الخرطوم ـ «القدس العربي»: نشرت مجموعة «محامو الطوارئ» الناشطة في رصد الانتهاكات العسكرية في السودان، تقريراً بعنوان «مدن تحت الحمم»، حول ضحايا القصف المدفعي والجوي، ودعت
مجلس الأمن الدولي إلى توسيع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ليشمل جميع مناطق البلاد، بالإضافة إلى اختصاصها في إقليم دارفور غرب البلاد.
وأشارت إلى أن تاريخ النزاع المسلح الداخلي في السودان منذ الاستقلال في مجمله ظل يأخذ طابع الاقتتال خارج المدن بين الأطراف المتنازعة مع بعض الاستثناءات، بينما شكلت حرب 15 أبريل/ نيسان الماضي تطورا كبيرا في تاريخ الصراع المسلح في السودان.
وذكرت أن العاصمة الخرطوم ومدينتي نيالا والأبيض تعيش أوضاعا مأسوية نتيجة لأعمال القتال تحت «حمم نيران القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع» بسبب الاستخدام العشوائي لسلاح الجو والمدفعية الثقيلة والخفيفة والذي خلف أعدادا كبيرة من الضحايا المدنيين.
253 شهادة
وقال محامو الطوارئ إن التقرير الذي رصد 253 شهادة للضحايا والخبراء والشهود العيان في الفترة من 16 أبريل/ نيسان إلى 19 سبتمبر/ أيلول، قام برصد الانتهاكات الناتجة عن عمليات القصف في العاصمة الخرطوم بمدنها الثلاث (الخرطوم – الخرطوم بحري ـ أمدرمان) ومدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، ومدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان.
وحسب التقرير، تشمل منظومة تسليح القوات المسلحة السودانية أسلحة جوية ومدفعية منشأها دولة روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقا مع القليل من الأسلحة الصينية، بما يتضمن سوخوي ـ ميغ ـ انتينوف.
وأشار إلى أن الطائرات المقاتلة الميغ روسية الصنع تحمل حوالى 3500 كيلوغرام من الأسلحة، من ضمنها صواريخ جو ـ جو، وجو ـ أرض. بينما سوخوي 35 روسية الصنع، تحمل صواريخ موجهة جو ـ جو وجو ـ أرض، وقنابل موجهة وغير موجهة، ومدفعا عيار 30 مم، ورادارا من طراز «بارس ـ آر».
وتحدث عن طائرات الشحن الأوكرانية التي تم تطويرها لأغراض قتالية لتصبح قاذفة جو ـ أرض بعيدة المدى بعدد أربع قاذفات.
كذلك تشمل منظومة الجيش القتالية، مسيرات صينية الصنع لأغراض الاستطلاع والرصد تم تطويرها لحمل قذائف بواسطة التصنيع الحربي السوداني.
ويمتلك الجيش كذلك المدفعية المتوسطة وراجمات الصواريخ والصواريخ بعيدة المدى (شواظ) والتي يصل مداها إلى 250 كلم ومدفعية 155 ملم و130ملم 122 ملم هاوتزر 100 التي و يتراوح مداها ما بين 5 كلم حتى 40 كلم وتصل القوة التدميرية للدانات والصواريخ الى دائرة قطرها 400 م.
وأشار التقرير إلى أن قوات الدعم السريع لا تمتلك أي طائرات مقاتلة، وأنها قبل حرب 15 أبريل/ نيسان لم تمتلك طائرات مسيرة، في حين ظهر استخدام طيران مسيّر في عدد من المعارك، وهناك تضارب في المعلومات حول حصولها من مخازن مصنع اليرموك التابع للجيش على طائرات استطلاع صينية معدلة وبين حصوله على طائرات مسيرة صربية الصنع معدلة من خارج السودان.
كذلك يمتلك «الدعم السريع» مدفع هاون 120 وهو إنكليزي المنشأ يقوم بإعادة تصنيعه عدد من الدول وهو يرمى من زاوية 45 درجة إلى زاوية 90 درجة. ويمتلك منظومة المدافع الصاروخية (الراجمات) المتعددة عيار 107 وهي منظومة سلاح خاصة لدعم القطاعات العسكرية المتحركة تستعمل ليلا ونهارا وفي كل الظروف الجوية.
وحسب إفادات شهود عيان، أوردها التقرير حول مواقع إطلاق قذائف المدفعية وإقلاع الطائرات المقاتلة والمسيرات والأهداف العسكرية، فإن هناك تبادلا للقصف المدفعي والجوي بشكل عشوائي حصد أرواح المئات من المدنيين لعدم دقة التصويب.
كما أن الجيش يستهدف ارتكازات قوات الدعم السريع أو المواقع التي يشتبه بأن الدعم السريع يستغلها كمقار عسكرية داخل الأحياء، بينما يستهدف الدعم مقار ومواقع القوات المسلحة.
«تكيفت حاسة السمع»
وفي منطقة كرري العسكرية «قاعدة وادي سيدنا الجوية» غرب العاصمة الخرطوم، قال ن.ع، الذي يسكن منطقة السروراب شمال أمدرمان: «بعد 5 أشهر من الحرب تكيفت حاسة السمع لدى أغلب السكان مع صوت إطلاق المدفعية الثقيلة من مقر القاعدة باتجاه الجنوب، وأصبح من المالوف الاهتزاز الذي يصيب أبواب ونوافذ المنازل، كما أن صوت الطائرات المقاتلة وطائرات الاستطلاع التي تقلع من القاعدة الجوية قليل الأثر مقارنة مع صوت التدوين المدفعي».
محامون يدعون مجلس الأمن لتوسيع اختصاص الجنائية الدولية ليشمل جميع أنحاء البلاد
وفي منطقة أمدرمان العسكرية «سلاح المهندسين» بين م.ر، وهو موظف يسكن حي المربعات المجاور لسلاح المهندسين أمدرمان أنه «قضى ثلاثة أشهر في منزله رغم الاشتباكات المستمرة بين طرفي النزاع واضطر أخيرا للمغادرة نتيجة الصوت المرعب للتدوين المدفعي الصادر من مقر سلاح المهندسين».
أما منطقة جنوب الخرطوم، حيث تقع منطقة الشجرة العسكرية «المدرعات» ومعسكر الدفاع الجوي، فقد تطابق عدد من الإفادات لعدد من شهود العيان يقيمون في عدد من الأحياء المجاورة للموقعين، والذين ذكروا أن قوات الدعم السريع قامت باستهداف الموقعين بـ «الهاون» بينما تبادلهم القوات المسلحة القصف في اتجاه ارتكازاتهم داخل الأحياء.
وأشار التقرير إلى أن الدعم السريع ليست لديه مواقع ثابتة للقصف، إنما ينصب مدافع الهاون في عدد من الارتكازات او مواقع يستغلها لأغراض عسكرية داخل الأحياء شرقي الخرطوم لاستهداف القيادة العامة الجيش، وأخرى في أحياء وسط وغرب الخرطوم لاستهداف سلاح المدرعات وحي الفتيحاب والصالحة جنوب أمدرمان لاستهداف سلاح المهندسين بينما من مناطق غرب بحري وأمبدة لقصف القاعدة الجوية في كرري.
وحسب أفادات و. ع من سكان امتداد ناصر فإن «الدعم السريع» ينشر منصات إطلاق قذائف الهاون في الحي في سوق 8، مستهدفا القيادة العامة للقوات المسلحة.
كما يفيد س. ر، من سكان صالحة أن الدعم السريع يقوم باستهداف سلاح المهندسين من خلال نشر منصات الإطلاق من وسط الأحياء المكتظة بالسكان.
نيالا والأبيض
وفي مدينتي نيالا والأبيض، يتركز القتال بين طرفي النزاع حول مقرات فرق الجيش الفرقة «16» في نيالا والفرقة «5» في مدينة الأبيض الواقعتين بجوار الأحياء السكنية حيث يستهدف الدعم السريع مقرات الفرق بوابل من القذائف المدفعية بينما تتحصن القوات المسلحة داخل مواقعها في وضعية الدفاع وتقوم بالرد بوابل من القذائف المدفعية على ارتكازات ومواقع الدعم السريع، مما يخلف العشرات من الضحايا المدنيين نتيجة سقوط الدانات التي يتم إطلاقها من الطرفين بشكل عشوائي، كما تقوم القوات المسلحة بطلعات جوية تستهدف مواقع الدعم السريع في المدينتين والتي «تضل طريقها» مما أدى لحصد أرواح المدنيين.
وحول منصات انطلاق الطائرات المقاتلة والمسيرات، قال التقرير إن قوات الدعم السريع لا تمتلك طائرات مقاتلة، ولكن تم توثيق حالات تنفيذ هجمات عبر الطائرات المسيرة يتم توجيهها إلكترونيا، الأمر الذي يصعب معه تحديد مواقع انطلاقها. بينما تمتلك القوات المسلحة طائرات مقاتلة تقلع من قاعدة وادي سيدنا الجوية لتنفيذ هجمات على مدن ولاية الخرطوم ومدن الأبيض ونيالا. أما بالنسبة للطائرات المسيرة، فهي أيضا تمتلكها ضمن منظومة تسليحها إلا أنه بالنسبة للدعم يصعب تحديد منصات إنطلاقها.
وقال إن عشوائية القصف الجوي والمدفعي فرضت وضعية وجود مقرات ومعسكرات قوات طرفي النزاع في مراكز المدن ووسط الأحياء السكنية في مدن العاصمة وعواصم الولايات التي يدور فيها النزاع المسلح، مما جعل المدنيين بين مطرقة القوات المسلحة وسندان الدعم السريع، بينما يتبادل الجانبان الاتهامات بشأن القصف العشوائي حيث يسعى كل طرف إلى التملص من مسؤوليته.
ووثق التقرير 160 حالة قصف مدفعي وجوي تم التحقق منها راح ضحيتها 954 من المدنيين وبلغ عدد الإصابات 2434 إصابة، في الفترة من 16 أبريل/ نيسان إلى 19 سبتمبر/ أيلول الماضي تشمل 129 عملية قصف مدفعي و31 عملية قصف جوي بطائرات مقاتلة في مدن الخرطوم بحري أمدرمان والأبيض ونيالا.
وتشمل 647 حالة وفاة و 1646 حالة إصابة في العاصمة الخرطوم و79 حالة وفاة و 236 حالة إصابة في مدينة الأبيض. وفي مدينة نيالا تحقق المحامون من 228 حالة وفاة و 552 إصابة.
ووثق التقرير عمليات قصف استهدفت عددا من المستشفيات بينها مستشفى فضيل، الشعب، ابن سينا بشائر، الزيتونة الخرطوم التعليمي، مركز الجنان للأورام، ابراهيم مالك، الأطباء المستشفى التركي، البراحة، بحري التعليمي، الاطفال التعليمي، الرومي، هاي كير بالإضافة إلى المستشفى البريطاني والكويتي.
كذلك استهدفت عمليات القصف، مطار الخرطوم الدولي ومطار الأبيض وجسر ود البشير ومجمع المحاكم في مدينة امدرمان ورئاسة السلطة القضائية وتسجيلات أراضي الخرطوم ومحكمة جنايات الخرطوم شمال محكمة الخرطوم الجزئية ومجمع محاكم دار السلام وتسجيلات أراضي دار السلام، فضلا عن قصف سوق بحري، ومسجد محمد ود ضيف الله في منطقة حلفاية الملوك ومسجد الحامداب العتيق ومسجد حاج نور في حي المعمورة ومسجد حي بري الدرايسة ومدرسة امتداد ناصر ومسجد الري المصري ومسجد دار الحافظ في امتداد الدرجة الثالثة ومحطة مياه القمائر ومدرسة ومسجد دار المعارف في حي الازهري ومدرسة امبد الحارة 20 بنين.
واستهدف القصف كذلك المتحف القومي والقصر الجمهوري وسط الخرطوم وسوق الملجة في مدينة نيالا وعددا من محطات الكهرباء وشبكات الضغط العالي ومحطات المياه وأبراج الاتصالات.
وطالب محامو الطوارئ، الجيش وقوات الدعم السريع بالتوقف عـن عمليات القصف العشـوائي واستهداف المناطق السكنية والمستشفيات والمدارس والأسواق والتمييز بين المدنيين والمقاتلين وبين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية، ووقف كل أشكال استهداف للمدنيين.
ودعوا الجانبين كذلك إلى احترام مبدأ التناسب في استخدام القوة، والتوقف عن شن أي هجوم يمكن أن يؤدي إلى قتلى أو جرحى في صفوف المدنيين أو إلى أضرار في ممتلكات المدنيين لتحقيق مكسب عسكري مباشر أو ملموس لا يتناسب مع هذه الأضرار، وعدم استهداف الأعيان المدنية والمستشفيات ودور العبادة ومراكز الإيواء ومحطات الكهرباء والمياه والاتصالات
وطالبوا الطرفين بالاستعداد على كل المستويات للتعاون مع التحقيقات الدولية في انتهاكات القانون الإنساني الدولي.