مدينة النجف المقدسة تتزين بشجرة الميلاد ومدينة بيروت تلبس الأبيض والأحمر

حجم الخط
12

تعتبر التحولات السياسية والقيمية التي دشنتها احتجاجات الشعوب العربية، مؤشراً على تحول عميق في الذهنية الطائفية والدينية المتعصبة والثقافة المنغلقة. إن الإنسان العربي اليوم يشهد ميلاداً جديداً أساسه الرغبة في الانفتاح وقبول الآخر وتأكيد الاعتراف. فحين نجد في النجف تلك المدينة الدينية التي لها تاريخياً حرمة خاصة ورمزية لا تخرج عن معناها الثيولوجي، أن أبناءها يرفعون شجرة عيد الميلاد لأول مرة في تاريخها ، فهذا يعني أن هناك إصراراَ أكيداً من طرف الإنسان الشيعي على انفتاحه على الآخر ورغبته في التعايش مع مختلف الديانات والثقافات . وهذا استمرار لاحتفاء ومشاركة المسيحيين في الثورة العراقية. وكم كانت الصور التي رصدتها القنوات وحكت عنها بتفاصيل ناطقة دليل على أن من راهن على تمزيق الجسد العربي، كما حدث في السابق، سيخسر لأن منسوب الوعي العربي قد ارتفع بالتأكيد هذه المرة.
هم الإنسان العربي اليوم ليس دينياً أو طائفياً، همه الأوحد أن يعيش في ديمقراطية عادلة ومجتمع يؤمن كرامته ويعترف به كشريك في بناء وطن يسع للجميع، وليس كأجير يترصد بقايا من يمثلون الليبرالية المتوحشة والنخب الفاسدة التي اغتنت على حسابه زمناً طويلاً.. حضور شجرة عيد الميلاد المزينة في النجف بصور الشهداء الذين يمثلون كل الأديان مؤشراً على أن الإنسان العربي يخطو في اتجاه يجعل من تاريخه الحالي لحظة لخلق القطيعة مع تاريخ مظلم ارتبط فيه بشوفينية وعنصرية وطائفية غذاها الاستعمار القديم والحديث.
إن الدلالة نفسها تنتقل إلى رحاب بيروت حيث الجرح ينزف مجدداً لكنه يرسم بوضوح باهر لحظة الانتقال إلى حداثة حقيقية أساسها الإنسان أولاً وأخيراً ، والمواطن بالإطلاق. لقد تمكن اللبنانيون أن يبدعوا شكلاً تعبيرياً آخر تنويعاً لمعنى شجرة الميلاد التي جعلوها رمزاً للالتقاء والأخوة والمحبة. هذا التنويع بدأ برفع مطالب اللبنانيين وهي مطالب تناهض الفساد وتدعو إلى المعايشة المشتركة. وهذه الصيغة الإبداعية اللبنانية التي شارك فيها الشعب اللبناني كله في ساحة الشهداء إشارة إلى بطلان تلك الشجرة التي كانت تنصبها الدولة في السنوات الماضية ، ولا نعلم كم كانت كلفتها المادية على حساب الشعب ودافعي الضرائب . إننا الآن بصدد قصة عربية جديدة فصولها متداخلة ولغتها واحدة وشخوصها شعب عربي بوعي جديد.
في أيام عيد الميلاد جلب اللبنانيون من عمق ذاكرتهم الإبداعية معنى التضامن الفني ..
لبس الشبان والشابات من كل الطوائف ثياب سانتا الحمراء والبيضاء ورقصوا معاً في ساحة الشهداء للأطفال ولعبوا معهم.
إنه فن تحويل الوجع إلى ابتسامات وفرح…واشتقاق الألوان من الظلمة…
لقد تلاحقت المبادرات الإنسانية ذات الدلالة التضامنية كما عبرت عنها مثلاً أمهات جونية اللواتي نظمن ما أطلقن عليه ب”سوق الميلاد” في ملعب فؤاد شهاب لتوزيع الثياب والألعاب والمواد الغذائية لكل المحتاجين.
نحن حقاً بصدد ميلاد جديد لحركة اجتماعية عربية لا تحتج من أجل الاحتجاج وإنما من أجل ترسيخ قيم المواطنة والرغبة في التشارك في دولة وطنية ترتفع إلى أفق انتظار مواطنيها. والرغبة في التشارك تعني توطيد تعاقد جديد مع دولة حامية لمواطنيها وجامعة لهم بكل أطيافهم وطوائفهم ومناطقهم، لا دولة منتصبة فوق رؤوس الجميع.
أن ترى امرأةٌ ابنها يقتل أمامها فتخضب يديها بدمه ترفعهما عالية وهي تحتفي به كعريس للشهداء وتبشر بميلاد أكتر من شهيد من بعده متجاوزة بذلك حرقة الأم وألم الفراق فذلك يؤكد على أن القضية العربية أصبحت مسألة حياة وموت لا تتعلق بالفرد الواحد بقدر ما تتعلق بكرامة أمة بأكملها.
إنه الشاب العراقي علي العصمي الذي اغتالته الميليشيات وسط الناصرية بمحافظة ذي قار، نقلاً عن سكاي نيوز، جعل من دمه شعاراً تردده أمه باسم كل النساء العربيات:
“غدروك الجبناء يا ابني.. لو مات واحد أو 100.. أني قافل “مصممة” على القضية.. هذه قضية العراق لا تنتهي”.
هو الشعار نفسه يتقاطع مع فجيعة أم وخطيبة عريس آخر وأخته استشهدا في شمال لبنان نتيجة إهمال الدولة. لقد وقع عليهما سقف البيت لينهي حلمهما الوردي الشاب. والغريب أن صورة المسؤول السياسي ظلت معلقة لم يطلها الردم.. وكأنها تشير إلى أن هؤلاء الجبابرة يتمسكون بعلوهم فوق أجساد شعب ما فتئ يعاني الويلات من جراء فسادهم الذي نخر العظم واللحم.

*كاتبة لبنانية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية