهته قال البروفيسور مروان دويري، المشارك في تصميم عدة وثائق رؤيوية قومية في أراضي 48، إن النكسة كانت صدمة موقظة دفعت فلسطينيي الداخل نحو معركة طويلة من أجل الحقوق والمساواة، استمرت حتى انتفاضة القدس والأقصى عام 2000، التي أنذرت ببدء المرحلة الجديدة، مرحلة النضال من أجل تحقيق أمانيهم القومية. وتابع أنه ليس كافيا أن تتنازل إسرائيل عن صبغتها اليهودية فقط، داعيا لاستبدال “النظام الديمقراطي” الراهن بديمقراطية توافقية تحمي الأقلية من تعسف الأغلبية. وقال مدير مؤسسة “الأسوار” الأستاذ يعقوب حجازي إنه لا مفر من حل جذري يتمثل في تمكين العرب من إقامة نظامهم الثقافي، يشمل التعليم ومقومات الثقافة ضمن مشروع متكامل كان هدفا من أهداف المؤتمر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية