واشنطن ـ «القدس العربي»:تواجه المدعية العامة في ولاية ميشيغان، دانا نيسل، انتقادات شديدة بعد تنفيذ مداهمات شاركت فيها قوات فيدرالية ومحلية استهدفت منازل طلاب ناشطين مؤيدين لفلسطين، في ما وُصف بأنه «تحقيق في أعمال تخريب»، بينما يرى معارضون أن الأمر يمثل اعتداءً واضحًا على حرية التعبير والتضامن مع القضية الفلسطينية.
مداهمات فجرًا وتحطيم أبواب
في صباح الأربعاء الماضي، اقتحمت فرق من مكتب التحقيقات الفيدرالي «FBI» والشرطة المحلية منازل في مدن يبسلانتي، وكانتون، وآن آربور، حيث تم تحطيم أبواب المنازل وتوجيه الأسلحة نحو سكانها، حسب فيديو نشرته منظمة «طلاب متحالفون من أجل الحرية والمساواة»، وهي فرع من حركة «طلاب من أجل العدالة في فلسطين».
ويُظهر الفيديو رجال الأمن وهم يقتحمون منزلًا في يبسلانتي من دون إعلان عن أمر تفتيش واضح، فيما أفاد السكان بأن ممتلكاتهم، بما في ذلك الأجهزة الإلكترونية والسيارات، تمت مصادرتها، وتم تقييد بعضهم بالأصفاد لفترة وجيزة قبل إطلاق سراحهم.
منظمات حقوقية: الاستهداف سياسي
قال داني ويمر، المتحدث باسم المدعية العامة الديمقراطية في ميشيغان دانا نيسل، وهو يهودي، في تصريحات لصحيفة ديترويت فري برس إن المداهمات التي نُفذت «ليس لها علاقة بالاحتجاجات داخل حرم جامعة ميشيغان»، موضحًا أنها جاءت «في إطار دعم تحقيق متعدد الاختصاصات القضائية في قضايا تخريب».
وأكد ويمر أن العملية «لا تتعلق بإنفاذ قوانين الهجرة، ولا تتضمن أي عناصر من هذا النوع».
ولكن هذه التصريحات قوبلت بالتشكيك من قبل محامين ونشطاء. فقد أكدت ليز جاكوب، المحامية في مركز قانون السكر في ديترويت، أن جميع من طالتهم المداهمات «شاركوا في الاحتجاجات ولديهم ارتباط بجامعة ميشيغان»، معتبرةً أن الاستهداف كان سياسيًا بحتًا.
وأضافت جاكوب «نحن مقتنعون تمامًا أنه لولا وجهات نظرهم السياسية ومواقفهم المناصرة لفلسطين، لما تم استهداف هؤلاء الطلاب بهذه الطريقة».
انتقادات من برلمانيين ومنظمات وطنية
ونددت البرلمانية رشيدة طليب، وهي العضو الفلسطيني الأمريكي الوحيد في الكونغرس، بالمداهمات قائلة: «من المؤسف أن يتخذ ديمقراطي مثل هذا القرار القمعي. حرية التعبير والاحتجاج يجب أن تشمل أيضًا من يدافعون عن فلسطين».
كما أصدر فرع «مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية «CAIR» في ميشيغان بيانًا يشجب فيه «الطبيعة العدوانية وغير المبررة» للمداهمات، معتبرًا أنها تأتي ضمن نمط أوسع من إساءة استخدام السلطة ضد النشطاء المسلمين والعرب.
وتشير منظمات حقوقية إلى أن هذه المداهمات ليست حادثة منفصلة، بل تأتي بعد سلسلة من التهم الجنائية التي وُجهت سابقًا لطلاب في جامعة ميشيغان، على خلفية احتجاجات سلمية ضد الحرب في غزة.
كما سلطوا الضوء على الممارسات السابقة في عهد إدارة ترامب، والتي شهدت اعتقال وترحيل طلاب دوليين شاركوا في مظاهرات مؤيدة لفلسطين، رغم عدم توجيه تهم جنائية إليهم، مستندين إلى قوانين الهجرة المتعلقة بالسياسة الخارجية.
وفي سياق متصل، طالب محامو الناشط الفلسطيني والمقيم في الولايات المتحدة محسن مهداوي، المعتقل على خلفية دعمه للقضية الفلسطينية، بإطلاق سراحه الفوري، مؤكدين أن احتجازه تم بسبب خطابه القانوني المحمي دستوريًا وليس لارتكابه أي جريمة.
وخلال جلسة عُقدت في محكمة فيدرالية بولاية فيرمونت يوم الأربعاء الماضي، وصف الفريق القانوني لمهداوي اعتقاله بأنه «انتقام غير قانوني»، مؤكدين أن استمرار احتجازه يشكل تهديدًا خطيرًا لحرية التعبير في البلاد.
وفي خطوة اعتبرها الدفاع «انتصارًا»، قرر القاضي الفيدرالي جيفري دبليو كروفورد تمديد أمر قضائي مؤقت يمنع نقل المهداوي من سجن نورث ويست الإصلاحي في سانت ألبانز، بولاية فيرمونت، وحدد جلسة جديدة في 30 نيسان/ابريل الجاري.
وقال القاضي كروفورد، بعد استعراض ما يقرب من 100 رسالة دعم قدمها أفراد من مختلف الخلفيات، بمن فيهم أعضاء في المجتمع اليهودي، إنه لم يرَ من قبل دعمًا شعبيًا مماثلًا من حيث التنوع الجغرافي والفلسفي.
وكان المهداوي، البالغ من العمر 34 عامًا والحاصل على الإقامة الدائمة منذ عشر سنوات، قد اعتُقل في 14 نيسان/ابريل من قبل عناصر من دائرة الهجرة والجمارك أثناء حضوره اختبار الجنسية في مدينة كولشيستر، فيرمونت. وذكرت مصادر قانونية أن عناصر الهجرة حاولوا نقله إلى لويزيانا، حيث يُحتجز ناشطون فلسطينيون آخرون في انتظار الترحيل.
ورغم تأكيد الحكومة أن المهداوي لم يُتهم بارتكاب أي جريمة، فإنها تستند إلى قانون الهجرة والجنسية لعام 1952، الذي يجيز طرد غير المواطنين في حال اعتُبر وجودهم خطرًا على السياسة الخارجية الأمريكية.
وأشارت وزارة العدل إلى أن استمرار إقامة المهداوي في الولايات المتحدة قد «يؤثر سلبًا على مصالح السياسة الخارجية»، في إشارة إلى الأمر التنفيذي الذي وقّعه الرئيس دونالد ترامب لمكافحة «معاداة السامية»، والذي يستخدم كمبرر لاحتجاز نشطاء مؤيدين لفلسطين.
وأكدت لونا الدروبي، إحدى محاميات الدفاع، أن موكلها «يُحتجز فقط بسبب خطابه القانوني»، مضيفة: «نعتزم العودة للمطالبة بإطلاق سراحه خلال الجلسة المقبلة».
من جهته، قال المحامي سايروس ميهتا إن القضية باتت تمثل اختبارًا كبيرًا للديمقراطية الأمريكية، مضيفًا: «هؤلاء الطلاب ليسوا مجرمين… بل أُودعوا السجون من دون توجيه تهم رسمية».
وشهد محيط المحكمة في برلنغتون، فيرمونت، تظاهرات شعبية واسعة تطالب بالإفراج عن مهداوي. وصرحت المتظاهرة نورا روبنشتاين بأن اعتقاله يشكل تهديدًا للديمقراطية والدستور الأمريكي.
كما أبدى السيناتور بيتر ويلش دعمه لقضية مهداوي بعد زيارته في السجن، مؤكدًا أن حرية التعبير، والتجمع، والدين، من المبادئ الأساسية التي آمن بها مهداوي وقدم لأجلها طلبا للحصول على الجنسية الأمريكية.
احتجاجات وتضامن سياسي
على جانب آخر، واصل طلاب وأكاديميون من جامعة كولومبيا الاحتجاج للمطالبة بالإفراج عن مهداوي وزملائه المعتقلين: محمود خليل، يونسيو تشونغ، روميسا أوزتورك، بدر خان سوري وآخرين. وفي لويزيانا، زار وفد من الديمقراطيين، من بينهم السيناتور إد ماركي والنائبان جيم ماكغفرن وأيانا بريسلي، المحتجزين، ونددوا بما وصفوه استغلال المحاكم لإسكات أصوات الطلاب.
وفي بيان قرأه أحد المحامين أمام الحشود، قال مهداوي: «هذه الجلسة هي جزء من النظام الديمقراطي الذي يمنع الطاغية من ممارسة سلطة غير مقيدة… أنا في السجن، لكنني لست مسجونا».