مدينة البرتقال: العرب واليهود في يافا

حجم الخط
0

مدينة البرتقال: العرب واليهود في يافا

سرد لمصائر سكان مدينة كانت عروس فلسطين.. وتصدر البرتقال المعطر للعالمعرب ويهود.. مسلمون ومسيحيون يعيدون تشكيل صورة مدينة علي البحر ابتلعها حيمدينة البرتقال: العرب واليهود في يافاعرض وتقديم: ابراهيم درويش في عام 2004 اصدرت المؤسسة العربية للدراسات والنشر انطولوجيا شعرية اعدها سمير فوزي الحاج بعنوان يافا بيارة العطر والشعر: توثيق انتولوجي وقدم فيها الباحث مجموعة من الاشعار التي كتبها شعراء فلسطينيون عن هذه المدينة التي دخلت في حس الفلسطينيين بانواع برتقالها الممتاز الشموطي و البلدي وهي المدينة التي كان برتقالها يباع في اسواق اوروبا، طبعا لا يزال البرتقال اليافاوي يباع في اوروبا ولكن هويته تغيرت فهو جافا ويشير الي حقيقة جديدة في تغير مصائر الفلسطينيين. وفي المجموعة الشعرية تحضر يافا باعتبارها عروس البحر، ومع ان معد المجموعة يقول ان اشعار مجموعته هي عن مدينة متخيلة، مدينة ليست موجودة في الواقع، فهي عند راشد حسين يافا لمن يجهلها كانت مهنتها تصدير البرتقال… وذات يوم هدمت وحولوا مهنتها الي تصدير لاجئين ، وهو نفس ما لاحظه هشام شرابي في مذكراته الجمر والرماد عن المدينة التي هواها البحر، والعروس القديمة الناتئة التي صارت مدينة الفنانين والسواح.وبالنسبة لمحمود درويش فهو يحج اليها حاملا معه عرس البيارات احج اليك يا يافا معي اعراس بيارة.. ، يافا في الشعرية العربية الحديثة صارت رمزا عن المدينة الضائعة، رمزا عن الزمان ـ المكان الماضي، فهي عند عبد الوهاب البياتي تحولت لاعلان صغير في بلاد اللاجئين يافا علي صندوق ليمون معفرة الجبين ، كان راشد حسين اكثر من عبر عن رمزية المدينة التي كانت قلب فلسطين فهي مدينة بلا قلب اذن، يافا بلا قمر، يافا دم علي حجر.. ، ويافا عند محمود درويش مرة اخري ترجمت حتي النخاع خاصة ان منزل الاحباب مهجور ، والحديث يطول عن هذه المختارات الشعرية عن المدينة الفلسطينية الضائعة التي ترتبط بعطرها وشذاها وبياراتها وبرتقالها في المخيلة الفلسطينية بحيث صارت اسطورة تحوم حول الحقيقة التي تشير اليها المدينة اليوم، مدينة تجمع اليهود والعرب. تذكرت المجموعة الشعرية هذه والكتاب الرائع الذي اعده المفكر الفلسطيني الراحل هشام شرابي. وموسوعة يافا التي اعدها علي حسن البواب وانا اقرأ الكتاب الصادر باللغة الانكليزية من اعداد الكاتب اليهودي البريطاني ادام ليبور مدينة البرتقال: العرب واليهود في يافا والكتاب هو عن اجيال عاشت في المدينة، وعن التغييرات في المصائر والحظوظ، عن العائلات الفلسطينية واليهودية التي تعايشت قبل النكبة وعن اثر الحروب علي هذه العلاقات، وهو عن قرب او بعد المدينة، اي عن الذاكرة التي تشكلت عند كل واحد من المشاركين في هذه الدراما التي يكتبها ادام ليبور، ففيه روايات وتوثيق للاحداث والعائلات. يعتقد ليبور ان يافا المدينة التاريخية القديمة ستجبر في لحظة ما من القرن العشرين للتعايش مع احياء بدأت تظهر علي حوافها، احياء بنتها الحركة الصهيونية التي نظرت للمدينة القديمة، كمدينة مكتظة وغير صحية، ولهذا اقامت هذه الاحياء للقادمين من الخارج. ومن هنا فالعلاقة بين يافا وتل ابيب هي عن تاريخ العلاقة بين الفلسطينيين والاسرائيليين. فعلي خلاف القدس، العاصمة الروحية للفلسطينيين، كانت يافا عروس فلسطين ومركز الاشعاع الثقافي والسياسي. ومن المفارقات ان تل ابيب نشأت علي حواف هذه المدينة العريقة، ستكبر وتتمدد وتصل للشاطئ في الوقت الذي تتقوقع فيه يافا علي نفسها، ويشرد اهلها، ويتحول مركزها القديم الي حي سياحي، حيث اعيد ترميم ما تبقي من مباني يافا القديمة، واصبحت مركزا للسياح والفنانين. وعلي الرغم من الوجه الجديد الذي البسته المدينة، فخلف الطلاء الجميل، وبين الشوارع المبلطة، هناك حس ما، شعور خفي عن حيوات الفلسطينيين الذين كانوا هنا. يافا التي اعتبرتها الحركة الصهيونية مدينة غير نظيفة كانت مركز الحداثة في فلسطين، ففيها الصحف والمثقفون ودور السينما وبيارات البرتقال التي كان يعمل فيها الوف المزارعين ويصدر برتقالها لكل انحاء العالم. المدينة المعطرة التي افتتحنا الحديث عنها انتهت عام 1948، وعندما استسلمت المدينة او سقطت بايدي العصابات الصهيونية في 15 ايار (مايو) كان معظم سكانها قد هجروها علي امل العودة اليها.. وتحولت المدينة واحياؤها الراقية مثل العجمي، وجباليا الي احياء مهجورة متداعية، وما تبقي منه تم اعادة صيانته، بعد ان قررت بلدية يافا اليهودية تدمير ما تبقي لولا تقدم تيدي كوليك، الذي كان عمدة القدس في حينه بمشروع لترميم وصيانة ما تبقي من المدينة، حيث صار اسمها بعد الترميم يافا الشوكولاتة . ليبور يطمح في كتابه هذا أن يقدم تاريخا انسانيا للمدينة، وليس عن الصراع الذي كتبت عنه الكثير من الصفحات ولكن عن تداخل الاجيال وعلاقات البشر في المدينة التي كانت كوزموبوليتاً فلسطينياً صغيراً. ابطال روايته التاريخية التوثيقية، مسلمون ومسيحيون ويهود، من ابناء الطبقة المتوسطة او العاملة، عمال، ومثقفون وحرفيون. بدأ ليبور بالبحث عن عائلات عربية عاش اهلها النكبة، وخبروها كشهود. وكانت نقطة البداية في الجانب العربي، هي عائلتا الجدي، واندراوس، فصيدلية الجدي في يافا هي مركز مهم ومعلم من معالم المدينة، فالعائلة تمتد جذورها الي ثمانية اجيال، وعميد العائلة الان فخري ولد عام 1927. اما عائلة اندراوس فتعيش في فيلا تعود الي الثلاثينات من القرن الماضي، وولد عميدها امين اندراوس، عام 1898، ودرس في معهد شنلر الالماني في القدس، واصبح احد قادة المجتمع في يافا، وعندما سقطت المدينة كان احد الموقعين علي وثيقة الاستسلام وتفاوض مع القوات الاسرائيلية من اجل تأمين الماء والغذاء للعائلات الفلسطينية التي قررت البقاء. بالاضافة لعائلتي الجدي واندراوس قابل الكاتب عائلة اسماعيل ابو شحدة، الذي كان عاملا ميكانيكياً عند النكبة، حيث كان يطمح ان يدرس القضاء الاسلامي ويصبح قاضيا، ولكن بعد النكبة فتح محلا للصيد في ميناء يافا واصبح من كبار رجال الاعمال فيه، ومن احفاده سامي ابو شحدة الذي يحضر للدكتوراه في جامعة تل ابيب، ويصفه الكاتب بانه جزء من جيل من الشبان العرب – الاسرائيليين الذين يؤكدون علي هويتهم الفلسطينية. كما التقي الكاتب بعائلة حمامي، حيث كانت نقطة البداية مع ريما حمامي، الباحثة في جامعة بيرزيت، وهي حفيدة احمد حمامي الذي توفي في العراق بعد النكبة، وابنة حسن حمامي المهندس الذي تقاعد في فلوريدا في الولايات المتحدة. عائلة الجدي واندراوس مسيحية، اما ابو شحدة وحمامي فمسلمة، بالنسبة للعائلات اليهودية فقد التقي الكاتب بعائلة شيلوش التي كانت من اولي العائلات التي تسكن تل ابيب، وهي عائلة صرافة ومجوهرات، وكذلك عائلة يورام اهاروني التي فتحت محلا للبهارات والعطارة في يافا، وازدهرت تجارتها مع وصول المهاجرين اليهود المغاربة الذين ازداد طلبهم علي البهارات الحارة. ومع هذه التقي مع المهندس المعماري فرانك ميزلر الذي هاجر من المانيا النازية لبريطانيا.ومن هنا فالمدينة القديمة ينظر اليها ليبور عبر منظور ست عائلات عربية ويهودية، ومن بين هذه العائلات عائلة شيلوش السفاردية التي عاشت في فلسطين منذ القرن التاسع عشر، وتحول ابناؤها الي تجار عقارات، وكانت العائلة اول من اسس مركز مدينة تل ابيب، فزكي شيلوش كان معماريا تبني اسلوب باوهوس عن العمارات الكبيرة العالية والذي طور في ثلاثينات القرن الماضي، ولعب ابناء العائلة مثل شلومو شيلوش دورا في بناء الدولة، حيث قاتل في حرب 1948 وقام بمهمة سرية لاقناع اليهود المغاربة للهجرة الي فلسطين. في مقابل عائلة شيلوش، تبدو عائلة حمامي التي كانت من اعمدة المجتمع اليافاوي، فمن خلال احمد حمامي وزوجته نفيسة اللذين رحلا علي قارب مكتظ الي لبنان، حيث عاش احمد فترة في لبنان ومنها سافر الي دمشق وبعدها بغداد التي توفي فيها عام 1966، وكان ابنه حسن قد بدأ حياته في السعودية.يقول الكاتب ان الكثير من المهاجرين اليهود لم يكونوا يرغبون في الهجرة لفلسطين، فالنخبة الغنية والمثقفة هاجرت من المانيا الي فرنسا وبريطانيا، اما العائلات الفقيرة فقد نقلت الي المدن المتطورة والفقيرة في الصحراء وعاشت حياة قاسية فرضتها عليهم النخب الاشكنازية، او اليهود الغربيون الذين سيطروا علي الامور في اسرائيل، ومن هذه العائلات عائلة سامي البو الذي تعرف علي خميس ابو لافيا صاحب اقدم مخبز في مدينة يافا الذي انشيء عام 1879 ويعمل علي مدار الساعة. من خلال هذا الخليط من العائلات يقدم ادم ليبور قصة مدينة يافا في الماضي العثماني، والانتدابي واثناء النكبة، وبعد اعلان دولة اسرائيل، ومن خلالها يشير الي التقاطعات في القصص الانسانية، والي تاريخ النكبة وما عرف بالصراع العربي ـ الاسرائيلي. وفي القصص الاولي عن الاباء من الجانبين نطلع علي حياة متوازنة هادئة، مليئة بالمناسبات الاجتماعية، والزيارات والاجتماع حول القهوة العربية، ولكن بعد صعود الحركة الصهيونية، وبداية المشاكل، توترت العلاقات تدريجيا، وحافظت في البداية علي ود مترقب، وتحولت فيما بعد الي قطيعة، خاصة ان الكثير من ابناء العائلات اليهودية صاروا يتحكمون في حياة الفلسطينيين. يقدم ليبور حكايات هؤلاء، احيانا يعلق، واحيانا يقطع سرد هذا لينتقل الي سرد ذاك يكتب عن هجرة الفلسطينيين ومصائرهم في المخيمات، ومحاولات بعضهم العودة ولو تهريبا الي البلاد، فيما ينقل عن مشاركات اخرين في تأمين الهجرة اليهودية من المغرب او تركيا او العراق. ويمزج هنا بين الرواية الصهيونية عن الاحداث وروايات ابطال رحلته الدرامية. ومن خلال حكاياتهم تظهر صورة يافا الجميلة، يافا التي لم تعد موجودة في الحقيقة، بل صارت مجرد حلم.يافا في كل عام تصدر 300 مليون حبة برتقال للعالم، وهي المدينة التي ابتلعها حي صغير اخذ يتمدد علي جرحها فلم يبق منها الا صور الماضي الجميلة، في الصور الفوتوغرافية وذاكرة من عاشوا فيها قبل الضياع. سرد ليبور طويل، والقاريء احيانا يلاحق خيطا من القصص والحكايات لعل اهمها مصير من بقي من الفلسطينيين داخل الدولة الجديدة، الذين حرموا من الكثير من الحقوق، وصودرت املاكهم، بحيث وصف صحافي اسرائيلي في منتصف القرن الماضي عملية مصادرةالبيوت بانها سرقة بالجملة بغطاء قانوني .. في يافا مدينة البرتقال نقرأ قصة فلسطين ولكن في اطار مصغر، ونتعرف علي كل السياسات التي قامت بها الدولة الناشئة، وكيف غير وعد من 69 كلمة مصير شعب كامل. والكتاب فيه بحث عن اخلاقية هذا الوعد، واخلاقية الاحتلال والمصادرة، والحس بوجود شبح يطارد الاسرائيليين الذين يعيشون مع الفلسطينيين، وتلاحقهم قصصهم. وسرد ليبور السهل يوضح الكثير من هذه الازمة الاخلاقية، والكاتب هنا لا يعتذر او يحاول الاعتذار ولكنه يقدم الرواية، التي تبدو في بعض سطورها مكتوبة بحس اخلاقي عال، يعبر عن رؤية المنتصر لا الضحية. ومع ذلك فكتاب ليبور هو جزء من السرديات الجديدة في تاريخ الصراع التي بدأت تتعامل مع الضحية وتأخذ روايتها بجدية، مع أنه تم استبعادها في عبارة غولدا مائير الشهيرة، التي نفت وجود فلسطينيين في ارض فلسطين البتة. تذكرت كتاب ليبور، الذي انهيته قبل فترة وانا اقرأ المقابلة التي ننشر الجزء الاخير منها مع الاكاديمي والمترجم الفلسطيني بسام خليل فرنجية. وعدت لكتاب سمير فوزي الحاج يافا بيارة العطر والشعر: توثيق انتولوجي ، الذي استعاد فيه الشعر صورة مدينــــة صارت متخيلة، واسطورة. عن الكاتب: ادم ليبور ولد في لندن، ودرس اللغة العربية والتاريخ الدولي والسياسة في جامعة ليدز، وتخرج عام 1983. كما درس اللغة العربية في الجامعة العبرية/ القدس، عمل في عدد من الصحف البريطانية قبل ان يصبح مراسلا اجنبيا لعدد من الصحف، حيث غطي الحرب في يوغسلافيا القديمة لصالح الاندبندنت و التايمز ، ويعمل الان مدير مكتب التايمز في اوروبا. من مؤلفاته قلب تحول نحو الشرق: بين المسلمين في اوروبا وامريكا ، و ميلوسوفيتش ، و الاختيار والفساد والتنازل في عهد الرايخ الثالث . عن الكتاب:City of Oranges:Arabs and Jews in Jaa by Adam LeBor Bloomsbury/ london 20067

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية