ابراهيم درويش
في تشرين الثاني (نوفمبر) 2004 قامت قوات المارينز بحملة قوية ضد مدينة الفلوجة التي تحولت لمعقل المقاومة العراقية ودمرت 70 بالمئة من المدينة فيما تشرد سكانها، واعترفت امريكا باستخدام القنابل الفسفورية، بعد اكثر من اربعة اعوام علي بداية معركة الفلوجة التي بدأت بعد اقل من اسبوعين من دخول القوات الامريكية للمدينة وقمعهم لمظاهرة سلمية لا يزال معظم سكان المدينة يعيشون كلاجئين ومن عاد منهم الي بيته لا يجد الماء او الكهرباء ويعيش في سجن كبير من البطاقات والاسلاك الشائكة ونقاط التفتيش. قصة الفلوجة علي الرغم من اهميتها في معركة العراق لم تكتب بعد مع ان هناك العديد من الكتب التي اعدها جنود مارينز وشهود عيان علي ما حدث ولكنها ليست القصة الكاملة، فرواية المجزرة التي تعرضت لها المدينة تحتاج الي عودة لجذور الازمة التي ادخلت المدينة المعروفة بمدينة المآذن اكثر من 200 مسجد كانت موجودة في المدينة، في معادلة الحرب علي الارهاب، التي اعلن عنها رئيس الولايات المتحدة جورج بوش، الفلوجة هي عنوان مسرحية بدأت عروضها في لندن بداية الشهر الحالي/ ايار (مايو) وتستمر حتي بداية حزيران (يونيو)، المسرحية التي كتبها جوناثن هولمز، الكاتب والمخرج المسرحي والاكاديمي المتخصص في شكسبير وصمم مشاهدها كل من لوسي ويورغ اورتا وكتب الموسيقي لها نيتن سواهني، تقدم عروضها في قلب شارع بركلين، الشارع الذي تحول بمحلاته وسكانه من اصل بنغالي لمعلم سياحي ومركز جذب للشباب والشابات، والموقع هو اولد ترومان بروري مصنع سابق للبيرة، وهي مسرحية وثائقية من خلال اعتمادها علي فكرة العرض المتحرك الذي لا يتمسك بمشهد واحد/ مسرح يتحرك عليه الممثلون ويتابع حركاتهم المشاهدون، الفلوجة تتكون من اربعة فصول من 31 مشهدا، المشهد الاول منها هو ثابت عندما يلتقي صحافي من قناة الجزيرة، وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس ويتحدث معها عن تداعيات الوضع في العراق وعن الفلوجة بالتحديد، وعن دورها، كما يسأل صحافي الجزيرة في توسيع فكرة الحرب علي الارهاب كي تشمل العراق، وتجيب ان ادارة بوش عندما تسلمت السلطة ايقنت ان لديها مشكلة هي العراق. وتكرر في رسالتها التي بعثتها للعالم الاسلامي من خلال القناة علي اهمية موقف امريكا باعتبارها بلدا يعترف بالتعددية الدينية ويحترم الاديان، ان الرئيس يحترم الاسلام كدين التسامح، بعدها ينتقل الجمهور الي مكان اخر في المسرح الذي تحول الي معرض مليء بالمجسمات والشاشات، حيث يتداخل الممثلون مع الجمهور، وذلك من اجل اشراكه في الاحداث، ينتقل الجمهور الي مؤتمر صحافي للسفير الامريكي في بغداد الذي يحيط به عدد من كبار القادة العسكريين ويقول معلقا علي سؤال من الصحافية ساشا المرفقة مع الجيش الامريكي، علي مقتل اربعة من المتعهدين الامريكيين الذين كانوا يعملون في شركة بلاكووتر التي تزود المرتزقة للجيش الامريكي بانه لن يعيق المسيرة للحرية والديمقراطية التي بدأها الامريكيون في العراق. بعدها ينتقل بنا المسرح الي رنا واحرار وهما عاملتان في الاغاثة الطبية كانتا تتابعان ما يقوله السفير والجنرالات الامريكيون، وتتحدث رنا عن طبيعة مهمتها الصعبة وهي الدخول للمدن المحاصرة وبعدها تقدم منظورا عراقيا عن الاسباب التي قادت للمقاومة وهو رد الامريكيين علي مظاهرة سلمية نظمها السكان احتجاجا علي ممارسات جنود المارينز، وتقول ان الفلوجة لم تقاتل من اجل صدام، فالسكان قالوا ان الامريكيين جاؤوا لتحسين الاوضاع ولكنهم اصبحوا بعد ممارسات الجنود الامريكيين يقولون ان الاخيرين جاؤوا لتدمير العراق.
في رواية مختلفة عن الموقف الامريكي تتحدث الصحافية ساشا لنقيب في الجيش البريطاني وواعظ مع الجنود البريطانيين عن الموقف العسكري في العراق ويتحدث النقيب عن عبثية الوضع مشيرا لاخطاء الامريكيين وان انشاء ديمقراطية في العراق امر مستحيل، فيما يتحدث الواعظ عن الفرق بين السنة والشيعة، جامعا في نظرته بين صدام والبعث والسنة، ويصف السنة بانهم يشبهون البروتستانت الذين يؤمنون بالطهورية والنصية اما الشيعة فهم كاثوليك الاسلام، من ناحية وجود هرمية في المرجعية الدينية. ساشا الصحافية تشتكي من حجب المعلومات عن الصحافيين وان احدا لا يعرف شيئا عما يجري في المدينة عندها يقول الواعظ ان خبر ما لا يعلمه الكثيرون هو عند جو، وهي بريطانية من بريستول كانت شاهدة علي ما جري في المدينة وتقوم بالمساعدة الطبية والاغاثة، حيث تتعرض مع رنا الي عملية اطلاق النار ثم تحتجزان من قبل رجال المقاومة، والمسرحية هنا تقدم صورة محايدة عنهم باعتبارهم مقاومة وطنية ويري الملثم من المقاومة الذي يحتجز جو ورنا انه يريد حمايتهما لانه لو تركهما تذهبان بدون حماية فقد تتعرضان لاختطاف من جماعات اخري، وهنا ينتقل الجمهور الي عرض فيديو تتحدث فيه صحافية فرنسية عن تجربتها في الاختطاف من قبل افراد الجيش الاسلامي. عملية التحضير لمشهد تدمير الفلوجة وما بعده تتضمن شهادة قناص امريكي الذي يحلم بالعودة لامريكا والزواج والذهاب برحلات لصيد الغزلان التي يقول انها للمتعة والغذاء اما هنا في العراق فالصيد شخصي وفيه نوازع انتقامية، بعدها يسخر العرض من فكرة، تحالف الدول المستعدة ولقاء صحافي مع جنرال امريكي يعلق علي القوة المولدوفية البلد الصغير ويهاجم الجزيرة علي تغطيتها للمعركة الاولي لمدينة الفلوجة، وانها تشجع الارهابيين، وخلال عملية الحشد ضد الفلوجة تقوم كوندوليزا رايس بإلقاء خطاب تتحدث فيه هنا كأكاديمية عن تغير المسار في السياسة الدولية وتنتقد الواقعية السياسية التي لا تهتم بالقيم الانسانية، وتمتدح الليبرالية الجديدة في دفاعها عن حقوق الانسان والحرية والديمقراطية. تتحرك المشاهد علي مكان واسع، يتنقل الجمهور من مشهد الي اخرـ كولونيل امريكي يقوم بتهديد سكان الفلوجة وانهم جميعا سيعاقبون وان يوم الحساب قد اقترب، ويمزج الكولونيل بين عمله كعسكري وبين مشاعره التي حملها معه الي الفلوجة حيث يقول انه يعلق فوق منامته صورة لبرجي نيويورك اللذين دمرهما مهاجمون من القاعدة وصورة اخري في حقيبته العسكرية، مؤكدا علي انه جاء لينتقم؟ لضحايا 11/9 / 2001 من خلال سكان الفلوجة. تسخر المسرحية ايضا من فكرة السيادة الوطنية العراقية عندما يمنع جندي من الحرس الوطني العراقي رنا من دخول المدينة ويتدخل ضابط امريكي ويتجاوز الجندي العراقي الذي تحدي الضابط قائلا ان هذه النقطة هي مركز سيادته فيشيرالضابط الي بندقتيه ليؤكد له انه هو الآمر.
ينقل لنا المسرح شهادات الجنود الذين شاركوا في عملية الفلوجة وحنقهم علي الجنرالات الذين يصدرون الاوامر ولا يعرفون حقيقة ما يجري علي الارض، وينقل المشهد اعترافات الجنود حول القتل وحمام الدم الذي لا يغطي مدينة الفلوجة فقط ولكن كل العراق، ويتحدث طبيب في مستشفي الفلوجة عن معاناة السكان ويحكي قصة عائلة امرها الجنود العراقيين بالخروج من بيتها حاملة الرايات البيضاء لكي يقتلها الامريكيون مع ان الجنود العراقيين امروهم بالخروج والتجمع قرب مسجد الفرقان، وهناك مشهد عن الجثث المتعفنة في المشرحة وشهادات الاطباء. تدور احداث المسرحية في فترة ما بين الهجوم الاول والثاني 2003 -2004 الا ان تقريرا يرسم استمرار معاناة سكان الفلوجة وعدم تحسن اوضاعهم. وينتهي هذا العرض بصلاة تقوم بها رايس في كنيسة حيث تصلي من اجل الجنود في العراق.
مسرحية هولمز هي مسرحية وقائع واحداث حقيقية، اذ ان كل مشهد قدم مبني علي شهادة حقيقية، اما من مراسلين او شهادة الناشطة البريطانية جو ويلدينغ ورحلات الناشطة سكيلا ايلووثي التي زارت الفلوجة وقامت بانشاء مجموعة اوكسفورد للبحث ودليل السلام. وفكرة المسرحية ولدت من اهتمامات المخرج عندما كان يصور عام 2004 حلقات وثائقية عن صانعي السلام وكان من ضمن الذين التقاهم ايلوورثي. وقد اعتمد في تركيبه لاحداث الفلوجة علي عدد من المصادر الموثقة، شهادات صحافيين او مؤسسات دولية تم التأكد من مصداقية هذه الشهادات. يبقي التأكيد علي مصداقية الشهادت والاحداث جانبا من عملية الاعداد والانتاج المسرحي، فعلي خلاف الوسائط الفنية الاخري فالمسرح لا يستطيع تقديم واقعية سردية بصرية مفصلة عن الاحداث بنفس الطريقة التي يقدمها الفيلم الوثائقي، وحتي لو اراد تقديم شهادات واقعية فان الواقعية هذه تضيع عندما يستعيض المخرج عن الاشخاص الحقيقيين بممثلين غيرهم مما يفقد العرض واقعيته، ومن هنا فان وصف المسرحية الحالية بالمسرح الوثائقي هو تجاوز او مجاز من ناحية ان الشخصيات واحداثها تقوم علي احداث حقيقية وشخصيات واقعية. ومن هنا يقول هولمز في تقديمه للمسرحية انه علي خلاف النثر، فالمسرح لا يستطيع تقديم واقعية مصورة، والمسرح بهذه المثابة ومقارنة مع النثر لا يمكن ان يقدم للمشاهد وصفا دقيقا وواقعيا للاحداث. ومن هنا فان كتابة او اعداد مسرحية شهادات هي محاولة للمزاوجة بين الاصالة والواقعية، وهذه المقاربة قاصرة لانه في الوقت الذي تنزع الشهادة من سياقها الحقيقي وتلبسها لممثل فالشهادة تفقد مصداقيتها، كما ان الواقعية والاصالة تفقدان صلتهما بالحقيقة عندما تركب شهادة مع اخري. وعلي الرغم من انه في المسرح القولي القائم علي نص فان المشاهد يعترف بان الشهادة التي تقوم علي واقع هي محاكاة للواقع عبر ممثل او ممثلين. واذا كان من المستحيل تحويل المسرح الي مكان لتقديم الشهادة كما هي، فلماذا اختار المخرج هذه االصيغة غير التقليدية لاعادة حكاية مدينة الفلوجة وتدميرها؟ يقول هولمز ان نقطة البداية لكتابة المسرحية بدأت بالاعتراف بصعوبة تقديم صورة اصيلة وحقيقية عن الوضع في الفلوجة، فمن غير الممكن تحويل المسرح الي مكان يشبه مدينة محاصرة كالفلوجة مهما كانت موهبة مصمم العرض. وعليه يقول ان الوثائقية الواقعية غير ممكنة في هذا السياق ومن الصعوبة بمكان محاولة فعل هذا. ومع ذلك قرر اتخاذ هذا الشكل ودافعه هو المسؤولية الاخلاقية وليست الاصالة. ويري هولمز ان معلومات المسرحية في معظمها معروفة للمشاهد، وبتقدير متواضع 60 بالمئة منها يعرفه الجمهور، ومن هنا فاختلاف المسرحية الحالية عن المسرحيات الاخري التي ظهرت وتعالج الموضوع العراقي من خلال محاكاة نصية وقولية، هو مستوي المواد وغناها، ومحاولتها لاشراك الجمهور ودفعه للتفاعل مع سكان الفلوجة المحاصرين، حيث يتحرك الجمهور والممثلون في سياق واحد ويقوم المشاهد بالمشاركة في لعبة التوقعات، والبحث عن مصادر الفعل القادم. وقد تم تصميم المسرحية بطريقة مفتوحة، سائلة وفيها دينامية وحركة، حيث يشترك الجمهور مع الممثلين بالضوء والحركات. يقول هولمز انه قرر اعتماد هذا الشكل من الاداء والتصميم المسرحي لانه يجعل المشاهد، الذي دخل في اللعبة المسرحية يحزم امره، اما الدخول والتفاعل عاطفيا مع الاحداث او الاحتفاظ بموقف بعيد ومنفصل عن الحدث، اي التمسك بدور المتفرج. العمل هو في النهاية لا يدعي الموضوعية والحيادية، وهو ان قام علي احداث حقيقية الا انه يقوم بتسجيل موقف اخلاقي من الاحداث، ويتحدث عن المسؤولية الجماعية منه، وهي ان نعرف ما حدث ونحاول ان نمنع حدوثها في المستقبل والاهم من ذلك هو ان لا نروغ من تحمل واجبنا الاخلاقي. الفلوجة التي يعيشها المشاهد هي نفس الفلوجة التي دمرها المارينز، ولكن سيولة العرض وتوزعه علي عدد من المساحات وتعدد الوسائط الاعلامية احيانا تفقد المتفرج/ الممثل تركيزه واحيانا تعاطفه مع المشاهد، وتشتت العرض اثر علي الكثافة العاطفية في المواقف. وعلي الرغم من عاطفية الاداء وانفعاليته الا ان المشاهد كان يبحث عن صوت سكان الفلوجة، الذي بدا في اخر لحظات العرض بصوت الاذان وموسيقي نيتن واغنية لا اله الا الله، كما ان اختيار لباس الطبيب العراقي بالثوب الابيض/ الدشداشة جعله اقرب الي ان يكون هنديا او بنغاليا منه للعراقي. ملاحظة اخيرة، في مقارنة النص المكتوب للمسرحية مع العرض تم حذف مشهد عن معرض بغداد التجاري الذي كان مقصودا منه اظهار دخول العراق في الاقتصاد الرأسمالي وبحضور حاكم كاليفورنيا والممثل السابق ارنولد شوارزنيغر وقد اشار المؤلف لهذا حيث قال ان النص قد يتعرض للتطوير والتحوير اثناء الاعداد والتمثيل.
يخرج المشاهد للعرض موزعا بين صورتين، صورة المدينة التي لا يزال ما حدث فيها بعيدا عن عيون الاعلام في زمن بدأت فيه امريكا وحلفاؤها العراقيون ببناء الجدران حول المدن والاحياء امعانا في حجب الحقيقة، وبين شهادات حقيقية، حيث بدا لي ان الجانب العراقي اقل تمثيلا وكثافة من الجانب الامريكي الذي يبدو متحمسا لمهمته مع انتقاده لسياسات ادارته، مقارنة بسكان الفلوجة حتي رجال مقاومتها الذين نري واحدا منهم ونعيش معا تجربة القصف والمعارك وصوت المروحيات. وبعدها تخمد الاصوات، وكل شيء هاديء علي الجبهة الغربية، فقد تم تدمير المدينة… المسرحية في سياقها العام تقدم وجها من وجوه المدينة التي تحولت لرمز للمقاومة، ودفعت ثمن مقاومتها. فقد اصبحت الفلوجة العراق، وتحول العراق للفلوجة، بعدها تلعفر، والرمادي والاعظمية والمسبحة تكر.
ناقد من اسرة “القدس العربي” QMS