مدينة الحضر العراقية معبد الشمس ومملكة العرب

صادق الطائي
حجم الخط
0

تمثل مدينة الحضر اليوم قضاء تابعا لمحافظة نينوى، بينما توجد آثار المدينة التاريخية على مبعدة كيلومترات عن مدينة الحضر المعاصرة، وتقع على بعد حوالي 110 كم جنوب غرب مدينة الموصل. المدينة التي عرفت بعدة أسماء مثل “حترا” أو “الحضر” أو “مملكة عربايا” أو “مملكة الشمس” مثلت إحدى أهم مدن البادية في الهلال الخصيب. ولا يمكن الحديث عن مدينة الحضر دون الإشارة إلى توائمها من مدن الصحراء العربية وهي مدينة تدمر ومدينة البتراء وجرش.‏ إذ تشابهت هذه المدن في العديد من معطيات وجودها وطبيعة حياتها الاجتماعية والدينية. وقد لعبت دورا مهما كونها مثلت همزة أوصلت تجاريا بين الامبراطورية الساسانية والامبراطورية الرومانية، كما أنها ونتيجة النزاع بين الامبراطوريتين حافظت على استقلالها على مدى حوالي أربعة قرون، فقد عاشت مدينة الحضر منذ القرن الأول قبل الميلاد حتى منتصف القرن الثالث عندما هاجمها الملك الساساني سابور عام 241م واحتلها بعد حصار طويل وقضى على وجودها منذ ذلك التاريخ.

شكل المدينة

مدينة الحضر بنيت بشكل مستدير على دائرة قطرها حوالي كيلومترين، ولأنها وجدت على أسس عسكرية وتجارية، فأن التفكير في حمايتها من الهجمات كان المحرك الأول في تصميمها، لذلك أحيطت بخندق عميق محكم حفر خارج السور الذي يحيط بالمدينة والمدعم بـ 163 برجاً للدفاع عنها، ويتكون سورها من جدارين عرض كل منهما 3 م و 2.5 م ‏وبينهما مسافة 12 م عند البوابة الشمالية. وقد مثل الصقر الفارد جناحيه الشعار المركزي للمدينة حيث توجد العديد من النصب والتماثيل لهذه الصقور التي ترمز لقوتها وهيبة المدينة التي حكمها سلالة من الملوك الأقوياء‏ ربما كان أبرزهم الملك سنطروق.

ويذكر الآثاريان العراقيان الرائدان محمد علي مصطفى وفؤاد سفر اللذان نقبا موقع الحضر وأعادا بناء المدينة، في كتابهما “الحضر مدينة الشمس” إن مدينة الحضر أو مملكة الشمس، ازدهرت في بادية لا ماء جار فيها ولا أمطار كافية للزرع، لكن كانت هناك مجموعة عوامل ساعدت على ولادتها في هذا المكان المنعزل، منها الأسباب الدينية، إذ تواجدت فيها العديد من المعابد والمدافن. وكذلك العوامل العسكرية إذ مثلت قلعة متقدمة للدفاع عن الفرثيين الفرس في المدائن ضد أعدائهم الرومان في بلاد الشام، وهناك عوامل اقتصادية، لأن المدينة مثلت محطة مهمة على طريق الحرير الذي يتم عبره نقل البضائع من الصين والشرق الأقصى الى آسيا الصغرى وأوروبا.

وما يميز ديانة مدينة الحضر عبادة التثليث الذي يتألف من (مرن) سيدنا و(مدتن) سيدتنا و (برمدين) ابن سيدنا ‏(السيد ـ السيدة ـ ابن السيد) وهو ثالوث يذكر بثالوث الديانة المصرية القديمة، وبالثالوث المسيحي فيما بعد، ‏وكان ذكر الآلهة الثلاثة يتردد في أدعية سكان مدينة الشمس ومعابدها، كما تقوم القبائل العربية المنتشرة والمتنقلة في البوادي المحيطة بالحضر بزيارة معابدها في مواسم محددة لتقديم القرابين والتبرك والدعاء والصلاة لآلهة المدينة.

 

احتلال “داعش”

 

سقطت مدينة الحضر بيد تنظيم “داعش” الإرهابي منتصف عام 2014، وعاثت عصاباته بآثارها تدميرا ونهبا وتهريبا، وبقيت المدينة تحت سيطرة التنظيم أكثر من عامين حتى تم تحريرها عام 2017 عندما استعادت القوات المسلحة العراقية سيطرتها على المدينة.

وقد سادت الأوساط الثقافية الرسمية والشعبية فرحةً عارمةً بتحرير مدينة الحضر من قبضة الإرهابيين، وكانت ‏وزارة السياحة والآثار العراقية قد أصدرت في آذار/مارس 2015 بيانا أدانت فيه تباطؤ المجتمع ‏الدولي في دعم العراق، الأمر الذي شجع “داعش” بعد احتلاله مدينة الحضر على تشويه وسرقة ‏آثارها، وطالبت مجلس الأمن باتخاذ موقف جاد من الأزمة، في سبيل إيقاف جرائم “داعش” في الحضر التي تمثل مدينة مسجلة ‏على لائحة التراث العالمي منذ عام 1987‏‎.‎

وقد أعربت مدير عام اليونيسكو إيرينا بوكوفا، عن ارتياحها وسعادتها بتحرير مدينة الحضر من سيطرة الإرهاب، وقالت في مؤتمرها الصحافي بالمناسبة “أن استعادة مدينة الحضر من قبضة الإرهاب تمثل نقطة ‏تحول إيجابية، وتمهد الطريق لضمان حمايتها والحفاظ عليها، وهذه تعد من صميم الجهود الدولية” وأضافت أن “التدمير المتعمد للتراث هو بكل تأكيد جريمة حرب، وسوف تبذل اليونيسكو بالتعاون مع المجتمع الدولي كل ما في ‏وسعها لضمان أن لا تمر هذه الجرائم دون عقاب‎”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية