مدفن أثري في مدينة صيدا اللبنانية لمحاربين من القرن الـ19 قبل الميلاد

عبد معروف
حجم الخط
0

صيدا-“القدس العربي”:كشفت التنقيبات الجارية في موقع “الفرير” الأثري، في مدينة صيدا اللبنانية، عن مدفن محفوظ بطريقة محكمة يعود لمحاربين دفنا منذ القرن التاسع عشر قبل الميلاد، ليبلغ العدد المدافن المكتشفة في الموقع الأثري ذاته حتى الآن نحو 171. وتعتبر حفرية “الفرير” من أهم الاكتشافات الأثرية في لبنان، نظرا للترابط الزمني والتاريخي في تسلسلها، بالإضافة إلى حجم المكتشفات الضخمة التي ظهرت فيها منذ بدء التنقيب قبل 21 عاما والتي تدل على أهمية مدينة صيدا وحضارتها الضاربة في جذور التاريخ.

 وخلال السنوات الماضية من أعمال التنقيب، أظهرت نتائج الدراسات العلمية التي أجريت على عينات رفات عثر عليها لسكان في صيدا خلال العصر البرونزي، أنها من أصول كنعانية، وأكدت على ثلاثة ثوابت، أولاها: أن صيدا اللبنانية مدينة كنعانية وأن سكانها لم يتركوا أرضهم أبدا، ثانيها: أن أعمال التنقيب فتحت الباب على مصراعيه أمام التوغل أكثر في سبر أغوار تاريخ المدينة، والبحث عن الحلقة المفقودة وأسرارها بين الحقبة الكنعانية والفينيقية، وثالثها: أن هذه الحفرية نادرة الوجود على الساحل اللبناني والمتوسط وقد تعيد ربطها المفقود رغم الصعوبة البالغة إذ لا يوجد أي شيء مكتوب يؤرخ لها.

ولابد من الإشارة إلى أن باطن أرض صيدا يلفظ جزءا من أثقالها وأسرارها: معالم أثرية واكتشافات بشرية تعيد تدوين التاريخ الغابر لمدينة “صيدون” القديمة، وتبدأ من الحقبة البرونزية قبل 3000 عام قبل الميلاد وصولا إلى العصر الروماني وبعض العصر الإسلامي، فيما تشخص الأنظار اليوم إلى حفريات “الفرير” التي عثر فيها على أهم المكتشفات وآخرها هيكل عظمي لمحارب من العصر الكنعاني دلت الدراسات الأولية على أنه ذو أهمية ونفوذ كبيرين.

عامود من الحقبة الفارسية

بدأ العمل في حفرية “الفرير” الواقعة عند تخوم مدينة صيدا القديمة عام 1998 بعدما استملكتها مديرية الآثار عام 1960 في عهد الأمير موريس شهاب عقب العثور فيها على عامود تاريخي يعود إلى الحقبة الفارسية وهو الآن موجود في المتحف الوطني اللبناني في بيروت، وبقيت على حالها إلى أن أعطى في العام 1998 المدير العام السابق لمديرية الآثار الدكتور كميل الأسمر الاذن للمتحف البريطاني لبدء الحفر والتنقيب عن آثار صيدا، قبل أن تكتشف أواخر العام ذاته أول طبقات حقبة 3000 عام قبل الميلاد وتكر السبحة.

ومنذ أكثر من عشر سنوات، وأعمال الحفر والتنقيب عن تاريخ “صيدون” القديمة تتواصل، حيث يقوم أعضاء البعثة البريطانية الموفدة من المتحف البريطاني ومعهم خبراء آثار لبنانيون بالتنقيب في المكان حيث عثروا على 81 مدفنا إضافة إلى 22 مخزنا للقمح وغرف ورفات آدمية الى جانب أخرى حيوانية

على أن الأهم، هو كشف الحقب الزمنية المتعاقبة والطبقات الأرضية المتتالية، إذ ظهر أن هناك 6 طبقات لحقبة 3000 قبل الميلاد ـ العهد البرونزي القديم، و8 طبقات لحقبة 2000 ـ العهد البرونزي الوسطي أي الكنعاني، و5 طبقات لحقبة 1000، العهد الحديدي أي الفينيقي وآخره الفارسي، ما يعني وفق خبراء الآثار التسلسل التاريخي من دون إنقطاع وهذا الأمر نادر في لبنان.

أهمية المكتشفات التي ظهرت في حفرية “الفرير” في صيدا دفعت بمدير فرع الشرق الأوسط في المتحف البريطاني جوناثان توب للحضور إلى لبنان للإشراف شخصياً على أعمال التنقيب الجارية في صيدا والاطلاع على المكتشفات، حيث أكد أن “صيدا من أهم المواقع الأثرية والمتحف البريطاني يفتخر بأنه يدعم أعمال الحفريات والتنقيب في المدينة”.

لقد تحولت الحفرية في “الفرير”اليوم إلى خلية نحل تعج بالحركة، ينتشر فيها نحو 15 عضوا من البعثة البريطانية، يساعدهم أكثر من 35 عاملا لبنانيا، ينهمكون في التنقيب عن الآثار على امتداد عشرات الأمتار في ورش متلاصقة، بعضهم يحفر بالمعاول والرفوش، يشق سطح الأرض، والآخر يغوص في باطنها بحثا بين الأحجار المتراكمة التي بدت وكأنها “بيوت خاوية على عروشها” فيما الثالث ينقل التراب والرابع ينظف المكان.

حياة السكان

وتسعى البعثة البريطانية التي تضم خبراء بالعظام البشرية وبأعمال التنقيب وأصوله إضافة إلى فنيين وتقنيين من المتحف البريطاني وجامعتي “لندن وبرادفورد” للتنقيب عن المكتشفات الأثرية والتاريخية لمدينة صيدا الاطلاع على سبل حياة السكان وطريقة عيشهم وعاداتها، فيما تجري الأعمال بإشراف الـمديرية العامة للآثار وبالتنسيق مع مديرة مكتب صيدا ميريام زيادة.

وتؤكد رئيسة بعثة المتحف البريطاني المشرفة على أعمال التنقيب في موقع “الفرير” الأثري الدكتورة كلود ضومط سرحال، أن المدفن الذي اكتشف أخيرا يحتوي على رجلين محاربين دفنا على جانبيهما الأيمن ويعود تاريخه إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد، ذلك إن السلاح الموجود في المدفن عبارة عن خنجر بثلاثة مسامير، بينما تم وضع حزام برونزي بعناية بالقرب من الهيكل العظمي، وقد زيّن بدوائر متحدة المركز ومتصلة ببعضها على الجهة الخلفية بسنارتين مقوستين تستخدمان كقفل، كما وضعت بالقرب من القدمين بقايا عظام حيوانية (أغنام وماعز) لمرافقة المتوفي في العالم الآخر.

وأشارت إلى أن هذا الخنجر البرونزي لم يستعمل كأداة عسكرية، بل على الأرجح اتخذ كرمز مرتبط بالوضع الاجتماعي للنخبة التي ينتمي إليها المتوفي. ومن الواضح أن مثل هذه المدافن كانت تمجد الأعمال البطولية لهؤلاء المحاربين، وهي ظاهرة تشهد عليها بداية الألفية الثانية قبل الميلاد. وإن وجود الحزام والخنجر جنباً إلى جنب مع جميع القطع الأثرية الأخرى المكتشفة على مر السنين سيتم عرضها في الطابق الأول في متحف صيدا، في حين يحتوي الطابق الأرضي على زيارة للموقع.

وكانت التنقيبات في موقع “الفرير” الأثري كشفت قبل أشهر قليلة عن وجود بقايا 25 هيكلا عظميا وتبين أنهم جنود صليبيين قتلوا خلال معركة في القرن الثالث عشر، بعدما تمكن فريق من الباحثين من معهد “ويلكوم سانجر” البريطاني من استخلاص الجينوم الكامل من الحمض النووي لتسعة بقايا هياكل عظمية وتحليل بصمتهم الوراثية بمقارنتها بآلاف العينات من جميع أنحاء العالم، فاكتشفوا أن ثلاثة من الجنود التسعة كانوا أوروبيين، أربعة كانوا لبنانيين وشخصين كانا خليطا من الأوروبيين والسكان المحليين.

ويقول البريطاني ريتشارد نيكولوسكي الخبير بدراسة عظام الإنسان “إن ما تم العثور عليه خلال عمليات التنقيب في الفرير غاية في الأهمية، إذ يشير إلى الحقبة التاريخية وطرق الدفن، فضلا عن العادات والمعتقدات الدينية” موضحا أن الهيكل العظمي الذي ظهر منذ أيام وكان مدفونا في باطن الأرض على عمق نحو ثمانية أمتار من سطح البحر، يعود إلى محارب كنعاني وقد عثر معه أيضا على رفات حيوان على الأرجح “خروف” وعظام سمكة متكاملة، إضافة إلى رمح وفأس وعدة حرب صغيرة هي عبارة عن “نياشين” ـ أوسمة تدل على الرتبة وأهمية الشخص المدفون في المكان”.

دراسات على الهياكل العظمية

وإلى جانب ريتشارد، إنكبت رنيكا باور على التنقيب في حفرية صغيرة، عثرت فيها على “جرة” وبداخلها عظام طفل وليد، تقول “جئت من أستراليا لمساعدة لبنان على إكتشاف آثاره، هي المرة الأولى لي هنا، ولكنني عملت سابقا في مصر لعدة سنوات وساعدت في عمليات التنقيب عن الآثار”.

وقالت “نحن هنا لإجراء دراسات على الهياكل العظمية للإنسان لأنها تدل على طريقة العيش وكيفية الدفن والحقبة الزمنية، قبل أن تردف أن العثور على عظام طفل في جرة ليس أمرا مستغربا، لأنه في تلك الحقبة التاريخية ـ الكنعانية كان يتم دفن جميع الأطفال في جرار” وتوقعت باور، اكتشاف المزيد من الآثار الهامة نظرا للتسلسل الزمني لهذه الطبقات.

وتؤكد المشرفة على أعمال التنقيب في البعثة البريطانية الدكتورة كلود ضومط سرحال على أن العمل يتركز على التوسع أفقيا، أصبحت الآن الطبقات والحقب الزمنية معروفة، ومن الواضح انه لا توجد منازل سكنية، بل مبان مهمة جدا، دينية أو مقر أو مخازن يمسك بها من كان يقيم في المكان وهو الذي يوزع المونة، وربما يكون “الحاكم” فكل المقابر التي عثرنا عليها مهمة وهي ليست لفقراء على الإطلاق، لأننا وجدنا مع الرفات علامات تدل على “الرتب” أو “المقامات” وآخرها مع المحارب الكنعاني وجدنا “فأس” و”رمح” و”عدة” حربية صغيرة لا تستخدم للقتال وانما للزينة وللدلالة على أهمية الشخص، وقد جاء ذلك بعد العثور على أطنان من القمح المحروق خلال أعمال التنقيب العام الماضي، أثبتت الدراسات أنه يعود إلى 3000 عام قبل الميلاد واحترق قسم منه بفعل النيران التي اشتعلت في صيدا في ذلك الوقت” مشيرة في الوقت ذاته انه “ليس هناك مكتشفات أهم من الأخرى، لكل حقبة زمنية مكتشفاتها، متوقعة ظهور مكتشفات أثرية مهمة جديدة”.

وأوضحت “اننا نعمل كي ننتهي العمل سريعا ونفتح المكان أمام العموم لرؤية الموقع والقطع الأثرية التي عثرنا عليها والتي ترمم تدريجيا” قبل ان تختم “حرام أن تبقى داخل علب للحفظ فقط”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية