مدينة الأُبيّض السودانية: كيف ترقص عروس الرمال في محفل التاريخ والطبيعة؟

محمد الأقرع
حجم الخط
0

في غرب السودان ثمة مدن تحوي أسراراً وحكايات مثيرة عن نشأتها وطبيعتها، وعن حياة الناس هناك وأنشطتهم التجارية، وتفاعلهم مع أوضاع السياسة والسلطة، كما تزخر مدن الإقليم الغربي أيضا بروايات عجيبة عن أبطال ومعارك، وانتصارات وهزائم. بالإضافة لمزيج آخر في غاية الامتاع عن الإرث الثقافي والتنوع الاجتماعي، ولعل الأبيض – بضم الهمزة على الألف وتشديد الياء – الواقعة في ولاية شمال كردفان واحدة من تلك المدن التي تستند على تاريخ عريق ومزيج ثقافي مدهش جعلها من أهم المدن في عموم السودان.
وتوصف هذه المدنية الساحرة أيضا بـ»عروس الرمال» كما تمثل حاضرة ولاية شمال كردفان، وتبعد حوالي 588 كيلومترا جنوب غرب الخرطوم العاصمة. وتقع مدينة الأُبيّض أو اللُبيض كما ينطق اسمها السكان المحليون – حذف الهمزة وإدغام اللامين بالضمة – على سهل رملي منخفض ترتفع الأراضي من حولها تدريجياً في الشمال والجنوب، كما تحيط بها الكثبان الرميلة التي تتفاعل مع أشعة الشمس الحارقة وترسم لوحة في غاية الاتساق.
جنوب المدينة يقع جبل الهشابة الذي يبلغ ارتفاعه 16متراً وهو مزار ترفيهي يقصده الأسر والسياح، ويمر عبر المدينة عدد من الأنهار الموسمية التي تكون جافة في فصل الصيف وتمتلئ بالمياه في موسم الأمطار.

نقطة التقاء طرق تجارية

وتعتبر الأُبيّض منطقة استراتيجية لطبيعة موقعها وخصائصها الجغرافية والمناخية فهي تتوزع بين المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية وبين المناطق المدارية الجافة والمناطق المطيرة، كما أنها نقطة التقاء لعدد من الطرق التجارية المهمة.
ورغم احتفاظ كل مدينة بخصوصيتها وإرثها الثقافي، الإ أن هناك تشابها لحد كبير في طبيعة تكوين المدن في السودان، ففي الغالب يكون تمدد الأحياء وانطباق المواصفات المدنية، ناتج بالأساس من الالتفاف حول سوق أو مورد مائي أو مزار لأحد المشائخ، كذلك تنشأ الأحياء والمدن هناك بجوار المناطق العسكرية والموانئ والمحطات الرئيسية بالطرق، ويبدو أن كل تلك عوامل ساهمت في تكوين مدينة الأبيض. الروايات الشعبية مثلاً تقول أن سبب التسمية يعود إلى ان هناك حماراً أبيض اللون كانت تملكه إمرأة طاعنة في السن تسمى منفورة، وقد اكتشفت تلك المرأة مورداً للمياه في المكان الذي قامت عليه المدينة وبدأ الناس يتوافدون عليه وسمي بمورد الحمار الأبيض ليتم تحريفها لاحقاً إلى الأُبيّض، هناك أيضا روايات تقول بأن الاسم يعود للمجرى المائي جنوب المدينة الحالية خور أبيض وسميه بذلك لصفاء مياهه.
تكوين الأُبيّض ساهم فيه وجود مشايخ ورجالات الدين، حي القبة وهو أحد الأحياء العريقة هناك، تأسس على أعتاب «مسيد» الشيخ اسماعيل الولي وهو صاحب أول طريقة سودانية.
ومن أحياء الأُبيّض المشهورة والعريقة حي الأُبيّض الذي تأسس أبان الحكم الثنائي كغيره من الأحياء المشابهة في كوستي وعدد من المدن السودانية، من أجل توطين متقاعدي قوة دفاع السودان، وسمي الرديف وهو تعريب لحروف اللغة الإنجليزية RDF والتي هي اختصار لكلمة Royal Defence Force أي قوة الدفاع الملكية.
وبشكل عام تقسم أحياء مدينة الأبيض إلى قسمين أحياء شرقية تقع شرق السوق الكبير وأحياء غربية تقع غربه. ومن أشهر الأحياء الشرقية، حي السكة حديد وحي البترول وحي أمير وحي الموظفين، أما أشهر الأحياء الغربية فهي أحياء الربع، وحي القبة، وحي فلاته، حي الصالحين، وحي الناظر ..الخ.
تمتد المدنية على مساحة مقدرة 130 كيلومترا مقسمة على 245 حياً سكنياً موزعة على أربع وحدات إدارية وهي الأُبيّض المدينة، أرياف الأُبيّض، ابوحراز، كازقيل.
ترتبط الأُبيّض بالعاصمة الخرطوم بطريقين رئيسيين، طريق امدرمان – بارا وهو حديث الإنشاء بالإضافة للطريق القديم الذي يمر عن طريق ربك كوستي وعدد آخر من المدن وصولا إلى الأُبيّض، كذلك هناك حظ السكة حديد القادم من الشرق ومحطة بابنوسة، بالإضافة لعدد من الطرق البرية الأخرى، وأيضا يوجد في الأُبيّض مطار يبعد 4 كيلومترات عن مركز المدينة.

عاصمة مملكة المسبعات

ويحكي التاريخ عن مدينة الأُبيّض باعتبارها كانت ميناء صحراويا يستقبل البضائع القادمة من الجنوب ومدينة سنار كما يستقبل قوافل الحجيج القادمة من نيجيريا ودول غرب ووسط أفريقيا في طريقها نحو الأراضي المقدسة في الحجاز. ويقول التاريخ كذلك إن المدينة كانت عاصمة مملكة المسبعات التي أنشأت في أقليم كردفان مابين القرن الخامس عشر والسادس عشر بواسطة قبائل عربية هاجرت هناك واستقرت بتلك المنطقة.
ولعبت الأُبيّض دوراً محورياً في التاريخ السياسي المتصل بالدولة المهدية في السودان، فقد مثل دخول قوات المهدي إليها بعد حصار طويل واستسلام حاكمها الملقب بـ»جراب الفول» في كانون الثاني/يناير 1883 مرحلة مفصلية في صعود المهدي نحو حكم السودان عموماً، بعد استيلائه على الأُبيّض التي كانت آنذاك تحت حكم التركي وخديوي مصر، بدأ المهدي في تنظيم جيوشه بشكل حديث واستعد لمرحلة الهجوم.
في المقابل وفي تلك اللحظة كانت الحكومة البريطانية قد قررت تجميع جيش للتحرك إلى السودان والقضاء على الدولة المهدية، وكانت تلك القوات مشتركة، مصرية بقيادة علاءالدين باشا وسليمان باشا، وبريطانية بقيادة هكس باشا.
تلك الحملة تحرك صوب الأُبيّض في يوم 27 ايلول/ سبتمبر 1883 ومن جهة أخرى كان محمد احمد المهدي في خانة الاستعداد، فقد اتخذ عددا من الترتيبات الحربية شملت وضع العراقيل في الطريق وتكوين فرق وفصائل لإزعاج قوات الحملة المتقدمة نحو الأبيض. كما أمر المهدي أيضا بترحيل القبائل التي تقع في الطريق وردم آبار المياه، ولعل تلك الخطة تسببت بانهيار المعنويات ودب الخلاف بين الجيش المصري والانكليزي.
حدد المهدي زمان ومكان معركة الأُبيّض أو شيكان، فقد استدرجت قواته حملة هكس باشا إلى غابة شيكان التي كانت قد نصبتها فيها قبلاً الفخاخ وتسلق الجنود الأشجار وحفروا الخنادق، في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر 1883 كانت المعركة وانتهت بنصر ساحق للمهدي، واورد العديد من المحققين شهادات للحاضرين في ذكاء خطة المهدي وجسارة قواته، ويقول الكاتب وصحافي كردفان الأبرز الفاتح النور عن معركة شيكان: «معركة شيكان معركة خاضها كل أبناء السودان من كل القبائل فكانت وحدة وطنية سودانية مجسمة، فاستطاعت شأن كل وحدة وطنية – ان تهزم التفوق في العدد والعتاد. وان تفل بالسيوف المدافع». ويورد الفاتح ما قاله ونجت باشا وهو العدو عن معركة شيكان: «كان كل شيء معداً من جانب الأنصار. وكان المهدي في الانتظار، وجاء جيش هكس الذي كان من الممكن رؤية مقدمته من بعيد وجمع المهدي قواده الأمراء. وبعد صلاة أداها – صلاة الجهاد – أصدر إليهم تعليماته النهائية، ثم امتطى فرسه واستل سيفه وهتف ثلاث مرات الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. النصر لنا.. ثم بدأ الهجوم الذي أسفر عن إبادة كاملة لجيش هكس ماعدا مئتين أو ثلاثمئة كانوا يختفون تحت جثث الموتى».
انتصار المهدي في معركة الأُبيّض أو شيكان كان له أثر كبير في تحرير بقية المناطق وبعد عام فقط سقطت الخرطوم وأصبح السودان لأول مرة مستقلاً في العصر الحديث.

قباب المتصوفة

وتعرف الأُبيّض بالتنوع الاجتماعي والتعايش السلمي، ويسكنها خليط من مجموعات إثنية مختلفة، لكن يقول مؤرخون ان العماد الأساسي أو المجموعات التي انشئت المدينة تعود لقبيلة البديرية وقبيلة الشويحات، بالإضافة إلى قبائل الجوامعة والحوازمة والحمر والنوبة وبقية مكونات السودان، كما تضم التركيبة السكانية أيضا مجموعة من الأرمن والأقباط المصريين.
كما تعتبر قباب المتصوفة معالم وآثار بارزة في المدينة، أيضا تصنف كاتدرائية الأبيض من أبرز ملامح تلك المدينة بل ورمزية للتعايش السلمي والتصالح الاجتماعي، وقد تم افتتاح الكاتدرائية عام 1881 بعد زيارة الاب كمبوني لمدينتي الأُبيّض والدلنج، وتعتبر تلك الكنيسة من أكبر الكنائس في غرب أفريقيا.
في العام 1997 قامت منظمة رابطة العالم الإسلامي ببناء مسجد «هجر» قبالة تلك الكنيسة، ليكتمل مشهد التعايشي الدينية هناك، ويقال أن الناس هناك اطلقوا عليه جامع الكنيسة.

الصمغ العربي

تعتمد الأُبيّض على الصناعات التحويلية للمنتجات المحلية مثل معاصر الزيتون ومصانع الصابون وتقشير الفول ومنتجات الألبان. لكن موقع المدينة خلق منها محطة تجارية ضخمة خاصة فيما يتعلق بتجارة المحاصيل، وهناك سوق وبورصة أسست لهذا الغرض وتعتبر من أكبر أسواق المحاصيل في أفريقيا وتشمل الفول السوداني والذرة والدخن والسمسم والصمغ الغربي والكركدي.
ويشار إلى أن سوق محاصيل الأُبيّض يعتبر من أهم الأسواق المصدرة للصمغ العربي، علماً أن الصمغ في السودان يعتبر عماد التجارة الوطنية ويتجاوز إنتاج السودان للصمغ 50 في المئة من الإنتاج العالمي.
ويذكر ان سوق أبو جهل أو سوق النسوان كما يطلق عليه أحيانا تم إنشاؤه أواخر القرن التاسع عشر وهو سوق بلدي كان يباع فيه التبلدي، القضيم، واللالوب، والعرديب، والكركدي، وهي مشروبات مغذية جداً، كذلك يباع فيه السمن والعسل والتوابل ومشتقات الألبان القادمة من منطقة كازقيل الشهيرة.
تسمية السوق دار حولها غلط كبير هناك من يقول انه منسوب بالإسم أبو جهل، الكافر، وهناك من يحكي أنه في السوق كان هناك صبياً جاهلا يعمل في خدمة النساء العاملات وبكثرة مناداتهم له بالجاهل عمم الأسم. أما وصفه بسوق النسوان وهو بسبب أن غالبية العاملات فيه نساء، مؤخراً حدث تغيير أو تحديث لهذا السوق لكن التجار هناك أصبحوا يشتكون من حالة الركود.
وبالتوازي وكما رفدت الأبيض السودان بالمال والأعمال أيضا رفدته بالآداب والفنون، فقد كانت ذات أدوار عظيمة في تدعيم الحركة الإبداعية والثقافية في البلاد، وفي هذا السياق تعتبر فرقة فنون كردفان واحدة من أهم تلك الروافد، فقد تأسست في العام 1962 وقدمت أسماء مبدعين معروفين وأفذاذ في شتى المجالات الفنية منهم على سبيل المثال الشاعر محمد عوض الكريم القرشي، والفنان عبدالقادر سالم، والفنان ابراهيم موسى، وعبدالرحمن عبدالله والفنان عبدالعزيز العميري والفنانة ام بلينا السنوسي.
حين اندلعت الثورة في كانون الأول/ديسمبر 2018 كانت الأبيض من أولى المدن التي التزمت خط الحراك الثوري رغم القبض الأمنية التي كان يفرضها الوالي الأسبق المطلوب لدى محكمة الجنائية الدولية، احمد هارون، نظم الشباب ولجان المقاومة هناك العديد من المواكب الثورية المباغتة، وبعد فض الاعتصام من قبل المجلس العسكري كانت هناك مواكب ضخمة لطلاب الثانويات الذين سقط منهم عدد كبير من الشهداء.
والجدير بالذكر أن المدينة احتفلت خلال الأيام القليلة الماضية بإصدار أحكام قضائية بالإعدام في مواجهة أفراد يتبعون لقوات الدعم السريع ادينوا بقتل طلاب الثانويات الذين أشرنا إليهم، وكان احتفال الناس هناك بالمواكب كما نظموا برامج مسائية في مسرح عروس الرمال وميدان الحرية، تحدثوا فيها عن العدالة والقصاص وضرورة انتصار الثورة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية