لم تعرف مريم حجم الشرك الذي وقعت فيه، ففي بيان عبر “الواتساب”، قامت ثلاث بنات من صفها باستدعائها إلى مكان توقف باص الطلاب القديم. وأثناء بحثها عنهن، اندفعن نحوها من الخلف بقوة وضربنها وركلنها ورمينها على حجر مسنن على الشارع. مريم (التي تمثلها أندريا طايع) فقدت وعيها ونزفت من رأسها دماء كثيرة. ولحسن حظها، شاهدت الحادثة فتاة أخرى فاستدعت سيارة إسعاف وأنقذت حياتها.
هذا المشهد هو ذروة الفصل الأول في مسلسل نتفلكس الجديد “مدرسة روابي للبنات”، الذي أصبح مسلسلاً حظي بشعبية كبيرة في الأردن والدول العربية. هذا المسلسل الذي هو من إخراج تيما الشوملي، التي كتبت أيضاً المسلسل مع شيرين كمال، ليس مسلسلاً نموذجياً، يحتاج إلى القليل من عملية الصقل، وهناك أخطاء صارخة وأحياناً سخيفة في السيناريو، التمثيل غير مقنع ويعود بالأساس إلى نقص خبرة الممثلات المهنية.
ولكن أهمية المسلسل الذي أثار جدلاً وحب استطلاع تكمن في وضعه المجتمع العربي بشكل عام الأردني بشكل خاص أمام المرآة. كان يمكن لهذا المسلسل القصير أن يتم إخراجه في أي دولة، فعنف الطلاب لا يقتصر على المدارس العربية. عمليات الانتقام والمقاطعة والتنكيل والاستهزاء والإهانة، وملكات صفوف سيئات ووصيفات، كل ذلك أصبح ظاهرة منتشرة لدرجة أن الأمر لا يحتاج إلى أفلام، فالواقع مرعب أكثر.
كل ما في الأمر أن الفيلم يتحدث العربية بموقع ولافتات شوارع وبناء معماري. لا يظهر علم الأردن أو صورة الملك في أي مكان فيه. ومن يعرف عمان والمدرج الروماني والفنادق والجسر الذي يربط بين الأحياء فيها وبين حي عبدون الفاخر، يمكنه معرفة الدولة محل الحديث.
ثمة خاصية أخرى تساعد على تشخيص المكان: الردود الغاضبة من المسلسل، إلى درجة مطالبة نتفليكس بشطبه، وصلت من الأردن. وبدأت الشبكات الاجتماعية بمحاكمته من اليوم الأول. كان الانقسام شديداً بين من قالوا إن “المسلسل لا يمثل القيم العربية والأردنية” ومن قالوا إنه ضعيف ولا يمثل المشكلات التي تعاني منها الفتيات في المجتمع العربي.
“بنات روابي”، كما يقول نشيد المدرسة الخاصة التي تتعلم فيها بنات النخبة السياسية والاقتصادية في الأردن، “يطمحن للوصول إلى الذروة”. هن متميزات ولهن إنجازات ويرتدين أفضل الموضة الغربية ويستجممن وكأنهن في كلية أمريكية، ولكن حرباً مزدوجة تشتعل في أعماقهن. الأولى بين ثلاثي بنات الشواطئ – ليان (التي تمثل دورها نور طاهر)، هي ملكة الصف التي وبفضل مكانة والدها، تستخف بتعليمات المدرسة وتهدد المديرة رانيا (جوانا عريدة) الحمراء، التي اعتاد والدها الثري على ضربها عندما يكون ثملاً. ورقية (سلسبيل أدرياني) المحجبة – وبين البنات الأخريات اللواتي يتعرضن للتهديد منهن. الثانية هي بين “الملكات” وعائلاتهن التي يسيطر فيها الآباء والأخوة، الذين يملون “القيم الصحيحة”. فحش الثراء للأهل الذين يقودون السيارات الفاخرة ويعيشون في فيلات فخمة مقابل بؤس الخادمة سمية، التي يتم سحقها من قبل هؤلاء الفتيات، يعكس الذريعة التي أشعلت مظاهرات الاحتجاج في الأردن في السنة الأخيرة ضد الفساد والبطالة والفجوة بين الـواحد في الألف الذين يسيطرون على معظم رؤوس الأموال ويمكنهم تمويل التعليم الخاص والباهظ لأولادهم وبين المواطنين الآخرين.
لم تترك الشوملي أي آفة في المجتمع إلا وعالجتها بصورة مكثفة جداً. وكمن تخاف ألا يكفيها المجال لتوجيه كل سهامها، أخذت تعري سلطة الذكور المطلقة، وفي الوقت نفسه نفاق الأمهات اللواتي يخفن من كلام الناس السيئ أكثر من الندوب النفسية التي تصيب بناتهن. ولم توفر سمومها عندما أوضحت بأن الجيل الشاب، العصري والمتقدم، من الرجال لا يختلف عن جيل الأجداد الأبوي. في أحد مشاهد المسلسل المثيرة، تعالج الشوملي ظاهرة التحرش الجنسي في المجتمع العربي. رحلة المدرسة تجلب بنات روابي إلى موقع استجمام فاخر في الأردن، وهو مكان يخطط لتنفيذ الانتقام الشديد من الذين نكلوا بمريم. إحدى البنات “المنتقمات” وهي الطالبة نوف (راكين سعد)، المنعزلة في زاوية بركة السباحة يفاجئها رجل بالغ، بدأ يمد يديه نحوها. نوف، التي أظهرت “صوتاً مستقلاً، شابة تملك عزيمة الإصرار”، تحولت مرة واحدة إلى طفلة خائفة وعاجزة وتطلب منه الابتعاد عنها. ولكن الرجل لم يتوقف، صرخت بشكل هستيري، الأمر الذي جلب “إحدى الملكات” لمساعدتها وهي التي كانت حتى ذلك الحين هدفاً للانتقام. كانت قد صرخت على المتحرش وحاولت تهدئة نوف.
ولكن الشوملي لم تتوقف هنا. عندما سمعت نائبة المديرة، الآنسة عبير المحجبة، تفاصيل الحادثة فكل ما كان لديها لتقوله هو: “هو غير مذنب. ماذا كنتن تتوقعن عندما ترتدين بهذا الشكل؟”. “شرف العائلة” يتألق بكامل التنمر. ولكن ضرورة الحفاظ على التشويق تقتضي التوقف هنا.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 23/8/2021