ملاحظات القضاة في أثناء بحث المحكمة لا تدل كثيراً على القرار الذي سيكتبونه. فبحث “العليا” الماراثوني الذي جرى أمس وفر للقضاة فرصة أن يقولوا للجمهور ما يفكرون به عن قوتهم ومكانتهم وما يفكرون به عن الأزمة في إسرائيل وعن الأخطار التي تتربص به. المعسكران الأيديولوجيان داخل المحكمة انكشفا أمام الجميع. والعرض قدمه نائبان وممثل مبجل لرئيس الوزراء، لكن الحوار الذي أداره القضاة من فوق رؤوس الملتمسين والملزمين بالرد كان أهم بكثير، أكثر احتراماً بكثير من العرض الذي قدمه ممثلو الحكم.
سجلّ نهاية إستر حايوت في رئاسة المحكمة العليا، سنسمعه عندما تنشر القرارات الحاسمة في سلسلة التماسات تتعلق بالحكومة الحالية، وسيستغرق هذا أسابيع وربما أشهراً، أظهرت في أثناء البحث زعامة هادئة وخبرة وصلاحية. لكن ليس هذا هو الأساس، الأساس هو التجسيد بأن المحكمة لا تقاتل من أجل نفسها، بل من أجل الجمهور. لكنها مهمة تكاد تكون متعذرة في مجتمع إسرائيلي مستقطب ومفعم بالتحريض.
جلستُ في أحد الأقفاص الخشبية المعدة للصحافيين في قاعة المحكمة العليا. حاولت أن أتعلم شيئاً من لغة جسد القضاة. الحقيقة، لم أتعلم كثيراً. تأثرت بقدرتهم على الجلوس لساعات والاستماع لمحامين يكررون الحجج إياها مرتين وثلاث مرات وبالحماسة الاضطرارية إياها. بشكل عام، يغرقون في كراسيهم الضخمة، المرتفعة عن الشعب. أما هذه المرة، بسبب الاكتظاظ، فأجلسوهم على مقاعد متواضعة، في مستوى العيون. تدبروا وترتبوا حسب الأقدمية وليس وفقاً لفكرهم أو لذوقهم الشخصي. امتنعوا عن الحديث فيما بينهم، لعلهم تخوفوا مما ستلتقطه الكاميرات.
تم تقسيم القضاة إلى قسمين: محافظين وليبراليين. التعابير مشوشة: القضاة المسمون محافظين، يسعون بشكل عام إلى التغيير، بروح اليمين؛ والقضاة المسمون ليبراليين يميلون للحفاظ على ما هو قاسم، بروح الوسط السياسي. باستثناء قاضية واحدة، هي غيلا شتاينتس كنفو، التي اختارت ألا تفتح فمها، كل واحد من القضاة قال أمس أموراً عرفتنا إلى أين يميل. كل القضاة ألمحوا بأن القانون الذي ألغى على المعقولية سيئ، وضار، ومصوغ بإهمال أو زائد لا داعي له. هذا لا يعني أنهم سيؤيدون إلغاءه.
يمكن القول بحذر إن ثلاثة إلى أربعة من القضاة تحدثوا بطريقة وضعتهم في المعسكر المحافظ، وربما يقررون بأن القانون فعل ناجز؛ بمعنى أن المحكمة لا يمكنها أن تلمسه. وستة إلى سبعة قضاة تحدثوا بشكل سيؤدي ربما إلى قرار بإعادة القانون إلى الكنيست، لبعض التحسينات، أو بإلغائه.
أقدر بأن جهداً كبيراً سيبذل للوصول إلى صيغة تركز على الأمور الإجرائية، ويمكن للمحافظين العيش مع مشكلة كهذه. ارتكبت في عملية التشريع أخطاء إجرائية يمكن التعلق بها. ولعل القضاة سيعرفون كيف يستغلون حقيقة أن القانون يعطي منتخبي الجمهور حماية مطلقة على قراراتهم من أي رقابة– محظور على المحكمة البحث في معقوليتها – ويترك الموظفين التابعين لهم بلا حماية. هذا تمييز فظ من ناحية قضائية وأخلاقية وعملية. حسب القانون، يمكن معاقبة موظف نفذ تعليمات مدحوضة من وزيره – لا يمكن لمس الوزير.
لعله يكون مفتاحاً لحل يمنع أو يؤجل الأزمة الدستورية. المشكلة أن قانون إلغاء المعقولية لم يستهدف إلا هذا – تحرير الوزراء من رقابة المحكمة. إذا لم يكن القانون من أجلنا، فماذا يساوي؟ ستسأل الوزيرة ريغف.
لقد بعث الائتلاف إلى المحكمة بثلاثة ممثلين: كل واحد وأجندته. النائب سمحا روتمان جاء ليتنازع، قرأ خطابه المكتوب – كل كلمة كانت موزونة مسبقاً. وكان الهدف إهانة القضاة وإذلالهم. لم يفعل هذا لأن النزاع والإهانة والمذلة جزء من طبيعته.
الديمقراطية عنده تعني طغيان الأغلبية، وهذا خطير بحد ذاته. والوقاحة أنه تحدث باسم الأغلبية، باسم الشعب. يخيل لي أني كنت الوحيد الذي ضحك: فما لروتمان، اليهودي المسيحاني، المنقطع، الغريب عن المجتمع الإسرائيلي والغريب عن قيمه. ومن يمثل هو وسموتريتش وستروك، باستثناء العنصر المتطرف في المستوطنات. ما الذي يعرفه عن جدول الأعمال، وعن أزمات واحتياجات الشعب الذي يتحدث باسمه.
ثمة سياسية أخرى كانت هناك، تسمى تالي غوتليف. جاءت بتكليف من نفسها. دخلت، جلست في الصف الأول، أحست أنهم لا يأبهون لها، تفجرت، حصلت على النبأ العاجل الذي أرادته، وبّخت وخرجت مثلما دخلت.
مقابلهما، الممثل الثاني للائتلاف إيلان بومباخ، محامي نتنياهو، اختار طريقاً مختلفاً. سعى للتأثير على القضاة والمشاهدين في البيت بضجيج ورنين. الكثير من الهذر دون أن يقول للقضاة ما الذي يريده زبونه. من كثرة الأقوال، أطلق قولاً مهيناً وزائداً على وثيقة الاستقلال. أتاح له هذا أن يحصل على بضع مقابلات صحافية أخرى شرح فيها بأن أقواله أخرجت عن سياقها.
أما ثالثهم فهو المحامي إسحق برت، الذي مثّل المستشارة القانونية للكنيست. سعى القضاة لمعرفة ما الذي قصده المشرع. أوضح لهم برت أن ليس لديه فكره عن ذلك. المستشارة في جهة، والنواب في أخرى.
بوسع القضاء في إسرائيل أن يعيش بدون “علة المعقولية” لكن لا يمكنه العيش مع استمرار الوابل النظامي للحكومة. إذا كنا نحب الحياة، ففي وقت ما يجب لهذا الميل أن يتوقف، ولعلها الفرصة.
ناحوم برنياع
يديعوت أحرونوت 13/9/2023