البصرة ـ ‘القدس العربي’- صفاء ذياب: أضفت المشكلات السياسية العراقية ظلالها على الفعاليات الثقافية، فأهمل عدد من المهرجانات التي من كان المؤمل عقدها خلال الأشهر الماضية، وألغي عدد من الفعاليات التي خطط لها على مدى شهور طويلة، فعدم إقرار الموازنة المالية لهذا العام من قبل مجلس النواب العراقي أوقف الكثير من المشاريع الخدمية والثقافية معاً.
خلال انعقاد اجتماع اتحاد الكتاب العرب الأخير، قرر الاتحاد أن يكون العام 2014 عاماً للاحتفاء بالسياب ومنجزه الشعري بمناسبة مرور خمسين عاماً على رحيله، ومن هذا المبدأ عقدت بعض اتحادات الكتاب العرب ندوات وفعاليات أعادت من خلالها قراءة السياب وحداثته وتمرده على عمود الشعر العربي. لكن اتحادات الكتاب في المدن العراقية بقيت مكتوفة اليدين لعدم وجود التخصيصات المالية من جانب، والتخبطات الإدارية التي تحيل كل مهرجان إلى شعارات لا أكثر من جانب آخر.
اتحاد أدباء البصرة؛ مدينة السياب، حاول منذ أشهر عقد ملتقى السياب الإبداعي الذي كان من المقرر أن يقام لمدة أسبوع كامل، يضم فيه فعاليات عدة، قراءات شعرية، جلسات نقدية، معارض تشكيلية وفوتوغرافية، فضلاً عن إحياء بيت السياب وجعله متحفاً للسياح. لكنه اضطر في نهاية الأمر لأن يعقد هذا الملتقى خلال يومي الخميس والسبت الماضيين فقط بحجة عدم أقرار الموازنة المالية العامة، ولتنصل وزارة الثقافة من التمويل، لكن اصرار الاتحاد أجبرها على دفع مبلغ 25 مليون دينار عراقي فقط (بحدود 20 ألف دولار)، في حين تكفلت محافظة البصرة بتحمل نفقات الإقامة والنقل.
الملتقى الذي أقيم تحت شعار (الشمس أجمل في بلادي من سواها) افتتح على قاعة عتبة بن غزوان وسط مدينة البصرة، بكلمات لوزارة الثقافة واتحاد الأدباء فضلاً عن نصوص شعرية ضمتها الجلسة الأولى.
في كلمته التي افتتح بها الملتقى، أشار وكيل وزارة الثقافة طاهر الحمود، إلى أن هذا الاهتمام جاء لنرد جزءاً من الدين لشاعرنا الكبير بمناسبة مرور خمسين عاماً على رحيله، ‘لا أتحدث عن راحل مثّل فارقة في عالم الشعر والحياة معاً، إذ يجب أن نلامس ظلالاً من شخصية السياب، خصوصاً في ظل تحديات تواجه الحركة الشعرية في العالم العربي في هذه الأيام، فظاهرة السياب الشعرية كانت من الحتم أن توجد، شأنها في ذلك شأن اللحظات الفاصلة في حياة الأمم التاريخية والأدبية، ورغم أنه لم يكن أول خارج على السائد والمألوف في الشعر العربي من بين معاصريه، إلا أنه بتجربته الإبداعية الناضجة كان ظاهرة اجتمعت عنده كل مقومات التجديد في الشعر العربي، وكان الحجر الذي حرّك ساكن بركة الشعر، فتجاوبت أصداؤه مع رسم المطالبين بالتغيير الذي تفرضه سنة الحياة’.
وفي كلمة اتحاد الأدباء والكتاب، تحدث الناقد علي حسن الفواز، عن السياب بوصفه رمزاً نلتقي عنه جميعاً، ونستعيده كلما حاصرتنا الهموم وحاصرنا الآخرون بدواعٍ مختلفة، مضيفاً أن رمزية السياب جمعتنا اليوم لا لكي نحتفي به بوصفه العلامة المهمة في الحداثة الشعرية العربية، بل نلتقي اليوم لكي نتحاور عن ماذا نصنع غداً، كيف لنا أن نؤسس لمشروع ثقافي يليق بنا، كيف لنا أن نجذر الحداثة الشعرية بوصفها قيماً وتأسيساتٍ ووظائف وممارسات وعملية بناء، لأن العراق والمدن العراقية بشكل خاص هي مدن ثقافية في الجوهر، ‘حينما نتحدث عن البصرة نتحدث عن الجاحظ والفراهيدي وحركة الاعتزال المهمة التي مست لأول مرة في المنظومة الإسلامية العقل، نتحدث عن كل الحركات الثقافية، وهذا شأن المدن المائية التي تتلاحق فيها الثقافات وتتحاور مع بعضها البعض’. وأشار الفواز إلى أن اليوم مهمتنا ستكون أصعب، وحينما أدرك المثقفون العرب أن السياب يمثل رمزاً كبيراً للتجديد الشعري، اتفقوا على أن يخصصوا عاماً للاحتفاء به، وستنظم الكثير من الفعاليات في عديد المدن العربية للاحتفاء بالسياب. ‘نحن في البصرة وبغداد ووزارة الثقافة وفي اتحادات الأدباء، ندرك أن القضية ليست للاحتفاء بالسياب، لكن كيف لنا أن نمأسس هذه الرمزيات الثقافية وأن نجعل من فكرة الاحتفاء عملية متواصلة. أظن أن حين نتحدث عن مهمات البصرة ينبغي أن نتصارح من أجل أن نكون صادقين لأننا لا نريد أن نجمل الأشياء ولا نعلقها’، مبيناً أن واحدة من المهمات الخطيرة الملقاة على المسؤولين في مدينة البصرة هي أن يستعيدوا البصرة المائية والعقلية، مثلما كثر الحديث عن أن البصرة هي المدينة الاقتصادية للعراق، وهذا حق تأريخي وأخلاقي لمدينة تتصل بالعالم يومياً وتمثل رئة العراق الاقتصادية والإنسانية، علينا أن نجعل كل المعارف تأتي إلينا من البصرة، وهذا لا يتم دون أن نصنع للثقافة مؤسساتها. وطالب الفواز بتأسيس البنية المؤسساتية في هذه المدينة، ‘علينا أن نؤسس مراكز بحوث وعلى ضخ الجامعة بحياة جديدة، واحدة من أخطر مهمات إنعاش الثقافة هو أن تنتعش الجامعة. إذا لم تكن الجامعة حية وقادرة على أن تلامس الأسئلة والإشكالات؛ حتى على المستوى الاقتصادي والبحثي، أعتقد أن هذه المدينة ستكون قلقة. إذن علينا أن نبدأ من التأسيس، ونبدأ بالنظر نظرة واسعة وعمودية لشرعنة الثقافة بوصها عمراناً وقيماً وفنوناً وجماليات ومنظومة من العلائق المركبة، أظن أن علاقات كهذه تؤسس للثقافة، فهي لم تعد شعرا ًولا رواية، بل تأسيس أبنية، وهذه الأبنية هي التي يمكن أن تجعلنا قريبين من المستقبل’.
أيام السياب النقدية
الشاعر فراس الصكر يرى أن أهمية انعقاد ملتقى باسم السياب يأتي من اعتباره رائداً لحركة التجديد الشعرية، من جانب آخر كان رمزاً وطنياً وجزءاً من التراث الوطني العراقي، ويعتقد الصكر أن مجرد التفكير للاحتفاء بالسياب بحاجة لوقفة، فكيف يمكن أن يكون هذا الاحتفاء؟ وكيف يمكن أن يكون هذا التكريس نوعياً لا كرنفالياً كبقية المهرجانات التي تنتهي ما أن ينتهي فعلها الثقافي؟ ‘أعتقد أننا مطالبون كعراقيين أن نقدم ما هو أكثر من المهرجان. هنالك تيار شعري بإمكاننا أن نجلو الغبار عنه ونضع اليد على مفاصله الثقافية المهمة، وهذا ما لم يدرس في شعر السياب. أعتقد أن القراءات الشعرية غير كافية، وجلستين نقديتين خجولتين غير كافيتين، نحن بحاجة إلى أن نقيم أيام السياب النقدية، وأيام السياب الشعرية، والأيام الفكرية، من أجل التفكير بشكل جاد لنقدم ما يمكن أن نضيفه لريادة السياب وحركته التجديدية’.
ويشير الصكر إلى أن هذا المهرجان كان بإمكانه أن يشكل إضافة، لكننا يجب أن نفكر بطبيعة هذه الإضافة وحجمها، لا يمكن أن يقدم مهرجاناً ويمر مرور الكرام دون اعتباره جزءاً من الحراك الثقافي، باعتباره حركة إبداعية قُدّمت فيها أوراق وأفكار، وهناك الكثير من الأحاديث الجانبية التي ستثري؛ بالنتيجة، الحراك الثقافي، لأنها معنية بالمبدعين العراقيين. مضيفاً أنه كان بإمكان هذا المهرجان أن يكون حدثاً كبيراً لو خطط له أكثر مما ينبغي، أو نفذ على وجد أفضل من هذا الوجه.
مهرجانات تقليدية
الشاعر والناقد غسان حسن لا يبحث عن مهرجان تقليدي يتضمن قراءات شعرية وتقديم بحثين أو ثلاثة، ‘كنت أتمنى لو كانت هنالك دراسات رصينة طبعت في كتاب يوزع على الحاضرين، ليتسنى لنا مناقشة التجربة السيابية المتكاملة وأثر السياب وتراثه وفكره على الأجيال الشعرية’، السياب؛ من وجهة نظر حسن، تجربة متكاملة استفادت منها الأجيال المتعاقبة. ‘كنت أتمنى أن يسلط الضوء على بعض المفاهيم الشعرية، سواء كانت في القصائد الكلاسيكية أو التفعيلة أو القصيدة الجديدة. هناك صيرورة في الشعرية العراقية أخذت منحى يكاد يقترب من العالمية، هناك الكثير من الأمور الفنية كنت أتمنى أن تكون حاضرة هنا، وأن يكون مهرجاناً إبداعياً بحجم وكبر قامة السياب’.
البنى التشكيلية
من البحوث التي قدمت في الجلسات النقدية، طرح الدكتور جاسم محمد جسام، بحثاً قرأ من خلاله البنى التشكيلية في شعر السياب، مبيناً أنه حاول إعادة قراءة السياب وتصديره من جديد من خلال مجوعة من المسارات والرؤى. و’في البحث المقدم الذي يتحدث عن البنى التشكيلية في المتن السيابي، أطرح من خلاله سؤالين مهمين، الأول يتعلق بـ’هل أن السياب قدّم مساراً بنائياً جديداً على مستوى البناء الشعري’، والثاني ‘ما مدى تأثر السياب بالشعر الغربي وانعاكاس ذلك على المتن السيابي’، وقد طرحت من خلال البحث مجموعة من الأبنية المشكلة للنص ومنها البناء المعقد أو المركب، الذي تتداخل فيه المسارات البنائية على مستوى الأسطورة والرمز والصورة الشعرية والبناء العضوي الذي نجد فيه أن هناك ما يشبه عملية المزج بين القصة أو السيرة والفنون التشكيلية والسينمائية في النص’، ومن خلال هذه الأبنية حدث جسام عن البنية الكلية للنص في شعر السياب الذي يجده شاعراً غير عادي، فتح فتحاً مهماً على مستوى البناء في القصيدة، وتمكن من خلال ما قدمه، أن يقدم نموذجاً شعرياً أهّل فيما بعد الشعر العربي والعراقي لأن يقدم نماذج على مستوى الشكل والبنية والثيمات من خلال استخدامه للأساطير والرموز والصور الشعرية التي فيها من الجدة الشيء الكثير. ‘ما أريد أن أقوله في النهاية أن البحث أثبت تأثر السياب تأثراً كبيراً بالأدب الغربي، خصوصاً أنه اطلع على الشعر اللإنكليزي، وهذا التأثر انعكس بشكل واضح في متنه الشعر، كما أنه حاول أن يقدم شكلاً ومساراً بنائياً جديداً أصبح جلياً فيما بعد. السياب كان نقطة تحول في الشعرية العربية’.
المدينة الحلم
في حين حاول الدكتور جاسم الخالدي أن يطرح في دراسته ‘المدينة الحلم في شعر السياب’ مفاهيم جديدة عن فكرة السياب عن المدينة وتمثلاتها، إذ حاول أن يبحث عن مدينة الحلم في شعره، ‘بدايات السياب لم تكشف عن ملامح هذه المدينة بشكل واضح، لكن عندما نذهب إلى قصائده اللاحقة، لا سيما في قصيدته ‘السوق القديم’ نجد أن هذه المدينة تظهر ملامحها، وإشكالية المدينة والقرية في شعره، وكانت هذه المدينة ممثلة ببغداد، لكنها لم تستطع أن تسحب السياب لها ولم تجعله يتعايش معها، لهذا كانت بالنسبة لديه مبغى كبيراً، ومع مرور الزمن لم يستطع أن يتخلص من تأثير القرية عليه، وإذا تمكن من خلق أساطيره الخاصة بالقرية، لكنه لم يستطع أن يخلق أساطيره الخاصة بالمدينة’. ويضيف الخالدي أن ملامح المدينة الحلم كانت واضحة في قصيدته ‘إرم ذات العماد’، متخذاً الطابع الأسطوري، لكنه باشتغالاته على مجمل المدينة بقي دائراً في مجتمع القرية، وبقيت جيكور هي الحلم والطفولة والطهر والحياة جميعها، وبقيت بغداد المدينة تشكل عنده الضياع، لذلك تأتي قصائده عبارة عن عنوانات، مثل السراب والضياع.
مجمل القول، بحسب الخالدي، أن السياب لم يستطع الخروج من عقلية القرية، حتى المدن التي زارها السياب مثل لندن وباريس والكويت، كانت أماكن للقول الشعري لديه، لكنها لم تكن دافعاً لكتابة قصيدة يتحدث فيها عن هذه المدن، لمنه لم يبن من خلالها مدينة الحلم التي ينشدها.
توصيات الملتقى
خرج الملتقى بتوصيات، قرأها الروائي أحمد خلف في الجلسة الختامية، يأمل المشاركون أن تُفّعل خلال هذا العام والأعوام المقبلة، منها أن يكون موعد انعقاد الملتقى في شهر كانون الأول من كل عام، فضلاً عن تشكيل لجنة تضم ممثلين من وزارة الثقافة والحكومة المحلية والإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق واتحاد أدباء البصرة لمتابعة شؤون الملتقى والاستعداد لفعالياته بما يليق ومدينة البصرة بوصفها عاصمة للثقافة العراقية مثلما هي العاصمة الإقتصادية للعراق، والتحضير لفعاليات الملتقى قبل ثلاثة أشهر من تأريخ انعقاده لغرض تهئية المستلزمات المتعلقة بالملتقى، إضافة لإنشاء مركز دراسات السياب، تتولى إقامته جامعة البصرة بالتنسيق مع اتحاد أدباء البصرة يهتم بالفنون والعلوم والأداب، وأخيراً الاهتمام ببيت السياب في مدينة أبي الخصيب وتحويله إلى متحف ثقافي عربي لاستقبال الزوار العرب والأجانب. وفي هذه الفقرة فوجئ الأدباء، في الجلسة الصباحية لليوم الثاني التي أقيمت في بيت السياب بما فعلته الحكومة المحلية ببيت السياب ومنزل الأقنان الشهير، من إعادة إعماره بدلاً من ترميمه، وكأن الأدباء دخلوا لبيت جديد لا علاقة له بالسياب وبيته الذي كتب به كثيراً.
وعلى الرغم من أن السياب دعا لكسر شكل الشعر الكلاسيكي والعمودي، لكن هناك شعراء قرؤوا قصائد عمودية في الجلسات الشعرية، على الرغم من اشتراط اللجنة التحضيرية للمهرجان على قراءة قصائد تفعيلة ونثر فقط، حسب ما كشف كريم جخيور.
تضمن حفل الافتتاح، فضلاً عن الكلمات والقراءات الشعرية، عرض أوبريت (رحلة السندباد)، وافتتاح معرض تشكيلي ومعرض للكتاب على هامش الملتقى. وفي مساء اليوم الأول أقيمت الجلسة النقدية التي كانت بعنوان ‘المقاربات الثقافية في شعر السياب’، وقد قدمت فيها الدراسات التالية: ‘عقدة هرمز أنساق المماثلة- السياب مترجماً’ للدكتور محمد أبو خضر، ‘انفتاح النص في شعر السياب- مدينة بلا مطر أنموذجاً’ للدكتورة نادي هناوي، ‘مقاربة ثقافية في شعر السياب وحياته’ للدكتور علي حداد، ‘أنساق السياب’ لعلي الفواز، ‘المقاربات الثقافية في شعر السياب’ لعلوان السلمان، ‘المدينة الحلم في شعر السياب’ للدكتور جاسم الخالدي.
وفي اليوم الثاني اجتمع المشاركون في بيت السياب بجيكور، ليقيموا الجلسة الشعرية الصباحية هناك، ومن ثم، أقيمت الجلسة النقدية الثانية التي كانت بعنوان ‘وعي التجديد في شعر السياب’، لتقدم فيها دراسات متنوعة: ‘حضور النص السيابي- التداخل النصي’ للدكتور محمد طالب الأسدي، ‘أصالة التغيير عند السياب’ لعيال الظالمي، ‘المتن السيابي ولغة النقد الحديث’ للدكتور باقر جاسم محمد، ‘قراءة في البنى النصية للمتن السيابي’ للدكتور جاسم محمد جسام.
المهرجان كان حلقة مهمة للوقوف على القراءات الجديدة في نصوص السياب الشعرية، وللدعوة لإقامة فعاليات نوعية والمطالبة بتأسيس بنية تحتية ثقافية لمدينة مهمة مثل مدينة البصرة، وعلى الرغم من التنظيم الي لم يكن على مستوى جيد، إلا أن التخصيصات المالية حالت دون تنفيذ عدد من الأفكار التي كان مخطط لها.