مدينة الأدخنة والنور

حجم الخط
0

أنزل محطة (محمد نجيب).. الأقرب إلى وسط البلد.. وسط النور. مشوار ثقيل الظِل والأطراف إلى التأمينات قد يأتي بكتلة نقود جَرَّني إلى ذلك اليوم الذي لا يجب أن يمر سهلا هكذا.
لا أدري كيف بالضبط.. لكنني انطلقتُ إثر خطواتي، أحمل نفسي والجاكيت الجِلد الثقيل للغاية. كلّفني البرد حَمله على ذراعي الضعيف ولم يأتِ ليبرره!
الجو كان شديد الحرارة، رغم أنني حملتُ الجاكيت جيدًا!
لا أدري أيضا كيف وأنا التي تتثاقل في الذهاب لأي مكانٍ وحدي، ‘عملت البِدَع’ وسألتُ صديقًا عن الطريق إلى الهيئة العامة للكتاب. نعم، فأنا لم أزر ذلك المكان أبدًا رغم أنني عملتُ قرب ذلك المكان لنحو ثلاثة أعوامٍ متتالية. أما تلك ‘الهيئة’ فلم أستطع أبدا تجاهل كآبة اسمها ورتمه ثقيل الوقع على قلبي. أما اليوم، فما تلك الشجاعة التي كسرت حاجزيْ اسم الهيئة ورغبتي في الونس وجعلتني أركض داخل نفسي؟!
في البداية كان الأمر عاديا. أسير على الإسفلت الطبيعي للغاية.. إسفلت طبيعي لدرجة الغرابة! وكأنه لم يمتصّ أبدًا كمياتٍ من الدم والأبخرة ورذاذ الدخان والجرافيتي والطوب المسالمِ والرصاص العدو. ثم بدا وكأن الأرض تحت قدميّ حبّاتٍ من ‘الزلط’ المرصوص بدقة.. أو كالبالونات الصغيرة التي نصنعها من تلك التي تُفقأ دون رغبةٍ منّا.. الحقيقة أنها بدت بالضبط كأرضيات الشوارع الفرنسية القديمة. أنظر لتلك الأرض فلا أجد بها انبعاجًا ولا انتفاخًا بشيء! أكتشف أنها وسط البلد وكفى. وسط البلد التي تسير تحت قدمين ضعفتا من ندرة السير فوقها.
أخرج من الهيئة المبهرة بعد أن أكلتني.

لم أستطع اقتناء كتابٍ في الفن التشكيلي تعدى سعره المائة والخمسين.. صفحاته تمتلىء بالروعة والدهشة والحياة! لم يكن أحد الكتب التي عنتها ‘غادة’ لكنه ملأ روحي بالوهج والنور. تربكني فجأة أسئلةٌ عن كتابي الذي كان له أن ينزل لولا أحداث الثورة.. ‘آدي اللي خدناه منها’!

أبتسم بسعادةٍ وأنا أشعر بزفيرٍ ما يضربُ وجهي عن قرب. لابد أن صِدِّيقا أو شهيدا مرّ على رصيف مكتبة الشروق حيث سألتقي غادة.. بعض رائحته لا تزال ممسكةً بالمكان تضربُ ‘الرايح والجاي’ كي لا ينسى.
تأخذني صديقتي غير مبالية بالجاكيت الجلد ولا بؤجة الكتب والهدايا التي بعثرتُ عليها ما معي وكأنني آتية إليهم من بلاد أخرى ببعض التذكارات. وكأنه ليس في حيّنا كوفيات من الصوف. نجلس على ‘البورصة’ التي لم أجرؤ أبدا على سؤال أحدهم لمَ سموها ذلك الاسم الرأسمالي الغريب. المهم أنني عرفتُ كيف أن هناك بضع مقاهٍ وكلها بنفس الاسم.. نعيد ونعيد في الحديث.
نتكاشف أنا وغادة.. لسنا صديقتين حميمتيْن ‘ولا حاجة’. لا يزعجني الأمر على غير ما توقعتُ. كل ما في الأمر أن هناك فرصةُ لامتطاء تعارف جديد بيننا.. نختلف كثيرا لكنني أكتشف حيوات أخرى ونحن نتحدث. لا أزال أذكر قهوتي معها في مكانٍ آخر لا أعرفه بوسط البلد أيضا، لكن ذلك كان قبل الثورة.. حيث لم يكن المكان قد نضج كفايةً لينضح بكل ذلك الزخم من الحب والموت والخوف والشِعر والنور والقهوة الحقيقية.

تمر بنا صديقةٌ ثالثة.. نتحدث قليلًا عن طفلتها وطفليّ.
تقول: ‘الداخلية رجعت الشارع تاني’.
أقول ببلاهة: عرفتي ازاي.. أنا ماشفتش حد’
تقول: ‘وهمّا الداخلية هينزلوا ميري يعني؟! بصّي القهاوي بدأت تعمل سيراميك ورخام ازاي؟ أيام الثورة كانوا بيمشّوا الناس. مكانش حد بيقعد ع البورصة ولا غيرها وكل القهاوي خسرت كتير.. دلوقتي واضح انهم سامحين لهم!’
أنظر للرخام من حولي.. وسط البلد مدينةٌ للمعرفة أيضًا.. مدينة البصيرة التي حاولوا أكلها.. فأكلتهم وتفلت ما تبقى منهم.
لم أنزل أيام الثورة الأُوَل غير مرة. نحو أحداث محمد محمود. استطعتُ الفرار من الظروف بابنتي الجديدة حينها. تلوتُ الشهادتين وتحضّرتُ للموت وأنا خائفة. وكان يومًا هادئًا للغاية، شممتُ بقايا الغاز وسعلتُ كثيرًا. كنت أبلغ أصدقائي على الفيس بوك بكل خطوةٍ أو لا خطوة أقوم بها تحضّرًا لموتي الأكيد. وعدتُ لمنزلي الدافئ سعيدة لا يلح ضميري عليّ في النزول مراتٍ أخرى كالسابق. كيف يموت النبلاء بسرعةٍ وسهولة؟ لستُ أميرةً كما تطلق عليّ يا عزيزي إذن!
لقائي بغادة فتح صندوق وسط البلد وذكرياته هو.. وفتح بطني معه للوجع والتعلم والفهم. جلستنا في البورصة بسطت رائحة الموتى الأنبياء من جديد على الأرض الفرنسية التي أسير عليها وحدي. كان ينبغي بالطبع أن تكوني وسطًا للبلد لأنكِ في الواقع بلاد حقيقية لا تأبهين لأحد ولا تتبعين شروط وقوانين أحد.. لكِ شعبك الخاص، ومعاييرك الخاصة، ورائحتكِ وطقسكِ وحتى الدخول إليكِ يحتاج جواز مرورٍ خاص لا يدخلكِ من لا يُمنحه.
لا يدخل مدينة الأرواح الحية والأدخنة.
شاعرة وكاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية