صورة ملتقطة من دير البلح وسط القطاع تظهر دخانًا فوق أبراج حمد السكنية في خان يونس بعد القصف الإسرائيلي في 17 أغسطس- ا ف ب
الناصرة- “القدس العربي”: بعدما قيل عنها إنها الفرصة الأخيرة، انتهت قمة الدوحة دون تقدّم عملي، وعاد الوسطاء خالي الوفاض، مع تصريحات متفائلة في الولايات المتحدة، وسط زيارة مرتقبة لوزير خارجيتها بلينكن للبلاد، مساء اليوم الأحد، بهدف إقناع رئيس حكومة الاحتلال بقبول ما رفضه حتى الآن، وباتخاذ “قرار مصيري، وإبداء شجاعة، ولو لمرة واحدة”، كما قال الوزير المستقيل بيني غانتس مناشداً نتنياهو، عشية انطلاق المداولات الأخيرة.
شيفر: القضية الفلسطينية تقف في صلب كل تسوية في المنطقة، ودون تسوية معقولة لها سينهار البيت على رأسنا. أهلاً وسهلاً بحرب إقليمية باتت خلف عتبة الباب
طبقاً لمصادر في إسرائيل، ستبدأ اليوم مداولات طواقم تقنية في القاهرة، تمهيداً لقمة جديدة فيها، بعد غد الثلاثاء، أو الأربعاء، وفي الخلفية تصريحات إيجابية للرئيس الأمريكي جو بايدن، قال فيها إن” الأطراف قريبون أكثر من أي وقت مضى لصفقة”. بايدن الذي سبق أن أعلن عن نفسه صهيونياً، ودعمَ إسرائيل في حربها المتوحشة على غزة بشكل منهجي بالسلاح والمال والغطاء الدبلوماسي، يواصل “تجريب المجرّب” بـ اكتفائه بالأقوال دون الأفعال لوقف حرب مرشحة لأن تتّسع وتهدّد كل المنطقة، بما فيها من مصالح أمريكية. بايدن المعني بترك بصمة مهمة وموروث يشار له بالبنان، كوقف هذه الحرب، ومنع اندلاع أكبر منها، يعلن، كما يعلن مقرّبون، أن واشنطن معنية بصفقة كبرى توقف الحرب، تعيد المخطوفين والنازحين وتمنع حرباً إقليمية، وترتيب الأوراق مع “حزب الله” وبناء تحالف إقليمي. من أجل الوصول فعلاً لذلك تستنكف الإدارة الأمريكية عن اتخاذ خطوات حقيقية فعلية توقف الحرب، وذلك لاعتبارات داخلية وانتخابية، ولحسابات خارجية تتعلق بصورة أمريكا بنظر حلفائها في الشرق الأوسط عندما تجبر إسرائيل على وقف الحرب خلاف رغبة حكومتها. عوضاً عن ذلك تكتفي الولايات المتحدة بالضغط على محور المقاومة بدفع الأساطيل للمنطقة والتهديدات المتصاعدة بالتدخل لحماية إسرائيل من أعدائها، وتراهن على أن إشاعة أجواء إيجابية من شأنها دفع كل الأطراف للتساوق والتفاعل معها.
لكن على الأرض الخلافات الجوهرية على حالها، وهي كثيرة، وتم ترحيلها للمرحلة الأخيرة تحاشياً لتفجّر القمة، وأهمها وقف الحرب، فحركة “حماس” تريد ضمانات بذلك بعد المرحلة الأولى، بيد أن حكومة الاحتلال ترفض، وتطلب تعهداً خطياً أمريكياً بإمكانية العودة للحرب. إلى جانب الخلاف حول محور فيلادلفيا ونيتساريم، وعدد المحتجزين في الدفعة الأولى، وكيفية تعريف “الحالة الإنسانية” لكل محتجز من أجل حسم هوية من يدخل الدفعة الأولى من تحرير الرهائن.
وهناك نقاط خلاف أخرى على حالها، مثل السؤال في أي نقاط يبقى الجيش الإسرائيلي في شمال غزة، وفي أي نقاط ينسحب، ومتى. وطبقاً لمصادر إسرائيلية، فإن الولايات المتحدة تطرح “صيغة جديدة” لصفقة محتملة مبنية هي الأخرى على ثلاث مراحل تقلّل من التواجد العسكري الإسرائيلي في محور فيلادلفيا، بعكس ما كان في صيغة بايدن المعلنة في 27 مايو/أيار، وتخلو من ضمانات لوقف الحرب، ولذا تؤكد “حماس” أن هذه الصيغة الأمريكية الجديدة تتبنّى عملياً المقترحات الإسرائيلية.
في المقابل؛ هناك من يرى أن وقف الحرب مهم لـ “حماس”، لكن هناك بنوداً أهم: بقاء تواجد إسرائيلي في القطاع هو أمر رمزي صعب جداً بالنسبة لـ “حماس”، علاوة على بعد عملي، خاصة أن محور فيلادلفيا حيويٌّ جداً لتهريب السلاح والذخائر. “بالنسبة لحماس هذا ضفدع ترفض ابتلاعه”، يقول رئيس معهد الدراسات الفلسطينية في جامعة تل أبيب الجنرال في الاحتياط ميخائيل ميليشتاين. وهو قد أوضح، في حديث للإذاعة العبرية الرسمية، صباح اليوم، أن رحيل الجيش من كل القطاع ضمن الصفقة المقترحة هو حاجة وجودية بالنسبة لـ “حماس”. وهذا ما يرفضه نتنياهو الطامع باستمرار الحرب، طمعاً بصورة انتصار تبقيه في التاريخ والحكم، وربما استدراج الولايات المتحدة لضرب إيران، ولذا فهو يثابر على تعطيل المداولات بشروط جديدة. ولذا لا يأبه نتنياهو أيضاً بموقف المؤسسة الأمنية والدولة العميقة الراغبة لعدة أسباب بوقف الحرب ومنع اتساعها، كما تجلى في تصريحات وتلميحات قائد جيش الاحتلال هرتسي هليفي، عشية انطلاق قمة الدوحة، بقوله إن الجيش يستطيع الانسحاب من محوري فيلادلفيا ونيتساريم ويملك حلولاً لأيّ مشاكل عملياتية، ويستطيع العودة بسرعة لمواقعه.
ميليشتاين: “حماس” مستنزفة، لكنها قادرة على مواصلة القتال في القطاع، وحسمها يحتاج لاحتلال فعلي واسع لشهور طويلة، خاصة أن قدرة الفلسطينيين على التحمّل كبيرة
وتبدي أوساطٌ مختلفة في إسرائيل تشكيكاً باحتمالات الصفقة العالقة، بل تستغرب أحياناً التفاؤل الأمريكي، وربما ينبع ذلك من معرفتها لنتنياهو وتجربتها الطويلة معه، منذ اعتلى الحكم في 1996، ولذا فهي تطعن بمزاعمه بأشكال مختلفة.
في حديثه المذكور، وبخلاف مزاعم “النصر المطلق”، والبعد عن هزيمة “حماس” خطوة واحدة، يقول ميليشتاين: “لسنا على بعد خطوة من تدمير “حماس”، فنحن في حرب استنزاف. بخلاف ما يشاع ويقال عن المنجزات العسكرية يومياً، فأنا أنظر للصورة الشاملة، ولا أرى خيطاً يربط بين المنجزات العسكرية المعلنة يومياً على لسان الناطق العسكري وبين انهيار “حماس”. ويتساءل كيف نصل لذلك دون خطة لليوم التالي؟ ويؤكد ميليشتاين أن “حماس” مستنزفة، لكنها قادرة على مواصلة القتال في القطاع، وحسمها يحتاج لاحتلال فعلي واسع لشهور طويلة، خاصة أن قدرة الفلسطينيين على التحمّل كبيرة. ويخلص للقول: “ما زلنا بعيدين أكثر من خطوة عن مكسب إستراتيجي يغيّر الواقع الراهن وخططنا المعتمدة لا تقرّبنا لذلك على ما يبدو”.
ويتقاطع معه رئيس قسم السياسي الأمني في وزارة الأمن، قائد وحدة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية سابقاً، الجنرال الاحتياط عاموس غلعاد الذي قال للإذاعة ذاتها، وبلغة ساخرة من التقارير الأمريكية والإسرائيلية المتفائلة: “نتقدم أم لا نتقدم، مع تفاؤل أم تشاؤم، ليس هذا هو السؤال، إنما السؤال هل تحققت النتائج: عودة المخطوفين، والتهدئة، وترتيب الأوراق في الشمال والجنوب.
وضمن انتقادات لفقدان إستراتيجية لدى إسرائيل تشمل نظرة واسعة ترى المصالح الكبرى والمخاطر الأوسع وتأخذ الحسابات الإقليمية، يؤكد غلعاد أن الأمور بنتائجها وخواتيمها، ويضيف، مبرراً الحاجة الإستراتيجية لإتمام صفقة الآن: “إسرائيل تتورّط بالانجرار لتوترات في عدة جبهات دون إستراتيجية، مع استمرار نزيف في عدة مستويات، مع مخاطر حرب كبرى”.
وتصب مصادر إسرائيلية أخرى ماء بارداً إضافياً على التقارير المتفائلة فينقل رونين بيرغمان، محرّر الشؤون الاستخباراتية في صحيفة “يديعوت أحرونوت” (مراسل نيويورك تايمز في إسرائيل أيضاً)، عن مصدر إسرائيلي أمني رفيع قوله بلغة ساخرة: “لم نتقدم في أي قضية حارقة، واحتمال أن يتم ذلك خلال هذا الأسبوع أكبر قليلاً من سلام عالمي يتحقق. التقارير الكاذبة حول اختراق في المفاوضات في الدوحة هي جريمة بشعة بحق عائلات المخطوفين”.
كذلك يشير المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” إلى أن الإدارة الأمريكية توجت القمة في الدوحة كنجاح، وستواصل ضغوطها الآن بهدف الضغط على نتنياهو للتقدم للصيغة التي أعلنها بايدن في أيار المنصرم، لكن التقارير حول الفجوات القائمة بين المواقف المبدئية بين إسرائيل وبين الوسطاء كبيرة، وهي ساتر دخاني في جوهرها.
مصدر أمني إسرائيلي: التقارير الكاذبة حول اختراق في المفاوضات في الدوحة هي جريمة بشعة بحق عائلات المخطوفين
ويبدي القنصل الإسرائيلي الأسبق في نيويورك ألون بينكاس تشكّكاً أيضاً، إذ يقول، في مقال تنشره “هآرتس” اليوم، إن هذا الحراك الأمريكي المحموم هو نتيجة خوف واشنطن من احتمال قيام نتنياهو بالمساس بمصالح أمريكية حيوية بشكل مباشر. لافتاً إلى أن “مصلحة أمريكا الإستراتيجية كانت، وما زالت، بناء تحالف إقليمي، وهذا يحتاج وقفاً للنار، والتزاماً بمسيرة سياسية كبيرة. غزة هي البداية. بحال لم تتم الصفقة وبايدن يقتنع بأن نتنياهو هو المسؤول فسيسمع العالم عن ذلك”.
وضمن تحذيراته مما سيحدث، يقول المحلل السياسي البارز في “يديعوت أحرونوت” شيمعون شيفر إن التاريخ مليء بأمثلة عن حروب نشبت نتيجة أخطاء، و”نحن في مثل هذا الواقع اليوم، وهذه هي خلفية المفاوضات التي لم تثمر بعد. في محيط نتنياهو يقولون إن ما سيكون هو ما كان: السنوار لم يتزحزح عن موقفه. كثير من الإسرائيليين يقولون: دعوا أمر المخطوفين، فالسؤال الآن؛ هل تقرّبنا صفقة من الهدوء مقابل غزة، أم أن الثمن الباهظ الذي سدّدناه في الحرب يلزمنا بالاستعداد لجولة جديدة مع غزة مستقبلاً؟
ويذهب شيفر لما هو أعمق وأخطر من تعطيل نتنياهو للصفقة، بتوقفه عند فشل عقيدة إدارة الصراع مع الشعب الفلسطيني بدلاً من تسويته: “بعد اتفاقات أبراهام نتنياهو سخر من كل من قال إنه من غير الممكن العيش هنا دون تسوية مع الفلسطينيين. أخطأتَ يا نتنياهو وضللت، وقد ورّطتنا بكارثة. القضية الفلسطينية تقف في صلب كل تسوية في المنطقة، ودون تسوية معقولة لها سينهار البيت على رأسنا. أهلاً وسهلاً بحرب إقليمية باتت خلف عتبة الباب”.
يشار إلى أن أبواق وحاشية نتنياهو تتحدث عن “تفاؤل حذر”، في تعقيبها على قمة الدوحة، ولكن يبدو أن هذا جزءٌ من مناوراته، ومن علاقات عامة تعتمد التضليل لتخفيف الضغط الداخلي والخارجي عليه.